exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


منزلة ابن خلدون في التخييل الروائي

د. المصطفى شادلي*

كثيرة هي الأعمال التخييلية التي أعادت استثمار العلامة ابن خلدون في فضاءاتها مانحة له منزلة جديدة ووظيفة مغايرة. ونظرا لكون المقام لا يتسع لعرض جلها، فإننا سنقتصر على مثال منها. ويتعلق الأمر برواية العلامة لبنسالم حميش. تطرح هذه الرواية جملة من القضايا والإشكالات عن الجنس الروائي، والحكي الواصف(Méta-récit) ، والمتخيل المفترض  الذي يمتح من الذاكرة الثقافية العربية، وخصوصا من المرجعية الفقهية والتاريخية. وهكذا تقترح رواية العلامة على متلقيها أنساقا ثقافية متعددة. منها ما هو قديم يحيل إلى مفهوم الأدب عند العرب القدامى. ومنها ما هو حديث ينزع إلى مساءلة التراث العربي ( وخاصة المتن الخلدوني) ويبحث عن تلقي النص الإبداعي في ظل تحولات اجتماعية وسياسية سريعة.

يحيل عنوان الرواية إلى مرجعية علمية وتاريخية تضرب بجذورها في الذاكرة العربية والإسلامية ( وعلى وجه الخصوص القرن الثامن الهجري)، وتسترجع صدى ما راج قديما من أخبار ونوادر وسير الأنبياء والعلماء والكتاب والشعراء، وتفترض مسبقا قارئا متوفرا على كفاية ثقافية تؤهله لقراءة نص تفاعلت فيه آفاق متعددة ومتباينة. لو قرأنا العنوان في منأى عن التعيين الجنسي(désignation générique)  قد نتوهم بأنه نص تاريخي يستعرض سيرة علامة يُشهد له بالتألق العلمي والفقهي. ولكن لما نضعهما حيال بعضهما البعض، نتأكد بأن المترجم له هو ضرب من ضروب الخيال أو على الأقل هو شخصية "واقعية" تؤدي دورا يلتبس فيه الواقعي بالتخييلي.

يدعونا الروائي إلى قراءة الفاتحة قبل مباشرة الفصل الأول. وتتكون هذه الفاتحة من المطلع الآتي : " في منحى حياة عبد الرحمن ابن خلدون المغربي كانت الرجات والمشاق كثيرا ما تبدأ وتنتهي باكفهرار الجو بينه وبين أهل الدولة. وكان الرجل، خلافا لمعظم علماء العصر وسياسييه، ميالا إلى استسهال عواقبها وأخذها مأخذ السعة والرحب، بدل الاستيحاش واليأس. لذا كان صوت العلم كثيرا ما يصبح فيه طالبا فرض التفرغ والخلود وتمديدها إلى أجل غير مسمى(..).

من أواخر الحلقات المظلمة بين حكام الوقت وعالمنا حلقة جلوس هذا العالم ببرنسه المغربي قاضيا للمالكية بالصالحية بين القصرين، بتعيين من السلطان الظاهر برقوق، سنة ست وثمانين وسبعمائة. وهنا، من على هذا المنصب، اكتشف المالكي الوجه الآخر للقاهرة، المدينة التي وصفها، حين دخلها منذ أقل من عامين ب" حضرة الدنيا"، و" وبستان العالم" و" إيوان الإسلام"، ومثل بحر النيل فيها بنهر الجنة؛ اكتشف وجهها الآخر، أي الفساد مستشريا في العادات والتقاليد، والغلبة كلها لذوي المال والسلطة، والحيف نازلا على كواهل المعوزين وأهل الفاقة، فكتبت في التعريف بمداد الثبات والخيبة.." ([1])

فمن خلال هذا المطلع تتضح معالم زمن الأحداث ( سنة 786هـ أي القرن الثامن عشر) وفضائها ( القاهرة)، وتبرز كوكبة من الشخوص الهامة (على نحو عبد الرحمن ابن خلدون، والسلطان الظاهر برقوق، وأهل الدولة، وقضاة الجور..)، وتتناسل مسارات سردية وخطابية متنوعة ومتشاكلة حول البرامج الحكائية للمترجم له وللشخصيات ذات المرجعية التاريخية ( الظاهر برقوق، الناصر فرج، تيمورلنك، محمد الخامس..)، وتثار جملة من الأسئلة يمكن أن نذكر منها ما يلي:

-من يحكي القصة(Histoire) ؟ وماذا يتوخى منها؟

-من هو المسرود له؟ ما أفق انتظاره؟ ما مقدار قدرته الموسوعية؟

-أ يوجد القارئ المفترض أمام روايات مرتكزة على متون تاريخية وعلمية وفقهية وأدبية أم أمام روايات مستقاة من روافد ثقافية مختلفة مكتوبة أكانت أم شفاهية.

- ما طبيعة الرواية نفسها. أهي رواية تاريخية تهم مآثر ابن خلدون وأعماله ومروياته أم هي رواية تخييلية تسند إلى المترجم له دورا خياليا؟  وفي هذا الصدد نفترض مسبقا أننا أمام رواية تخييلية تلعب فيها شخصية ابن خلدون دورا عامليا مفترضا، مع العلم أنها تستقطب مواصفات سيرية وتاريخية تُجلي نسبها وموطنها الأصلي ونشأتها وتَرحالها في أماكن متعددة إلى أن استقر بها المقام في القاهرة.

ما هي مضامين الرواية بالنظر إلى سياق المتن الروائي والفلسفي للمؤلف وسياق المتون الأدبية والتاريخية والفلسفية العربية؟

في السياق الأول، هل هو شرح ابن خلدون من خلال الكتابات الخلدونية وبواسطة، أيضا، شرح الشراح وتعليق المعلقين؟ هذا ما يؤكد بناء المؤلَّف من فاتحة وحواشي وتذييل وشواهد وإيضاءات متعلقة بجوانب أخرى لابن خلدون المؤرخ والمؤلف والإنسان. ومن هذه الزاوية يتبادر إلى ذهننا السؤال الآتي: لماذا ركز الروائي على الرحلة الشرقية وعلى إقامة ابن خلدون في القاهرة؟ مع العلم أن المترجم له اضطلع برحلة أخرى غربا قبل أن يولي وجهته شرقا. وتعبتر الرحلة الخلدونية إلى المشرق العربي من الكتابات الأقرب إلى السيرة الذاتية([2])، وذلك من حيث البنية التلفظية ( السارد يطابق المؤلف) وميكانيزمات الخطاب. إن ما يعضد هذا الطرح هو إبراز صورة مغايرة لما تداولته أقلام المستشرقين. صورة شيخ وقور وقنوع وعادل من شيوخ المالكية بالديار المصرية، صورة مكتملة بعطائها وإنسانيتها، وناضجة بتجاربها ومحنها.

فهذا الطرح المعقلن يظل غير مقنع لأنه لا يتناسب مع الجنس الروائي وطبيعته التخييلية.

أتعتبر الرواية تدوينا لحقبة من حياة ابن خلدون، أضحت غامضة واستدعت جهدا في التنقيب لرد الاعتبار لصاحبها وبيان مواطن قوته وضعفه؟ يفترض هذا السؤال أن يكون الروائي عليما بخبايا الأمور ومطلعا على شواردها. كما يحضه على استقصاء حياة ابن خلدون من خلال مصنفات ومتون أخرى، تكشف عن وجوه غير معروفة عن العلامة ابن خلدون. وهذا الطرح نفسه يستتبع أسئلة كثيرة تبحث عن نقاط التماس بين الواقع والتخييل، وتربك القارئ المتسرع الذي يرضى بالحلول الجاهزة. فالروائي يضعنا أمام مآزق كثيرة . هل يريد أن يكتب رواية يؤدي فيها ابن خلدون دورا خياليا. وفي هذا الإطار فما يقرأه القارئ  لا يمت بصلة إلى الواقع الملموس وإن وجدت بعض مؤشراته هنا وهناك. وبالعكس إذا اعتبرناها سيرة فإن الأمر يحفز على تدقيق الأخبار والتحري فيها وتوثيقها على نحو لا يحتمل الطعن والكذب.

وتعضد هذا الطرح إيحاءات نصية واستشهادات متنوعة ومحافل السارد. نعاين الانتقال من سارد لا نعرف عنه إلا أنه المتحكم في خيوط اللعبة السردية إلى سارد يتحدث بضمير المتكلم: " منذ أتيت مصر لاجئا، لم تتح لي فرصة الوقوف بين يدي السلطان برقوق في القصر الأبلق بقلعة الجبل الأحمر سوى ثلاث مرات خاطفة، لم ألق أثناءها البناء والمعمار إلا بغض البصر وقلة الاحتفال مرددا في نفسي : أبهة أبهة ! والبقاء لله وحده" ([3])

يتقاطع محفل هذا السارد المتكلم ،الذي يستحوذ على الفصل الثاني والأخير، مع محفل السارد الأول، ونجد رناته تتصادى في بعض الأبيات الشعرية. على نحو البيتين الآتيين([4]):

 على أي حال لليالي أعاتـــب*** واي صروف للزمان أغالـب

كفى حزنا أني على القرب نازح*** وأني على دعوى شهودي غائب

إن الحوارات المسترسلة بين الأطراف الأساسية( ابن خلدون وكاتبه حمو أو خادمه شعبان) هي أقرب إلى الحوارات الداخلية والاعترافات الذاتية.وإن كانت تعطل الحكي، فهي تزود القارئ بمعلومات غنية ليس فقط عن الشخوص وإنما أيضا عن حوادث تاريخية واستيهامات شخصية. إن تبني هذا الطرح يتنافى هو الآخر مع طبيعة الجنس الروائي ولا يدخل لا في باب التحقيقات ولا في خانة البيوغرافيا المحققة نقديا.

هل النص هو مجرد تخييل؟ وما علاقة نص تخييلي حديث يتفاعل مع نصوص تراثية قديمة؟ إن الموضوع شائك وفي غاية التعقيد. ذلك لأن النص الروائي تؤطره نصوص واصفة، وتتخلله متعاليات نصية، و تخترقه عوالم مشرعة على أبعاد تناصية متعددة. لا بد من استحضار هذه المعطيات في عملية القراءة.

ولتبيان هذه العلاقات الموجودة بين نصوص متعددة داخل العلامة، نضع فرضية مفادها أن النص الروائي هو نص جامع (Architexte)([5]) يتكون من ثلاثة نصوص موزاية متداخلة فيما بينها:

-النص الأعلى (Hypertexte)  : يتكون من العنوان الرمزي (emblématique) وعناوين الأبواب والفصول والاستشهادات والتصديرات.

-النص الوسيط: نص سردي عام يغذي مجموعة من المحكيات بواسطة الراوي السارد أو المتكلم السارد.

-النص الأدنى(Hypotexte): يدخل في علاقة تبعية تركيبية ودلالية مع النص الأعلى، إذ يتوفر على شذرات نصية في شكل مقاطع شعرية ( موشح غنائي،أبيات شعرية) و آيات قرآنية وأحاديث نبوية، ونصائح، وعبر، وإحالات متعددة ( كتب ابن خلدون، أو كتب أخرى: على نحو طوق الحمامة والأغاني وروضة المحبين..).

ولتوضيح النص الأعلى نورد الجدول الآتي :

 

العنوان الرئيس

العلامة

4

الإهداء

إلى شاعرتي الخنساء

6

عناوين الأبواب والفصول

فاتحة

الفصل الأول

الإملاء في الليالي السبع

حاشيتان

ليلة متم صفر

حاشية

ليلة متم ربيع الأول

ليلة متم ربيع الآخر

ليلة متم جمادى ألولى

ليلة متم جمادى الآخرة

ليلة متم رجب

ليلة متم شعبان

حشيتان

الفصل الثاني

بين الوقوع في الحب والحصول في ظل الحكم

الفصل الثاني

الرحلة إلى تيمور الأعرج، جائحة القرن

تذييل

7

21

23

24

27

32

33

44

51

60

68

77

87

94

95

 

165

 

167

240

التصديرات

قول لسان الدين ابن الخطيب

قول شمس الدين السخاوي

قول ابن حجر العسقلاني

رواية ابن قاضي شهبة

قول ابن خلدون

قول ابن عرفة

 

الاستشهادات الخلدونية

التعريف

شفاء السائل

كتاب العبر

تقييد بدون مرجع

قول منسوب بدون مرجع

8-42-137

38

41-138

186

222

 

الإحالات الخلدونية

نهج البلاغة

الرسالة القشيرية

طبقات الصوفية

تحفة الأنظار

شفاء السائل

المقدمة

مؤطأ مالك

العبر

14

15

14

34

38

57-62-72-175

70

80-202

الإحالات غير الخلدونية

مروج الذهب للمسعودي

رحلة ابن بطوطة

الفصوص لابن عربي

الفتوحات المكية لابن عربي

اليد لابن سبعين

خلع النعلين لابن قسي

الشهب اللامعة في السياسة النافعة لابن رضوان

منازل السائرين إلى الحق المبين للهروي الأنصاري

طوق الحمامة

روضة المحبين

الأغاني

ظفر نامه

تاريخ غازاني

البداية والنهاية لابن كثير

نهاية الأرب للنويري

تاريخ أبي الفداء للنويري

27

27-34

38

38

38

38

55

 

87

 

127

127

127

127

172

172

172

172

 

نلاحظ أن النص الأعلى عبارة عن نسيج متنوع تتفاعل داخله نصوص غزيرة، ويحيل إلى نوع من الابستيمية (Epistémé) الثقافية التي تطبع الفترة التاريخية المتحدث عنها. ويوظف هذا النص الأعلى لعبة التناص ذات أوجه ومداخل متعددة.

وفي الجدول أسفله نوضح بعض تجليات النص الأدنى:

موشح الأغاني

في ليال كتمت سرد الهوى

هذي جراحي طريا

هل درى ظني الحمى أن ..

31

162

163

أبيات شعرية لابن خلدون

سيدي والظنون فيك جميلة

(قصيدة اعتذار لبرقوق)

153

154

أبيات شعرية لغيره

لا بارك الله في إن لم

على أي حال لليالي أعاتب

ألا سر من أرأى ما أراه

إذا الليل ألبسني ثوبه

77

79

100

100

إنشاد

ولست أبالي حين أقتل مسلما

224

دعاء

اللهم أسكن شهداءنا جنة الرضوان

226

آيات قرآنية

ربنا إنك تعلم ما..

هن لباس لكم وأنتم..

ربنا ما خلقت هذا باطلا

قل يا قوم اعملوا على

الذي خلق الموت والحياة

ادعوني استجب لكم

قل لن يصيبنا إلا ما كتب

وأما من خاف مقام ربه

إنه عليم بذات الصدور

18

59

61

85

110

126

130

132

161

أحاديث نبوية

نصرت بالرعب مسيرة شهر

176

دعاء

اللهم أسكن شهداءنا جنة الرضوان

226

مثل سائر

رب حيلة أنفع من قبيلة

181

نصيحة شيخ

الشيخ الركراكي

146

تعقيب السارد بخط بارز

خيم صمت مشوب

174

عناوين نصية خلدونية

نهج البلاغة

الرسالة القشيرية

طبقات الصوفية

تحفة الأنظار...

شفاء السائل

المقدمة

موطأ مالك

كتاب العبر

14

15

14

34

38

57-62-72-202

70-141

80-202

عناوين نصية غير خلدونية

مروج الذهب

رحلة ابن بطوطة

الفصوص لابن عربي

الفتوحات المكية لابن عربي

تاريخ أبي الفداء للنويري

27

27-34

38

38

172

 

 يتكون النص الأدنى ، كما نرى، من نصوص مختلفة ( مقاطع لموشحات غنائية، أبيات شعرية، آيات قرآنية، أحاديث نبوية، أمثال، نصائح) ومن شذرات نصية هي عبارة عن عناوين لكتب ابن خلدون أو علماء أو شيوخ معروفين. وهو بذلك يتقاسم مع النص الأعلى أسماء الأعلام، والكتب، والرسائل، والخطب، ويسير على هداه من الناحية التركيبية والدلالية والتناصية. كما أنه يندمج في قالب الحكي المهيمين وفي سيرورة المحكيات. ويتخذ الربط بعدا مزدوجا: ربط عمودي مع النص الأعلى في شكل تقاطعات نصية وميتانصية، ثم ربط أفقي مع المحكيات. وعليه، يؤشر النص الأدنى على قراءة معقلنة وناقدة، تسعف على الانتقال إلى القراءة العالمة التي يبرزها النص الأعلى.

فيما تتجسد مفاصل النص الوسيط على النحو الآتي:

محكي1

محكي الراوي-السارد

 

فاتحة

الإملاء في الليالي السبع

7

23

محكي2

محكي المتكلم-السارد

بين الوقوع في الحب

95

محكي3

محكي الراوي-السارد

الرحلة إلى تيمور الأعرج

168

محكي4

محكي المتكلم-السارد

تذييل

240

إن النص الوسيط نص سردي بامتياز، يجمع بين محكيات مختلفة ومتجانسة. تحكى بالتناوب بين الراوي-السارد([6]) الذي يشغل محفل ضمير الغائب وبين المتكلم السارد الذي يتحدث بضمير المتكلم. وتظهر البنية العامة للتلفظ نوعا من التوازن في تقاسم الأدوار التلفظية. ونستعين بالخطاطة الآتية لبيان طبيعة التوزيع التسلسلي:

محكي 1                               محكي3

"-------"                       "---------"

                   محكي2                                 محكي4

                "--------"                            "--------"

لما ينتهي المحكي الأول الذي ينهض به الراوي السارد يبدأ المحكي الثاني الذي يضطلع به المتكلم السارد. وبمجرد أن ينتهي هذا يفتح آفاقا للمحكي الموالي وهكذا دوايك. ولا يستبعد هذا البناء العام للسرد تدخل المتكلم السارد في خطاب الراوي السارد بمقاطع تحدثية موضوعة بين مزدوجات:

-"فكثر الشغب علي من كل جانب... واعتزمت الخروج من المنصب" ([7])

-" وأما مولانا أيده الله.. فكان من العجائب فرار الأمم أمام واحد"([8]).

-" وأما حكم هذه الكتب المتضمنة.. التمكن منها للإحراق" ([9])

-" ومعنى الحجابة –في دولنا بالمغرب [ الاستقلال بالدولة.. لايشاركه في ذلك أحد]"([10]).

-" العالم بستان سياجه الدول... العدل مألوف وهو قوام العالم" ([11]).

-" أنا غريب بهذه البلاد غربتين... أن تعرف لي ما أريد"([12]).

هذا الاختراق السردي تؤكده وتعضده الاستشهادات المستوحاة من كتابات ابن خلدون، محدثة تداخلا ممنهجا بين محفل الراوي-السارد ومحفل المتكلم السارد. إن تفاعل النصوص فيما بينها يحيل إلى بنية الطرس الأصلية، علما بأن النص الغائب والحاضر هو كتاب في  التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، الذي يحيل إليه الراوي-السارد بين الفينة والأخرى. فلعبة المرايا بين النصوص المعلنة والمضمرة تفترض قارئا نموذجيا على بينة من الأمور ومتمتع بموسوعة تراثية.

وخلافا للطرس ،الذي انمحت فيه معالم الكتابات الأولى، نجد نص العلامة يحتفظ بين ثناياه بالرقاق التي وظفت في عملية السرد، وإن استثنينا بطبيعة الحال المواد الأولى المساهمة في تشييد إسقالة الكتابة الروائية. وهذه إشكالية أخرى تهم الإبداع وعلاقة المبدع بالمادة التراثية والمصادر الحكائية ،وبالمسودة والتصميم الأصليين.

لقد سبق لنا أن أثرنا في البداية جملة من الأسئلة. حاولنا في ضوئها قراءة النص. ويمكن أن نستعرض بعض الأجوبة دون الإدعاء بأنها قطعية أو جامعة مانعة على حد قول المناطقة. فرواية العلامة تحكي عن مآثر ومغامرات وأهواء ابن خلدون. وهي تجمع بين الواقعي والخيالي، وبين الروائي والتاريخي. ولقد تقصد الراوي السارد المزج بين العالمين مقحما المسرود إليه في سيرة أسطورية لكنها مجردة من الكرامات والخوارق. ولم يحك السارد عن ابن خلدون اليمني أو الأندلسي أو التونسي لكن عن ابن خلدون المغربي. وهذا ما يتأكد بالعيان من خلال مطلع الرواية ، الذي يكشف عن هذا الوجه كما يكشف عن معاناته مع أهل الدولة في مسألة الحظوة وما ترتب عليها من إقصاء لكونه أراد تطبيق حكم الله على الأرض.

ويجلي النص صورا متعددة لابن خلدون. فهو الإنسان والشاعر والعاشق والزوج والأب، وهو القاضي والمعلم والعالم والشيخ، وهو المغربي المتلحف ببرنوسه المغربي، والمتزوج بامرأة منتسبة إلى أهل فاس. كما يتطرق إلى الرجات والمشاق التي اعترضت سبيله وكدرت صفو حياته، وأرغمته على الخلوة لتأمل حياته والانكباب على العلم والتدريس.

وبالجملة نخرج بالملاحظات الآتية:

1-تتميز رواية العلامة بتوظيفها لنصوص وشذرات نصية مستمدة من متون متعددة. استطاع الروائي بنسالم حميش أن ينسج منها ضفيرة روائية متناغمة. وما زاد من تناغمها أنها لا تسير على وتيرة واحدة على نحو السرد التاريخي، بل تتداخل فيها مستويات سردية متنوعة ، وتتخللها مفارقات زمنية متعددة. فهي عبارة عن وثبات وارتدادات في رحلة ابن خلدون العاطفية والفكرية والتاريخية.

2-يمزج النص بين الرواية الشفهية التي تمتح من الذاكرة ( الإملاء في الليالي السبع، وبالضبط في متم كل شهر هجري) وبين التدوين الكتابي الذي يعتمد على مصادر موثقة وإحالات مثبتة، وعلى تقنيات تحقيق النص التراثي المثقل بالحواشي والاستداركات والاستهلالات والتذيلات.

3-إن البناء العام للرواية ، من تلفظ وسرد ووصف وإحالات، يفسح المجال أمام تعدد الرؤيا بل زوايا الرؤيا التي تستجلي لعبة المرايا التلفظية والدلالية. وهكذا يستنتج القارئ المفترض تكاملا وتداخلا بين العوالم المتداخلة في النص: عالم ابن خلدون المغربي بأهوائه وأحاسيسه وكتاباته وهمومه،وعالم ابن خلدون الحافل بمجايليه ومؤرخيه، و عالم الراوي –السارد، وعالم المتكلم-السارد، وعالم المسرود إليه.

4- يمكن أن نعتبر رواية العلامة سيرة تخييلية عن شخصية ابن خلدون المغربي. وهكذا تصبح أقرب إلى السيرة الأسطورية الدنيوية التي تتحدث عن شخصيات فذة تركت بصماتها في سجل التاريخ بفضل فضائلها ومواهبها ونبوغها وأعمالها النيرة.


 

 

*-رئيس شعبة اللغة الفرنسية وآدابها ( أستاذ السيمائيات وتحليل الخطاب والتواصل)، جامعة محمد الخامس، الرباط.

[1] - بنسالم حميش، العلامة، دار الآداب، 1997، ص8-9.

[2] -رحلة ابن خلدون غربا وشرقا، تقديم وترجمة عبد السلام شدادي، دار سندباد، باريس، 1980 ( بالفرنسية).

[3] -بنسالم حميش، العلامة، م.سا ص 97.

[4] -المرجع نفسه ص89

[5] -انظر جيرار جنيت، مدخل إلى جامع النص، ترجمة ع. أيوب ، البيضاء، دار توبقال، 1985.

[6] - نشغل مفهوم الراوي بمعناه القديم أي الراوية الذي كان منشغلا بجمع الأخبار وروايتها.

[7] - بنالسم حميش، العلامة، م.سا ص10.

[8] -المرجع نفسه ص25

[9] -المرجع نفسه ص38

[10] -المرجع نفسه ص39.

[11] -المرجع نفسه ص85-86.

[12] -المرجع نفسه ص236.

 

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس