exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


 

 نقد ابن خلدون للفلسفة

إعداد : أ.د. عبد الأمير الأعسم                     

أستاذ تاريخ الفلسفة و المنطق في جامعة عدن

و الدكتورة فائزة تومان الشمري الأعسم

أستاذ زائر في قسم الفلسفة / كلية الآداب / جامعة  عدن  

 

                    إن البحث في ابن خلدون على نحو جديد ليس بالمهمة اليسيرة، لأن الإسهام في تحديثه لا يحقّق قراءة صحيحة خالية من الوقوع في التكرار و إعادة الأقوال و الأحكام التي سبق لباحثين متميزين أن ساقوها في دراساتهم و أبحاثهم عن ابن خلدون : سيرته، وفكره العام و الخاص، في علم الاجتماع و علم العمران و فلسفة التاريخ و فلسفة الحضارة و علم السياسة ، وغيرها في الجغرافية و البيئة و الثقافة والعلوم المتصلة بالإنسان  [1]. لكننا هنا، نحن معنيان تمام العناية بمسألة هي من جهة كونها تمثل جوهر موقف ابن خلدون من الفلسفة، فذلك موضوع مهم للغاية، لم يتضح في قراءات المعنيين بفكر ابن خلدون، على الرغم من محاولات بعض الباحثين إقحام الأيدولوجيا من جهة [2] أو إقحام الفلسفة [3] عليه و على المقدمة، بل إن بعضهم أقحم المنطق [4] في قراءات ابن خلدون بحسبانه واحدا من المنطقيين العرب[5].  و تبعا لذلك نحن بحاجة شديدة إلى إعادة تقويم موقفه من الفلاسفة، و العلوم المتصلة بها في الموروث الفلسفي العربي و الوافد اليوناني الذي تغلغل في الفلسفة العربية في الإسلام حتى وصل إلى ابن خلدون.[6]

 

 

     ومن الضروري أن نتساءل منذ البداية: كيف قرأ ابن خلدون الفلسفة ؟ و كيف تسنى له الإطلاع على أقوال الفلاسفة اليونانيين ( مثلا إشاراته لأرسطو )[7] ، أو الفلاسفة المسلمين ( مثلا إشاراته إلى أبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا ).[8]   وليس في مقدورنا امتحان معرفة ابن خلدون لندرك على نحو صحيح، أ كان فعلا يعرف فلسفة أرسطو والفارابي و ابن سينا من كتبهم، أم تراه كان قد قرأها في كتاب محدد أوجز فلسفات هؤلاء على نحو مكرّس ، كما فعل أبو حامد الغزّالي في كتابه الشهير  " مقاصد الفلاسفة " [9] الذي يمثل مسار الفلسفة المشائية بعرض دقيق موضوعي و بحياد فلسفي قصد منه الغزّالي أن يجعله مقدمة ضرورية للرد على الفلاسفة في كتابه الآخر " تهافت الفلاسفة " [10]. و ليس من قبيل المصادفة أن يأتي كلام ابن خلدون في مقدمته عن الفلسفة و المنطق في سياق الغزّالي الذي كان واضح العبارة في الكتابين المذكورين على نحو يندر أن نجده في تاريخ الفلسفة العربية في كتب مختصرات الفلسفة و الردود عليها [11]. و كان ابن خلدون لا يشير إلي الكتابين صراحة(؟)،  فكانت مناقضاته للفلسفة و الرد على الفلاسفة في الفصل الذي خصصّه ( في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها )  [12]على نحو أقل شأنا ![13] من عمل الغزّالي.

 

       و نحن هنا في هذا البحث سنكشف الغطاء عن تلبيس بعض الباحثين بالدعوة إلى اعتبار ابن خلدون فيلسوفا،  أولا و بالذات، مع الاعتراف بأنّه " اقتفى في معظم هذه المسائل أثر الغزّالي، فانّه كان ذا نظرة فلسفية إلى الكون و الإنسان تكاد تكون خاصة به. وعلى أساس هذه النظرة شيّد فلسفته السياسية والاجتماعية، وعلى الأصح نظرته الفلسفية إلى تاريخ الإسلام "[14], أما من جهة أنه كان انقلب على الفلسفة التي بدأ بها في حياته العقلية[15]، فهذا أمر آخر يحتاج منّا إلى تدقيق لأنه ليس من الصحيح أن نستخرج أقوالا متناثرة مقتضبة لابن خلدون ، مع تقرير أنه، على الرغم من ابتعاده عن الدرس الفلسفي بعد اعتزاله العمل السياسي، يتحمّس بعض الباحثين لعدّه فيلسوفا محترفا و من الفلاسفة فعلا [16]،    و لكننا مقتنعان تمام القناعة بمخالفة هذا الرأي ، للأسف، فلا نراه كذلك.!

 

خلفية ابن خلدون التاريخية:

       كتب ابن خلدون مقدمته[17] سنة 779 / 1378   ، وقد بلغ من العمر سبعا و أربعين سنة ، فجاءت بلا ريب ممثلة لما عاناه عصره الذي كان موصوفا بالتشرذم السياسي في المغرب ، بعد أن سقطت بغداد على أيدي المغول سنة   656  / 1258 [18] ،  فقد مرّت أربع و سبعون سنة على ضياع  الدولة العربية في المشرق ، إلا مصر ، فكان ذلك إيذانا بتشرذم المغرب ، أيضا ، حتى سقوط غرناطة سنة 1492[19] ، وكان ذلك بعد وفاة ابن خلدون بست و ثمانين سنة فقد ضاعت الأندلس  في المغرب الأقصى  بعد حروب الاسترداد . من هنا كان القرنان 14 و 15 يمثلان عصر تراجع و انحطاط  ومن  أصعب القرون في التاريخ  إزاء القوى المتصاعدة الجديدة في أوروبا ، ففي وقت  بدأت تتفكك  حضارة المجتمعات العربية مشرقا و مغربا[20]، كانت أوروبا تتصعد فيها الحضارة الجديدة ، و يكفي أن نرصد هنا حالتين:

 

 1.كان ابن خلدون  قد ولد  1332 في  تونس  ، بعد  وفاة  ابن رشد في مراكش بمائة و أربع وثلاثين سنة . و المدهش أننا نلاحظ هنا أنّه كما لم ينفع دفاع محمود قاسم عن ابن رشد  في تقويم شخصيته العربية عند الباحثين العرب المحدثين   بعد قراءة ارنست رينان  E.Renan   للرشدية العبرية- اللاتينية   ، لم ينفع أيضا دفاع محمد عابد الجابري عن ابن خلدون  في تقويم شخصيته العربية في القراءات العربية و الغربية على حد سواء منذ عهد البارون دي سلان

 2. وكان بعد وفاة ابن خلدون في القاهرة سنة 1406[21] ، بمائة وست وثلاثين سنة،  ظهور ميكافيللي Macchiavelli الذي ولد سنة 1468 في إيطاليا[22]. فكان ذلك إيذانا بغياب ابن خلدون من ساحة الثقافة الأوروبية التي استأثرت بآراء ميكافيللي على نحو يحتاج إلى تفسير دقيق لمثل هذا الموقف التعصبي بالضد من قبول صورة ابن خلدون، و إلا فالجهل الأوروبي  به و بمقدمته ، هو الذي أخّر معرفة الأوربيين بابن خلدون إلى مطلع الثلث الأول من القرن العشرين [23] على الرغم من انتشار قراءة المقدمة بالعربية منذ 1858،[24] و قراءتها بالفرنسية ابتداء من سنة    1868.[25]

 

      و بناء على ما تقدّم ، نلاحظ أن الاختلاف في قراءة  سيرة ابن خلدون الذاتية[26] ، التي كتبها بنفسه ، أو السير التاريخية المختلفة التي كتبها مؤرخوه  أو الباحثون المحدثون من المستشرقين   و العرب[27] . وستتوالى الكتب و الأبحاث و الدراسات عن ابن خلدون بعد المؤتمر الدولي عن ابن   خلدون في الجزائر 1978، لكن، ليست ا لمتابعة الببليوغرافية هنا من مشاغلنا في هذا البحث.[28]

           نحن في هذه الملاحظات الأولية نؤكد ثلاثة مسائل :

          الأولى: أن ابن خلدون  استطاع أن يكتب المقدمة على نحو لا نظير له في دراسة العمران، كما سمّى جهده المبذول في قراءة التاريخ البشري .

          الثانية: أن ابن خلدون قدّم لنا تفسيرات فلسفية في إعادته تحليل المجتمع البشري في ضوء الحضارة : نشوئها ، و نموها، و ازدهارها، ثم انحلالها، و سقوطها، و اندثارها. 

         الثالثة: لم يكن ابن خلدون في تفسيراته ، و لا من جهة تأويلاته أحيانا، يمكن أن يدخل ميدان الفلسفة احترافا ، بل استفاد منها في تشكيل تصورات تنظّم قوانين الأنسنة .

 

       ولغرض البحث في هذه المسائل من جهة تناولها عند ابن خلدون، سنقوم ، الآن ، بعرض النص الخلدوني في الفصل الرابع و العشرين " في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها "[29] لنقيم عليه حججنا في أصول موقف ابن خلدون من الفلسفة ، و مديات اتصاله بالفلسفة التي وصلت إليه من المشرق ، و ما اطلع عليه منها في المغرب.

 

عرض ابن خلدون للفلسفة:

 

    يقول ابن خلدون في المقدمة : [30]     [ص 514 ]

1.   هذا الفصل  و ما بعده[31] مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن ، وضررها في الدين كثير ، فوجب أن يََُِصدع بشأنها ، و يُكشف عن المعتقد الحقّ فيها. و ذلك أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أنّ الوجود كله ، الحسّي منه وما وراء الحسّي ، تُدرك أدواته و أحواله بأسبابها و عللها بالأنظار الفكرية و الأقيسة العقلية . و أن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع، فإنها بعض من مدارك العقل. و هؤلاء يُسمون فلاسفة ، جمع فيلسوف و هو باللسان اليوناني[32] محب الحكمة[33]. فبحثوا عن ذلك، و شمّروا  له، وحوّموا على إصابة الغرض  منه ، ووضعوا  قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق و الباطل و سمّوه بالمنطق[34].

 

 2.   [35].... إن التصور التام عندهم هو غاية الطلب الإدراكي ، وإنماّ [ص 515]ا التصديق  وسيلة له . و ما تسمعه في كتب المنطقيين[36] من تقدّم التصور و توقّف التصديق عليه فبمعنى الشعور لا بمعنى العلم التام. و هذا هو مذهب كبيرهم أرسطو[37]  .

 

3.   [38]... ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ، ما في الحس و ما وراء الحس ، بهذا النظر وتلك البراهين ....و إمام هذه المذاهب الذي حصّل مسائلها و دوّن علمها وسطّر حججها، فيما بلغنا في هذه الأحقاب ، هو أرسطو المقدوني  من أهل مقدونيا من بلاد الروم ، من تلاميذ أفلاطون، و هو معلم الإسكندر و يسمّونه المعلم الأول على الإطلاق ، يعنون معلّم صناعة المنطق[39] ، إذ لم تكن  قبله مهذّبة ، و هو أول من رتّب قانونها و استوفى مسائلها و أحسن بسطها. ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء لو تكفّل له بقصدهم في االالهيات ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ   بتلك المذاهب واتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل إلا في القليل، و ذلك أنّ كُتب أولئك المتقدمين لمّا ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي  ، تصفحها كثير من أهل الملّة ، و أخذ من مذاهبهم مَن أضلّه الله من منتحلي العلوم  ، وجادلوا عنها و اختلفوا في مسائل من [40] . تفاريعها . و كان من أشهرهم أبو نصر الفارابي[41] في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة، و أبوعلي بن سينا[42]   في المائة الخامسة لعهد نظام [ ص 516]  المُلك من بني بويه بأصبهان وغيرهما.

 

>  1 <

و اعلم أنّ هذا الرأي ،  الذي ذهبوا إليه ، باطل بجميع وجوهه

 

> 2<   

أما إسنادهم الموجودات كلها إلى العقل الأول و اكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب ، فهو قصور عما وراء ذلك من رُتب خِلٍِق الله . فالوجود أوسع نطاقا من ذلك ( و يخلق ما لا تعلمون ) ، و كأنهم  في اقتصارهم على إثبات العقل فقط و الغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الأجسام، خاصة المعرضين عن النقل و العقل ، المعتقدين أنّه ليس وراء الجسم في حكمة الله شيء.

 

> 3 <

أما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات ، و يعرضونه على معيار المنطق و قانونه ، فهي قاصرة و غير وافية بالغرض.

أما  ما كان منها في الموجودات الجسمانية ن و يسمونه العلم الطبيعي ن فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تُستخرج بالحدود و الأقيسة كما في زعمهم، وبين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة.و الموجودات الخارجية متشخّصة بموادها، ولعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي ،اللهم إلا ما لا يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده ، لا تلك البراهين .

 فأين اليقين الذي يجدونه فيها ، وربما يكون تصرّف الذهن أيضا في المعقولات الأول المطابقة للشخصيات بالصور الخيالية لا في المعقولات الثواني التي تجريدها في الرتبة الثانية ، فيكون الحكم حينئذ يقينيا بمثابة المحسوسات، إذ المعقولات الأول أقرب إلى مطابقة الخارج لكمال الانطباق فيها ، فنسلّم لهم حينئذ دعاويهم في ذلك. إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه.

 فان مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا و لا معاشنا ، فوجب علينا تركها[43].

 

> 4 <

و أما ما كان منها في الموجودات التي وراء الحس ، وهي الروحانيات ، ويسمّونه العلم الإلهي و علم ما بعد الطبيعة [44] ، فانّ ذواتها مجهولة رأسا و لا يمكن التوصّل إليها  ولا البرهان عليها[45] ، لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مُدرك لنا، ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نجرّد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس  بيننا و بينها ، فلا يتأتى لنا برهان عليها و لا مُُُُُُدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة  إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس الإنسانية  و أحوال مداركها و خصوصا في الرؤيا التي  هي وجدانية لكل أحد و ما وراء ذلك من حقيقتها و صفاتها [ ص 517 ] فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف عليه .وقد صرّح بذلك محققوهم حيث ذهبوا إلى أن ما لا مادة له لا يمكن البرهان عليه،  لأن مقدمات البرهان من شرطها أن تكون ذاتية.

 

>  5 <

و قال كبيرهم أفلاطون: إن الإلهيات لا يُوصل فيها إلى أينين، و إنما يُقال فيها بالأخلق و الأولى ، يعني الظن.

 و إذا كنّا إنما  نحصُل بعد التعب و النصب على الظن  فقط ، فيكفينا الظن الذي كان أولا ، فأيّ  فائدة لهذه العلوم و الاشتغال بها ، و نحن إنما عنايتنا بتحصيل اليقين فيما وراء الحس من الموجودات. و هذه هي غاية  الأفكار الإنسانية عندهم.

 

>  6 <  

و أما قولهم  عنّ السعادة في إدراك الموجودات على ما هي عليه بتلك البراهين ، فقول مزيف مردود ، و تفسيره أنّ الإنسان مركب من جزأين ، أحدهما جسماني ، و الآخر روحاني ممتزج به، و لكل واحد من الجزأين  مدارك مختصة به ، و المُدرك فيهما واحد وهو الجزء الروحاني يُدرك تارة مدارك روحانية و تارة مجارك جسمانية ، إلا أنّ المدارك الروحانية  يُدركها بذاته بغير واسطة ، و المدارك الجسمانية بواسطة آلات الجسم من الدماغ و الحواس ، وكل مدرك فله ابتهاج بما يدركه ...فلا شك أن الابتهاج بالإدراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد و ألذّ ، فالنفس الروحانية إذا شعرت بإدراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة حصل لها ابتهاج و لذّة لا يُعبر عنهما. و هذا الإدراك لا يحصل بنظر و لا علم ، و إنما يحصل بكشف حجاب الحس ونسيان المدارك الجسمانية بالجملة.

  والمتصوفة كثيرا ما يُعنون بحصول هذا الإدراك للنفس بحصول هذه البهجة ....

و هذا الرأي  زعموه بتقدير صحته مسلّم لهم ، و هو مع ذلك غير واف بمقصودهم.

 

> 7 <

فأمّا قولهم إنّ البراهين و الأدلة العقلية مُحصّلة لهذا النوع من الإدراك و الابتهاج عنه، فباطل كما رأيته. إذ البراهين و الأدلة من جملة المدارك الجسمانية لأنّها بالقوى الدماغية من الخيال و الفكر و الذكر.

و نحن نقول : إنّ أول شيء نُعنى به في تحصيل هذا الإدراك إماتة هذه القوى الدماغية كلها، لأنها منازعة له ، قادحة فيه.

>  8 <

 

و تجد الماهر منهم  عاكفا [ 518 ]على كتاب الشفاء ، و الإشارات ، و النجاة[46]  و تلاخيص ابن رشد [47]، للقصّ من تأليف أرسطو  وغيره [48] ، يبعثر أوراقها و يتوثّق من براهينها، و يلتمس هذا القسط من السعادة  فيها و لا يعلم أنّه يستكثر بذلك من الموانع عنها ، و مستندهم في ذلك ما ينقلونه عن أرسطو ، والفارابي ، و ابن سينا أنّ من حصل له إدراك العقل الفعّال و اتصل به في حياته، فقد حصّل حظّه من هذه السعادة.

  و العقل الفعّال [49]، عندهم ، عبارة عن أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب الروحانيات ، و يحملون الاتصال بالعقل الفعّال على الإدراك العلمي . وقد رأيت فساده . و إنما يعني أرسطو[50]  و أصحابه بذلك الاتصال و الإدراك، إدراك النفس الذي لها من ذاتها و بغير واسطة و هو لا يحصل إلا بكشف حجاب الحس.

 

 > 9 <

أما قولهم : إنّ البهجة الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة الموعود بها ، فباطل أيضا، لأنّا إنما تبيّن لنا بما قرروه  أنّ وراء الحس مُدركا آخر للنفس من غير واسطة، و أنّها تبتهج بإدراكها ذلك ابتهاجا شديدا، و ذلك لا يُعيّن لنا أنّه عين السعادة الأُخروية ، و لا بدّ  بل هي من جملة الملاذ التي لتلك السعادة.

> 10<

 

أما قولهم : إنّ السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه، فقول باطل مبنيّ على ما كنّا قدّمناه في أصل التوحيد من الأوهام و الأغلاط في أن الوجود عند كل مُدرك منحصر في مداركه . و بيّنا فساد ذلك. و إنّ الوجود أوسع من أن [51]  يُحاط به أو يُستوفى إدراكه بجملته روحانيا أو جسمانيا ، و الذي يحصل من جميع ما قررناه من مذاهبهم أنّ الجزء الروحاني إذا  فارق القوى الجسمانية أدرك إدراكا ذاتيا له مختصا بصنف من المدارك ، وهي الموجودات التي أحاط بها علمنا  وليس بعام الإدراك في الموجودات كلها إذ لم تنحصر ، و أنّه يبتهج بذلك النحو من الإدراك ابتهاجا كما يبتهج الصبي بمداركه الحسية في أول نشوئه[52]  . و من لنا بعد ذلك بادراك جميع المجودات [53] ، أو بحصول السعادة التي وعدنا بها الشارع إن لم نعمل لها هيهات هيهات لما توعدون.

 

> 11<

أما قولهم إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه و إصلاحها بملابسة المحمود من الخُلق و مجانبة المذموم، فأمر مبنيّ على أنّ ابتهاج للنفس بأما قولهم إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه و إصلاحها بملابسة المحمود من الخُلق و مجانبة المذموم، فأمر مبنيّ على أنّ ابتهاج النفس [54] بإدراكها الذي لها من ذاتها هو عين السعادة الموعود بها ، لأنّ الرذائل عائقة للنفس عن تمام إدراكها ذلك بما يحصل لها من الملكات الجسمانية و ألوانها. و قد بيّنا أن أثر السعادة و الشقاوة من وراء الإدراكات الجسمانية و الروحانية. [ 519 ] فهذا التهذيب الذي توصّلوا إلى معرفته إنما نفعه في البهجة الناشئة عن الإدراك الروحاني فقط الذي على مقاييس و قوانين. و أما ما وراء ذلك من السعادة و التي بها الشارع على امتثال ما أمر به من الأعمال و الأخلاق ، فأمرٌ لا تحيط[55]   به مدارك المدركين. و قد تنبّه لذلك زعيمهم أبو علي بن [56] سينا ، فقال في كتاب المبدأ المعاد [57] ، ما معناه إنّ المعاد الروحاني و أحواله هو ما يتوصّل  إليه بالبراهين العقلية و المقاييس ، لأنّه على نسبة طبيعية محفوظة و وتيرة واحدة ، فلنا في البراهين عليه سعة.  و أما المعاد الجسماني و أحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان لأنّه ليس على نسبة واحدة  ، و قد بسطته لنا الشريعة الحقّة المحمدية، فلينظر فيها ، و ليرجع في أحواله إليها . فهذا العلم ، كما رأيته غير وافٍ بمقاصدهم التي حوّموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع و ظواهرها، وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة و هي شحذ الذهن في ترتيبا لأدلّة و الحجج لتحصيل  ملكة الجودة و الصواب في البراهين ، و ذلك أنّ نظم المقاييس و تركيبها على وجه الإحكام و الإتقان هو كما شرط المنطقية.

  

> 12 <

و قولهم بذلك في علومهم الطبيعية ، و هم كثيرا ما يستعملونها في علومهم الحكمية[58] من الطبيعيات و التعاليم، و ما بعدها، فيستولي الناظر فيها بكثرة استعمال البراهين بشروطها على ملكة الإتقان و الصواب في الحجج و الاستدلالات لأنها ، و إن كانت غير وافية بمقصودهم، فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار.

 هذه ثمرة هذه الصناعة مع الإطلاع على مذاهب أهل العلم و آرائهم ، و مضارّها ما علمت[59] . فليكن  الناظر فيها متحرّزا جهده من معاطبها ، وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات و الإطلاع على التفسير و الفقه و لا  ينكّبّنّ [60]  أحد عليها و هو خلو من علوم الملّة ، فقلّ أن يسلم لذلك من معاطبها. ........

 

 في أن  نقد ابن خلدون للفلسفة يخلو من المنهجية: 

   نحن ، هنا، بلا شك أما جملة من المعضلات المرجعية في قراءة ابن خلدون للفلسفة ، و منها :

 

كيف يمكننا أن نقبل هذا التعميم في الأحكام العامة غير الموثّقة عن كل ما ينقله ابن خلدون عن الفلاسفة ، يونانيين و مسلمين ، و إلى أي مدى يمكننا أن نضعه في مرتبة الفلاسفة من الصف الأول الذين انتقدهم انتقادا لاذعا كأفلاطون و أرسطوطاليس و الفارابي و ابن سينا  و ابن رشد ، و على نحو يخالف الطريقة التي يتمسك بها  الفلاسفة الذين هم أدنى مرتبة من التمسك بهؤلاء  الكبار من قبل فلاسفة أدنى شأنا في الصف الثاني [61] أو الصف الثالث[62]  ؟

 

 إن تصنيف العلوم الذي اتبعه ابن خلدون  يظهره  مخالفا لمنهج الفارابي في كتاب إحصاء العلوم [63]،أو الخوارزمي الكاتب في كتاب مفاتيح العلوم [64] ، و كأنّه أراد أن يغيّر في خارطة التقسيمات التي ورثها الإسلاميون من جهة أن العلوم هي تلك التي وردت في الأعمال الكاملة لأرسطوطاليس ،أو استحدثوها في تطورهم المعرفي فصارت مخصصة للعربية ، أما الموروثة فهي الأعجمية.[65] إذا أخذنا بالمبادئ الأولى لتأسيسات فكر ابن خلدون في العمران ، يمكننا أن نفهم لماذا يحاول دائما أن يعالج القضايا الطبيعية المادية على حساب الرصيد الواسع القضايا الإنسانية ، فكأنه  يقترب إلى التفسير المادي للأشياء على الرغم من أنّه يلجأ إلى التفسير الروحي عندما يتعرض للفلاسفة من جهة أنّه يتعامل مع الواقع و ليس مع ما هو خارج الواقع أو منفصل عنه طالما أنّه لا يتناول قضايا الدين أولا و بالذات.[66]

 

       من هذه المنطلقات نستطيع بسهولة أن نتبيّن لماذا نحن نخالف الآراء التي تذهب إلى أن ابن خلدون كان يتفلسف على طريقة الفلاسفة و مناهجهم. إنّ  هذا الذي نقوله لا يخرج ابن خلدون من دائرة أمرين مهمين ، وهما: 

 

       الأول / دراسة المجتمع البشري في النشأة و التطوّر والحضارة و الانحلال و السقوط. و من

منّا يتجرّأ على القول إنّ ابن خلدون كان الأول في هذا الاجتهاد [67]، و ننسى أفلاطون و أرسطوطاليس و أفلوطين مرورا بالرواقية و الأبيقورية، حتى  أوغسطين و بعده الفارابي و ابن سينا ، ومدرسة بغداد الفلسفية و المدرسة المشرقية  مرورا بالغزّالي و ابن رشد ، وصولا إلى فخر الدين الرازي  و سيف الدين الآمدي و نصير الدين الطوسي. إنّ هؤلاء لا يمكن أن يكونوا كلهم على غلط بكفة و أن ابن خلدون على صواب بكفة أخرى.

 

     الثاني / إن الدرس الفلسفي لابن خلدون  لا يستند إلى معرفة تفصيلية بأقوال الفلاسفة و مذاهبهم ، بل وجدناه لا يذكر، إن أراد تعريف قارئه بإطلاعه  على الفلاسفة ، فقط الكبار كأفلاطون و أرسطوطاليس من اليونانيين ، و الفارابي و ابن سينا من الإسلاميين، و إن ذكر غيرهم في السياق العام ، كمواطنه ابن رشد ، فكأنّه واحد من التابعين للفارابي و ابن سينا ، في حين يذكر فخر الدين الرازي باعتباره من الفلاسفة الكبار و كذلك نصير الدين الطوسي .

      و هنا نلاحظ بحياد فلسفي أنّ ما تبقى  من الصلة الفلسفية الوحيدة التي تربط ابن خلدون  بالفلسفة  ما ذكره عن الآبلي الذي درس عليه  [68]، كما يقول في كتابه التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا [69]  وفصّل الحديث في علاقته بهذا الأستاذ الذي لازمه في شبابه  ، بالذات بين سنته الخامسة عشرة  و العشرين ( 1347 – 1352) و هي مدة ست سنوات لا تكفينا لرأب الصدع في صرح الدرس الفلسفي الخلدوني  باعتباره من أتباع الآبلي في تونس، و هي من أصعب الفترات التي مرت بها تونس ، فعلاوة على الحروب من أجل السلطة بين المرينيين و الحفصّيين في جو ملبّد بالتآمر و الاحتراب ، علاوة عل انتشار الطاعون 1348 ( و ابن خلدون في السنة السادسة عشرة ) [70]، و قد تحوّل العلماء من تونس إلى فاس ،  "  لكن الآبلي ظلّ في تونس، وظل ابن خلدون يتردد عليه  بانتظام لتلقي الدروس " .[71]

 

     و قد تصور بعض الباحثين أن تأثير ألآبلي في ابن خلدون  كان من العمق بحيث أنّ فلسفة الآبلي قد انتقلت الى ابن خلدون، أو بالأحرى القول إنّ هذا الأخير قد وقع في دائرة المعرفة الآبلية التي أثرت في عقيدته. وتعتقد باتسييفا بما هو أشد وقعا من هذا الإيجاز الذي قلناه ، فتقول : " لقد صيغت أسس عقيدة ابن خلدون تحت تأثير الآبلي الذي مجّده ابن خلدون، والذي استشهد بتأثيره أكثر من مرّة في طائفة من المسائل الهامة. و من الواضح أن أبحاثه في الرياضة و المنطق و الفلسفة كتبت تحت تأثير معلم ابن خلدون " [72]  ، أي الأستاذ الآبلي بدا لباتسييفا كأنه " يعرف لأول مرة بالتفصيل في فلسفة ابن خلدون ، فتحت اشرافه درس ابن خلدون أعمال ابن سينا ، و فخر الدين الرازي ، و نصير [73] الدين الطوسي ، وابن رشد " [74] . و قريبا من هذا الاتجاه نلاحظ الجابري [75] في تناوله لعلاقة ابن خلدون بالآبلي ، لكن مع بعض التفصيلات المستحدثة على باتسييفا في مرجعياته العربية [76]، لكن الجابري لا يقطع برأي في الدرس المعمّق المنظّم للفلسفة لابن خلدون على الآبلي ، بل انه يحتمل و يخمّن و يظن و يستنتج من إشارات عابرة لابن خلدون في مقدمته  لكتاب لباب المحصّل [77] أو من تنصيصات عامة في كتابه التعريف بابن خلدون الذي ألّفه في العشرين من عمره كما ألمحنا من قبل .[78]

 

       لكن كل هذه الأقوال ( لباتسييفا او الجابري ) لا تدل على رصانة في الرأي  و لا هي محكومة بمنطق البحث العلمي الذي يستوجب برأينا الفعل الواضح و القول الصريح في قراءة النصوص التي  بين أيدينا في كتابيه  التعريف و المحصل ، فكلاهما لا يفيد التعبير عن واقع ابن خلدون الفلسفي في تلك الفترة المبكّرة من عمره من جهة أنه اطلع على أعمال الفلاسفة الكبار.  و ليس كتابه لباب المحصل يعكس لنا عند درسه و تحليله ما يدل فعلا على أن ابن خلدون قد قرأ الفارابي و ابن سينا و لا حتى الأعمال الكاملة  لفخر الدين الرازي أو لنصير الدين الطوسي،  فالصحيح عندنا أنه قرأ محصّل الرازي و اطلع على كتاب تلخيص المحصّل  للطوسي اللذين يصفهما ابن خلدون بقوله في درسه على  الآبلي  : " ... إلى أن قرأنا  بين يديه  كتاب المحصّل الذي صّنفه الامام الكبير فخر الدين بن الخطيب [= الرازي ]، فوجدناه كتابا احتوى على مذهب كل فريق، و أخذ في تحقيقه كل مسلك و طريق، فاختصرته و هذّبته و حذو ترتيبه رتّبته، و أضفت إليه ما أمكن من كلام الامام الكبير نصير الدين الطوسي، و قليلا من بنات فكري..." [79] .

 

    إن مشروع ابن خلدون في  تأليفه  كتاب لباب المحصّل لم يكن ، كما حسب  الجابري [80]، معبّرا عن موقف ناضج له من الفلسفة و الفلاسفة [81]. فمن الخطأ القول إنّه توصّل إلى النضج الفلسفي الكافي لمصارعة الفلاسفة على هذا النحو الذي يراه الجابري [82] الذي يفكّك تلميحاته العامة على أنها درس فلسفي يرقى إلى مرتبة الفلاسفة في المرتبة الأولى  كابن سينا و ابن رشد ، أو المرتبة الثانية كفخر الدين الرازي ونصير الدين الطوسي. و هذا كله يأتي ، برأينا ، من الفرضية التي تقول إنّ  أي باحث، في موضوع ما ، يحاول بكل الطرق أن يثبت فكرة ما في ذهنه حتى لو كانت لا تتطابق مع الواقع الذي بين أيدينا من النصوص و السيرة و المؤلفات التي تركها لنا ابن خلدون !

 

      فهل يصح أن نعتمد على كتاب لباب المحصّل لابن خلدون للحكم عليه بالفيلسوف مطلقا، و قبول نقده للفلسفة  على هذا الأساس، و هو بعد في عمر الشباب ؟ فنحن لا نجانب الحقّ لو قلنا    إننا لاحظنا  في سياق عصر الشراح من القرن الثامن الهجري /الرابع عشر الميلادي ، فوجدنا العشرات ممن هم أكثر تفلسفا من ابن خلدون، لكنه بحقّ  تميّز على الجميع بفلسفته الخاصة بالعمران . و معنى هذا أننا لا نعرف له تفلسفا في المنطق و الطبيعة و ما بعد الطبية و الأخلاق و النفس و السياسة و ... الخ من مباحث الفلسفة الكلاسيكية المعروفة لدينا. و نخلص ، هنا ، الى أن ابن خلدون لم يؤلّف  نصّا فلسفيا بحتا في غير لباب المحصل ، و ليس في عمله الكبير في المقدمة  إلا تنظير متميّز في الجوانب البشرية على نحو لم يكن مألوفا من قبله. و لهذا السبب ، و لغيره من الأسباب ، يمكن أن ندرس ظروف لباب المحصّل لنؤكّد المعاني التي قصدنا إليها في هذا البحث.

 

في الظروف الموضوعية لتأليف ابن خلدون لكتاب اللباب :

    نحن ، هنا، لا نقصد تقليل أهمية ابن خلدون في بنائه للعمران البشري على نحو لا نظير له في تاريخ الفكر العربي ، الاجتماعي و السياسي و الحضاري و الثقافي. لكن ذلك لا يساعدنا من منطلق  إشكالية هذا البحث في نقده للفلسفة ، و تبعا لذلك نقده للفلاسفة و المذاهب الفلسفية ، و كأننا به كان  ينظر الى الفلسفة باعتبارها نشاطا فكريا إنسانيا فتعرّض لها بالنقد كما فعل  مع" العلوم و أصنافها و التعليم و طرقه و سائر وجوهه و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال ..." [83] . و العلوم التي رآها متعلقة بالعمران، و هي عنده  تشكّل وحدة تحليلية لبيان الواقع الإنساني ومدى تأثّره بحركة هذه العلوم. فقد أورد في فصول متوالية : العلم و التعليم طبيعي في العمران البشري [84] ، التعليم للعلم من جملة الصنائع ... و هكذا يتابع ابن خلدون  في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران و تعظم الحضارة ، فتحدّث عن العلوم النقلية في القرآن والحديث  و الفقه والفرائض و أصول الفقه و علم الكلام ... وصولا الى علم التصوف و علم تعبير الرؤيا[85] . بعد ذلك ينتقل الى العلوم العقلية ، و هي عنده: علم المنطق[86]، و الطبيعيات [87]، و علم الطب [88] ، و الفلاحة [89] ،علم الإلهيات،[90]

وعلوم السحر و الطلسمات [91] ، ثم يأتي الى إبطال الفلسفة و فساد منتحلها [92] فيعقبه بفصل في إبطال صناعة النجوم  و ضعف مداركها و فساد غايتها.[93]

 

      بعد هذا العرض،لا نستطيع أن نصرّح  بأن ابن خلدون قصد الى التفلسف البحت  في تناوله لهذه العلوم،  بل إنه أراد ، كما نرى من متابعتنا قراءة العلوم النقلية و العلوم العقلية ، أن يحلل الموقف الإنساني من جهة بنائه للعمران البشري و ليس من جهة تركيبه فلسفيا كما يفعل الفلاسفة. و ليس بصعب أن يتعقبه الباحثون ليتبيّنوا الفلسفة الخلدونية إنما هي فلسفة عمران من جهة أنها معنية بالإنسان فردا و مجتمعات و دولا و ثقافات  و حضارات في النشوء و الارتقاء و النمو و التطوّر و الارتقاء و الإبداع فالانحلال و التفكك و السقوط و الاندثار... هذا هو جوهر فلسفة ابن خلدون في العمران. علاوة على أننا نجده دائما لا ينفك عن التمسّك بالدين شريعة و عقيدة ، فلا يحكم على ظواهر الإنسان والطبيعة إلا بمعايير الروح و الوحي من جهة أنهما صادران عن الله ، و نافيا معرفة ما لا يصدر عن الحس في العالم المحسوس من جهة المدركات الوجودية بالعقل ، لأنّه أساسا لا يسلّم بقدرات العقل على استكناه ما وراء الحس إلا بما نطق به الشرع .

 

      و من الواضح هنا أن ابن خلدون يتابع الغزّالي[94] في موقفه العام من معرفته بالوجود عن طريق الشرع الذي حدده الوحي بالقوة الإلهية ، فليس في مقدور الإنسان ، و لا البشرية مجتمعة ، توظيف العقل لتفسير أسباب الكون و علله التي جاء بها الفلاسفة.

  

       و عودا على بدء هذه الفقرة من بحثنا ، نشير الى الأهمية الكبيرة التي يعلّقها الدارسون الخلدونيون على موقف ابن خلدون الفلسفي في كتابه  اللباب الذي أتمّ  تأليفه  وهو في سن العشرين. و لا يعقل أن درسه الفلسفي كان قد تجاوز طبيعة التعليم بعمل الموجزات ، و هي قاعدة علمية اتبعها الإسلاميون لتعويد الطلبة على قراءة نصوص ما و تلخيصها و من ثم التعرف على مسالك علم محدد أولا و بالذات. أما تأليف ابن خلدون لكتاب المحصّل للرازي و إطلاعه على تفسير الطوسي ، فلم يكن غير طريقة تدريب أرادها له أستاذه الآبلي.

 

     و أصل الموضوع أن فخر الدين الرازي ( توفي 606/1209 )[95] ، المحسوب على المتكلمين أكثر من الفلاسفة ، استطاع أن يعقد مزاوجة بين علم الكلام و الفلسفة في كتابه محصّل أفكار المتقدّمين و المتأخرين من الفلاسفة و المتكلمين [96] ، الذي بدا فيه الرازي واحدا من أبرز السينويين بعد ابن سينا، على الرغم من أنّه يخالف ابن سينا في الكثير من أفكاره ، وتبعا لمحسن مهدي : " إنّ الرازي ، كمتكلّم  جدلي ، انتقد عدّة مدارس فلسفية في هذا الكتاب ، و بوجه خاص بعض أفكار ابن سينا "[97] ،  ومعنى هذا أن " الرازي هنا ، أيضا، يسجل لنفسه و لمدرسته موقفا ضد الفلاسفة على العموم ، وابن سينا بالذات.  و لربما هذا الموقف ، بشطره الأخير ، هو الذي حفّز نصير الدين > الطوسي < ليكتب مؤلفه : تلخيص المحصل" .[98]  فإذا  سبق  لنا أن عرفنا منذ عهد بعيد يزيد على ثلاثين عاما (=  1975 ، و أعيد نشره في 1980) [99] أنّ  الطوسي لم يقصد الى تأليف تلخيص المحصّل لغرض تلخيصه  " فعلا ، بل قصد الى تصحيحه و نقده و إرجاع الأفكار المطروحة من قبل الرازي ، في أصل  المحصّل ، الى أصولها. " و كأن الطوسي ، بهذا العمل ، يشير الى حقيقة لا مفرّ من الاعتراف بها ، وهي: أن الصراع بين الفلاسفة و المتكلمين لم ينتِه بظهور الغزّالي ، لأن اختلاف المنهجين في مباحث الفلاسفة و نظائرها من مباحث المتكلمين قد امتد الى زمان هذا الأخير، ومنه بدأ التياران يتقاربان حتى زمان الرازي. على أنّ ذلك التقارب  كان من جانب واحد، ولا تفاعل فيه، حيث وجدنا مباحث الغزّالي الكلامية تمتصّ الفلسفة ، و هو ينقضها [100]. كما وجدنا مباحث الرازي تستند الى الفلسفة و هي تنفض عن نفسها آثارها، حتى تحوّلت أفكار هذا الأخير الى فلسفة دينية  .[101]  أما من جهة أنّ علم الكلام كان ينأى في بدايات المباحث الكلامية عن الفلسفة البحتة ، كما فعل المعتزلة و الأشاعرة و الماتريدية و الشيعة الامامية ، و غيرها من المدارس الكلامية، فانّه من الممكن الآن أن نفهم لماذا تمسّك ابن خلدون بالموقف الديني ، بالاستناد الى الوحي و الشرع دون العقل و الفلسفة . وهذا الموقف إنما نما و تطوّر بين الغزالي و الرازي ، فأعاد الطوسي الاعتبار للفلسفة في مباحثه الكلامية على نحو قرّبها الى التفلسف أكثر من الجدل الكلامي الذي قام به الرازي[102]. و على هذا الأساس ، نلاحظ الضعف في موقف ابن خلدون من جهة التفلسف انتصارا للجدل الكلامي ، ظنا منه أنّه يستطيع يناظر الرازي ، لكنه لم يكن من الناحية المنهجية ، وهو بعد في أول تعليمه في العشرين ، أن يميّز بين مباحث الرازي كسينوي ينقد ابن سينا كما فعل الغزّالي[103] ، و مباحث الطوسي كسينوي يدافع عن ابن سينا الفيلسوف أكثر من أن يتمسّك بأقواله التي تتناقض مع قضايا كلامية هي عند الطوسي إشكاليات فلسفية استفاد منها في تأسيس فلسفي علم الكلام.[104]

 

       و بعد قرن من الزمان " دخل الصراع بين الفلاسفة و المتكلمين .... ابن خلدون ، الذي قرأ  على أستاذه الآبلي [105]أصل  المحصل للرازي ، وتلخيص المحصل  للطوسي ، كما رأيناه يقرر ذلك سابقا، فأوجز الأول ، وقارن الثاني ، فجاء كتابه فلسفيا يتيما في دراساته القليلة التي نعرفها و وصلت إلينا كاملة. إنّ عمل ابن خلدون في  اللباب لم يرق الى مستوى الرازي و لا ناظر ما فعله الطوسي. ومن الواضح لدينا الآن عند المقارنة بين الأعمال الثلاثة ، كيف انّ ابن خلدون حاول أن يتعلّم من قراءة الكتابين و ايجازهما ايجازا مبسطا خاليا من تعقيدات أصل الرازي و إشكاليات تلخيص الطوسي. [106] . و الغريب في المسألة وجدنا  محسن مهدي يشير الى أن ابن خلدون قد      " تابع على الأغلب كل تعليقات الطوسي " [107] ، و ليس الأمر كذلك !

 

خاتمة

        و لكي نختم بحثنا ، و نحن أكثر استيعابا لنقد ابن خلدون للفلسفة ، لا بدّ لنا من أن نلفت أنظار الباحثين الخلدونيين الى الأهمية الكبيرة في إعادة تقويم الدرس الفلسفي في المقدمة، و الذي عرضناه فيما سبق ، بعد أن بيّنا الظروف الموضوعية لدراسة ابن خلدون للفلسفة ، إن كان على مستواها التقليدي البحت ، أو على مستوى ما ورثه من مباحث في علم الكلام و التصوف ، علاوة على ما صرّح به من آراء لا تخلو من الجرأة  بخصوص ميوله الواضحة الى التفسير المادي للإدراك على نحو لا نظير له عند مفكري الإسلام .

 

      و لعلنا لا نكون على خطأ إذا زعمنا هنا أنّ  ابن خلدون كان من أكبر مثقفي الحضارة العربية، مفكّرا مبدعا من طراز العمالقة لإسهامه الكبير في تنظير الفكر  التاريخي للجوانب الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و العلمية  والتربوية والدينية، هذه الجوانب المحرّكة للظواهر الإنسانية من جهة أن تكوينها في المجتمع و بنيتها في الأمة وأطرها في الدولة ، وهذه خصائص تنعكس على معطيات الحضارة التي حللها ابن خلدون بكل التفاصيل التي كانت متيسّر بين يديه ، فكان بحق سيد المؤرخين المسلمين بما قدّمه من تحليل تاريخي، و أستاذ المفكرين العرب بما أسسه من فكر حضاري يقوم على تركيب المجتمعات.

     ومعنى هذا، و لكي لا يساء فهمنا ، أن ابن خلدون لم يكن فيلسوفا محترفا بقدر ما يظهر لنا من نصوص المقدمة مفكّرا منظّرا للظواهر التي تقوم عليها بنية المجتمع الإنساني  فتنظّم العلاقة بين الإنسان والواقع المادي المحسوس. و لم يكن معنيا بالعالم غير المعاش، لأنّ عالم الفكر الخالص الذي هو من هموم الفلاسفة المحترفين الذين رآهم في ضلال و منتحلين للعلوم ، صادرا أصلا عن عقيدة وثوقية لم يكن يستطيع الخلاص منها حتى و هو يناقش مباحث الخير و الشر، و السعادة   والشقاء ، و الجمال و القبح،  وما الى ذلك من ثنائيات كان يفترض وجودها ، ثم يرد عليها بأقوال غلب عليها طابع اختزال الأفكار الفلسفية البحتة التي لا ترتبط بالعقيدة الدينية ، لكنه أيضا لم يستطع أن يكون متكلّما محترفا ! و بالاستناد الى كل هذا و ذاك ، سيبقى ابن خلدون، الذي استنكر الفلسفة و رفضها و عاب على الفلاسفة مذاهبهم ونظرياتهم ، أكثر من أي فيلسوف عربي أو مسلم أو أوروبي في تأثيره الحضاري في حداثة تحاكي هذا العصر و الى زمن قادم طويل.

 

     وها نحن ، في هذا الملتقى العربي و الدولي للخلدونيين في الوطن العربي و العالم ، يشعر كلانا  بالغبطة والتقدير. فأما الغبطة فمن جهة أننا استطعنا أن نلفت أنظار الباحثين الى إشكاليات حقيقية كانت موجودة أصلا في النصوص الخلدونية ، لكن للأسف لم تعالج بالطريقة التي قدّمناها في هذه المداخلة. و أما التقدير فهو لبيت الحكمة التونسي[108]  الذي فسح لنا المجال للمشاركة في المئوية السادسة لوفاة ابن خلدون.


 

.[1] Cf. Mahdi, Muhsin: Ibn Khaldun`s Philosophy of History, London  1957, passim.

[2] . انظر : جغلول ، الإشكاليات التاريخية ( ص 110 و ما يليها )، بالنسبة للأيديولوجية العربية المغاربية ، و قارن : لاكوست، إيف : ابن خلدون، ترجمة ميشال سليمان، دار ابن خلدون للنشر، ط 2، بيروت 1978( قارن الأصل الفرنسي :Lacoste, Yves: Ibn Khaldoun naissance  de l' histoire du tiers-monde,ed. F. . Maspero, Paris 1966   passe.). بالنسبة للأيديولوجية الماركسية التي غذت الماركسيين العرب بتجذيرات خلدونية تحتاج إلى تدقيق جديد. 

[3]. انظر : الجابري، محمد عابد : فكر ابن خلدون –العصبية و الدولة :معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي ،مركز دراسات الوحدة العربية ، ط 5 ، بيروت 1992. وهنا نحن إزاء صياغة إيديولوجية عربية إسلامية في ضوء الصورة الخلدونية في المغرب الأقصى.

[4] . انظر الوردي ، علي : منطق ابن خلدون  في ضوء حضارته و شخصيته،  معهد الدراسات العربية ، لجنة التأليف و الترجمة و النشر، القاهرة  1962.

[5]. Cf. Rescher, Nicholas: The Development of Arabic Logic, London 1964, v. index 

[6]. راجع ما يقوله  عبد القادر جغلول ( الإشكاليات التاريخية في علم الاجتماع السياسي عند ابن خلدون ، ترجمة فيصل عباس، دار الحداثة  ، بيروت ، بلا تاريخ  ، ص 169) إن " النقد المبهم للفلسفة ...لابن خلدون ...يكون خطوة إلى الوراء بالنسبة للفلاسفة ." ! و هذا ما سننقاشه فيما بعد.

[7] . انظر: ابن خلدون، المقدمة ، ط. الكشاف (بلا تاريخ ، مصورة بالاوفست في منشورات مكتبة المثنى ، بغداد ، بلا تاريخ ، أيضا ) ص 515 ، و هناك نقرأ تعريف ابن خلدون بأرسطو بقوله " ...هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون ، وهو معلم الاسكندر ، و يسمونه المعلم الأول على الإطلاق ..." (سطر 8- 10 من أسفل)،

[8] . يشير ابن خلدون اليهما بقوله  " ...وكان من  أشهرهم أبو نصر الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة ، و أبو علي بن سينا في المائة الخامسة لعهد نظام الملك من بني بويه بأصبهان و غيرهما ." ، انظر : المقدمة ، ط. الكشاف ، ص 515 سطر 1- 2 من أسفل ، ص 516 س 1 من أعلى .

[9] .لدينا طبعات عربية متعددة لهذا الكتاب ، و أ كثرها تداولا في أيدي الباحثين نشرة سليمان دنيا ، القاهرة 1961 ( و هذه النشرة بحاجة الى تدقيق و تصويب و تنظيم ).

[10] . نشره أول مرة بالعربية  موريس بويج ، بيروت 1927.  و قارن الآن نشرة جيرار جهامي ، ط 1،  بيروت 1993 .

[11] . Cf.  Abu Rida, M.A.: Al-Ghazali und Seine Widerlegung der Philosophie, Madrid 1952

[12]  انظر : المقدمة ، ط. الكشاف ، ص 513-519.

[13] . هذا ظاهر من التوسع الشديد عند الغزّالي و الاختصار المخل بالمقاصد و المعاني عند ابن خلدون ، قارن ما سنقوله بعد.

[14].يراجع الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية و الدولة،  ص 68.

[15]. أيضا ، ص67.

[16] .قارن : باتسييفا، العمران البشري، ص266 ، فهي تقول : " و لقد أدرك ابن خلدون ضرورة الأساس الفلسفي