exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


الجوانب المنسية في دراسة العبقرية الخلدونية

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي

عالم الاجتماع/ تونس

موضوع البحث وأهدافه

      تسعى هذه الدراسة إلى ألقاء الضوء بالتحليل والنقاش على ما نسميه بالريادة الفكرية الإبداعية في علم العمران البشري للعلامة عبد الرحمن بن خلدون، مستعينين في ذلك بالرصيد المعرفي للبحوث العلمية الحديثة حول ظواهر الإبداع والابتكار وبالتجديد التي عرفت بها شخصيات فنية وعلمية وفكرية لامعة في الحضارات الإنسانية عبر العصور. وليس من المبالغة القول إن الدراسات التي اهتمت بفهم ظاهرة تميّز الفكر الخلدوني عربيا وعالميا كانت تميل في معظمها إلي تفسير الظاهرة الخلدونية بعوامل اجتماعية موضوعية ، لا مكان فيها للعوامل الذاتية التي تتصف بها شخصية مؤلف المقدمة (الجابــري ، 1992 Lacoste, 1998 – Mahdi, 1964) . فمخاض علم العمران وولادته كانا، وفقا لهذه الرؤية، نتيجة تكاد تكون حتمية للظروف الاجتماعية العامة التي عاصرها ابن خلدون في ولايات المغرب الإسلامي ومدنه وبواديه. وبعبارة أخرى، إن الفكر المبتكر والمبدع يخضع من وجهة هذا المنظور لنواميس الحتمية الاجتماعية وقوانينها. ومن ثم جاء الإهمال شبه الكامل للخصائص الذاتية والنفسية لشخصية ابن خلدون أو تهميش أثرها في ريادته للفكر العمراني الجديد. كما أن تلك الدراسات لا تكاد تأخذ بعين الاعتبار مؤثرات أخرى أبرز العلم الحديث أهميتها في أي فهم دقيق لظاهرة الإبداع مثل عوامل اللاشعور والعزلة وسن المبدع...إلخ.

      إن النظر إلى الفكر العبقري الإبداعي من زاوية الحتمية الاجتماعية الصارمة يتناقض مع طبيعة ظاهرة الفكر الإبداعي نفسها. فالبحوث الحديثة تجمع، كما سنرى، على أن هذه الظاهرة معقدة، لا يوجهها ولا يتحكم في مسيرتها صنف واحد مفرد من العوامل، بل هي – كما يذهب إلى ذلك عالم النفس هاورد غروبر (Howard Gruber)- إفراز لطائفة من العوامل التي ينبغي توفرها حتى يمكن –مثلا- لجهود أينشتاين وداروين وبيتهوفن وابن خلدون أن تتوج بالتميّز والابتكار والعبقرية في دنيا الفكر والعلم والفن. فعوامل الوراثة والأسرة والدوافع (motivations) والثقافة ما هي إلا عوامل محدودة من بين عوامل كثيرة تصقل موهبة الفرد وتساعده على كسب رهان الإبداع في ميدانيه (Gardner, 1982). فالدراسات الحديثة حول المبدعين والمبتكرين تبرز معالم شخصية هامة عندهم مثل القيم والدوافع ونمط الشخصية وطرق التفكير المعرفية cognitive processes. ومن أهم صفات المفكرين ذوي الأصالة والإبداع هي ما يطلق عليه بالتفكير المتفرغ أو المنحرف أو غير المألوف divergent thinking . إنه نمط من التفكير يتصف بالجمع الغريب بين الأفكار وتغيير الرؤى واستعمال طرق جديدة لحل المشاكل. كما أن المبدعين يظهرون في ميادين إبداعهم حب إطلاع واهتماما يشبهان ما نجده عند الأطفال (Wilson, Keil, 2001 : 206). ويمكن النظر إلى اكتشاف ابن خلدون لعلم العمران البشري على أنه من نوع التفكير غير المألوف بين المؤرخين المسلمين الذين كانوا يستعملون منهج "التعديل والتجريح" الذي يتبناه جامعو الأحاديث ومدونوها للنظر في مدى صدق الرواة ونزاهتهم. فجاء ابن خلدون ليعلن بصوت عال أن هذا المنهج غير صالح للتحقق من صحة الأخبار التاريخية. فعلم العمران البشري هو المعيار لتصحيح الأخبار التاريخية. هذا العلم الذي يتخذ من مفهوم المطابقة أساسا له "الأخبار عن الواقعات فلابد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة" (ابن خلدون ، 1993 : 29).

      وعلى هذا الأساس ، فتفسير العمل الإبداعي لهذا المؤرخ أو ذاك الرسام، ولهذا الموسيقار أو ذاك العالم، بمؤثرات محيطه الاجتماعي فقط تفسير يحول دون الوصول إلى فهم شامل وعميق لظاهرة الإبداع المعقدة. إن رؤية الحتمية الاجتماعية للعمل الإبداعي هي إذن رؤية محدودة الآفاق، وهي بالتالي متسرعة وسطحية في محاولتها فهم ظاهرة الإبداع عند الإنسان. إن الفحص المسطح للإبداع لا يليق أبدا بمقامه، إذ هو أسمى ما يمكن أن تجود به عقول القلة القليلة من البشر وقرائحهم.

      إن هدفنا هنا هو الكشف عن المستويات المتعددة والمتشابكة التي أدى تفاعلها الخاص إلى الفكر الإبداعي الخلدوني المتمثل في إنشاء علم العمران البشري الجديد. إن غاية هذا البحث هي الاقتراب من أثر العامل الإنساني (أي المكونات والسمات الذاتية للشخصية المبدعة) وفاعليته في عمليات الإبداع والابتكار. وبعبارة أخرى، إن البحث محاولة متواضعة لأنسنة ظاهرة الإبداع، أي تحريرها قدر المستطاع من قبضة هيمنة البنى الاجتماعية والظروف السياسية التي يقول بها أصحاب رؤية الحتمية الاجتماعية. وللقيام بذلك نقسم بحثنا إلى جزأين : نتعرض في الجزء الأول إلى بعض ما جمعته العلوم الحديثة من معطيات حول ظاهرة الإبداع. وفي الجزء الثاني نحاول استخدام تلك المعطيات لتفسير ابتكار ابن خلدون لعلم العمران الجديد.

حول العمل الإبداعي

      ليس من المبالغة في شيء القول إن علم النفس وما يعرف بالعلم المعرفي (Cognitive Science) يأتيان في طليعة العلوم الحديثة من حيث الاهتمام بدراسة ظاهرة العمل الإبداعي عند الأفراد (Kraft, 2005, Sternberg, 1999, 2003, Dortier, 2005 : 30-33) . وعلى الرغم من نشر المئات من الدراسات في مجلات متخصصة حول العمل الإبداعي، إلا أنه لا توجد اليوم نظرية علمية مقبولة ومجمع عليها حول العمل الإبداعي، كما أنه لا يوجد تعريف له متفق عليه، وليس هناك أيضا إجماع بين الباحثين حول الطريقة المثلى التي ينبغي تبنيها لدراسة الإنتاج الإبداعي علميا (Hunt, 1982 : 279).

      حاول بعض علماء النفس تحديد بعض المقاييس الخاصة بطبيعة العمل الإبداعي . فعالم النفس برونر (Jenne S.Bruner) يرى أن رد فعل الأفراد إزاء العمل الإبداعي يتمثل في أمرين :

      أ-الشعور بالمفاجأة الفعلية (Effective Surprise) لدى الفرد المبدع.

      ب-حصول صدمة للفرد أثناء إدراكه للعمل الإبداعي والشعور بالرضا نحوه على الرغم من عدم وجود الإحساس بذلك مسبقا عنده (المصدر نفسه : 281).

      وفي هذا الصدد تفيد بحوث العلوم المعرفية Cognitive Sciences أنه ينبغي إعطاء ثقة أكثر مما ألفنا لقدرة عقولنا على إدراك الأعمال الإبداعية. فداخل نسق كل ثقافة وحضارة يستطيع العقل الإنساني إدراك العمل الإبداعي في معظم الأحيان، وذلك على الرغم من اختلاف الأذواق وتعددها، وعلى الرغم كذلك من نقص القواعد أو المعايير الموضوعية التي يمكن بها الحكم على الأعمال الإبداعية (المصدر السابق: 383).

      إن مثل هذه الاستنتاجات حول القوة الإدراكية للإبداع عند الإنسان تؤكد أن لدى هؤلاء استعدادات فطرية تسمح لهم بالتمييز بين العمل الإبداعي وما هو دون ذلك، وإن قبول مثل هذه الفرضية يقودنا إلى استنتاج آخر ذي أهمية لموضوع بحثنا هذا . فإذا كنا ندرك ملامح الإبداع بحدس فطري، ألا يعني ذلك أننا مجهزون فطريا أيضا ببذور العمل الإبداعي في صميم التركيب الوراثي لشخصيتنا ؟ وبعبارة أخرى، إن امتلاك مقياس فطري لتذوق الأعمال الإبداعية ومعرفتها يعني ضمنيا أن للإنسان قدرات ذاتية إبداعية مسبقة تتوج أحيانا بالتحقق الفعلي لعملية الإبداع. ومن ثم جاء تزود الإنسان بنوع من القدرة الفطرية لتذوق ما ينتظر أن يحققه الإنسان من إبداعات. ونأمل في دراستنا هذه للفكر الإبداعي الخلدوني أن نستجلي أهمية الجانب الفطري الذاتي، وأثره في إطلاق عملية الإبداع عند المبدعين.

      يتفق كل ذلك مع منظور علم النفس التطوري Evolutionry Psychology الجديد الذي يتبنى بقوة وجود بذور وغرائز فطرية لدى البشر تؤثر في سلوكاتهم المتعددة ( Dortier, 2003 : 16-24 – Badeock 2002) .

1-حول سمات المبدعين

      قام عالم النفس الأمريكي موريس ستاين (Morris Stein) بمراجعة الكتابات حول الأعمال الإبداعية، وتوصل إلى تحديد تسع عشرة صفة يقترن حضورها في شخصية الفرد بظاهرة الإبداع. إلا أن قائمة الصفات هذه لا تخلو من العديد من التناقضات (المصدر نفسه : 284). ومع ذلك تتفق البحوث العلمية على بعض السمات الشخصية التي يتسم بها المبدع. فالأفراد المبدعون يجهدون أنفسهم في أعمالهم، وهم مستقلو التفكير نسبيا، وأكثر مرونة من الأفراد العاديين. أي أنهم أكثر استعدادا لتغيير مرجعيتهم الفكرية أو تعديلها. غير أن هذا التشابه النسبي في بعض السمات المرتبطة بظاهرة الإبداع لا يعني أن المبدعين متشابهون أو متجانسون في ما سوى ذلك من خصائص شخصياتهم، بل يمكن القول إنهم متنوعون فيها مثلهم مثل بقية أفراد المجتمع (المصدر نفسه : 285).

      أما بخصوص موهبة الذكاء، فإن البحوث العلمية تدعو إلى تعديل النظرة السائدة في هذا الصدد. فالمبدعون لا يملكون ذكاء خارقا للعادة كما يعتقد أغلبية الناس. فهناك الكثير من الأشخاص ذوي الذكاء العالي الذين ليسوا بمبدعين متميزين. ومن ثم، فظاهرة الإبداع تنطوي على أكثر من مجرد عامل الذكاء (المصدر نفسه).

      وعندما درس الباحثون العلاقة بين العمل الإبداعي وعامل الجنس وجدوا أن العلاقة في حقيقة الأمر أضعف من تلك التي توجد بين الذكاء والعمل الإبداعي. فالبراهين العلمية في هذا الميدان تؤكد أن قصور النساء في العمل الإبداعي في الماضي يعود بصورة كاملة أو في معظم الأحوال إلى أنهن حرمن من التعليم والثقافة والفرص المفتوحة للمشاركة، مما أكسبهن عقلية مغلقة ينظرن من خلالها إلى أنفسهن على أنهن لا يمكن لهن أن يكن مبدعات في مجالات الفكر والعلم والفن.

      أما عامل السن، فالبحوث العلمية الحديثة تشير إلى أن له أثرا ما في ظاهرة العمل الإبداعي. فهناك من يرى أن الكثيرين من المبدعين أنجزوا أفضل عمل إبداعي عندما كانوا قريبين مما يسمى بالسن المتوسطة، أو أثناءها (حوالي 45 سنة)، أو أقل أو أكثر من ذلك بقليل. فشكسبير وفرويد وبيكاسو وابن خلدون (كما سنرى) يمثلون عينة محدودة لذلك (Levinson, 1978 : 191-317).

      وعندما فحص الباحثون علاقة اقتران العمل الإبداعي – عند العلماء وأصحاب الفكر والفنانين المبدعين – بسن الكهولة وما بعدها فقط ، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى نقد نظرية الذكاء عند عالم النفس السويسري الشهير جان بياجي (Jean Piaget). فبياجاي لا يكاد يقول شيئا عن الحياة العقلية للأفراد في مرحلة الكهولة وما يعقبها. فعندما عبّر أحد طلابه – وهو هاورد غروبر – عن رغبته في دراسة ظاهرة الإبداع، أجاب بياجاي بتشكك ومن دون تعاطف بـ "أن دراسة ذلك تمس كل شيء" (Gardner, 1982 : 352). وعلى الرغم من ذلك فقد قام غروبر وطلابه بدراسة أهم الأعمال الإبداعية لمرحلة الكهولة عند الرواد المبدعين. فقد قضى غروبر نفسه عقدا من الزمن منكبا على دراسة الإبداع عند العالم الانكليزي شارلز داروين. فأصدر كتابه Darwin on Man الذي نال به جائزة. يرى غروبر أن دارس ظاهرة الإبداع يجب أن يركّب من جديد الحياة العقلية للشخص المبدع عبر مراحل مختلفة من تطور عمله الإبداعي.

      إن اللقطات السريعة من الحياة العقلية المتغيرة لا يمكن صياغتها بطريقة مباشرة حتى عند المبدع الذي لا يكاد يترك أية ملاحظة من دون أن يسجلها مثلما هو الأمر عند داروين (المصدر نفسه : 283) . ويدع غروبر داروين نفسه يروي لنا عبر مذكراته طبيعة نظام الأفكار التي قد يتعامل معها العالم المبدع حيث يقول : "الأفكار يتعثر بعضها ببعض بطريقة تغلب عليها الفوضى، فوجود النظام الخفي لذلك هو شيء ينبغي تشييده وليس ملاحظته (المصدر نفسه). وعليه فالباحث في ظاهرة الإبداع عند داروين يجب أن يتعرف على بعض الموضوعات المستمرة كالأصل والتنوع والبقاء، والوراثة والاختيار الطبيعي. وبذلك يستطيع الباحث رسم مجموعة من الخرائط المعرفية التي تبرز رؤية المبدع بالنسبة لمشروعه في مراحل مختلفة من تطوره الفكري أو العلمي أو الفني. ومن دراسة العديد من الأعمال الإبداعية توصل غروبر إلى صياغة نموذج عام للمبدع، يمكن تلخيصه في الملامح الآتية:

      أ-يملك أي شخص منغمس في التفكير (The whole-thinking person) العديد من الآفاق الفكرية الفرعية المتفاعلة، أحدها مسؤول عن تنظيم الرصيد المعرفي. فالإنسان المبدع يبحث في ربط الحقائق والنظريات المختلفة والمبعثرة في مجال اهتمامه كي يتوصل في نهاية المطاف إلى إطار تأليفي متناسق وشامل.

      ب-يكوّن المبدع النموذجي شبكة معقدة من البحوث تستحوذ على فضوله العلمي (حب الإطلاع) لمدد طويلة من الوقت. وكثيرا ما يساعد بعض تلك الأنشطة بعضها الآخر فتؤدي إلى ظهور حياة إبداعية نشطة جدا.

      ج-إن الفرد المبدع ليس قادرا فقط على أن يضع جانبا بعض المشكلات التي يمكن أن تقوده إلى منعرجات مسدودة، بل يتجاوزها مرة واحدة.

      د-يجد الشخص المبدع نفسه ملاحقا (أو هو يلاحق بنفسه) بعدد من الاستعارات المعروفة. وهذه الاستعارات عبارة عن صور "مخيالية"(Imaging) ذات مجال فسيح وغني يساعد على الاستكشاف، وذلك بتقريب الفرد المبدع من بعض الظواهر وتعريتها لها، وهي ظواهر كان يمكن أن تبقى خفية عنه لولا مساعدة تلك الاستعارات.

      هـ - إن العمل الإبداعي لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه مجرد انعكاس لدوافع لاشعورية أو لاختيارات مهنية عارضة للمبدع. كلا، إن مجموعة المشاكل والمشاريع التي يطرحها ويواجهها المبدع بنفسه وبوعي تام هي التي تحركه وتدفعه ليراقبها بانتظام وبالعمل على إكمالها بنجاح. إن هذا التوجه عند المبدع هو الذي يسميه غروبر الهدف المرشد (Guiding Purpose).

      و-الشخص المبدع إنسان يحب ميدانه العلمي أو المعرفي أو الفني. فالعمل الإبداعي يصبح جزءا من الحياة العاطفية للمبدع. فغرام المبدع بمجال عمله الإبداعي يشبه غرام العاشق بمعشوقته.

      ز-يذكرنا غروبر بالمصاعب والعزلة التي يتعرض لها أي مبدع. فالانعزال يغلب على رحلة المبدعين حيث احتمالات الإخفاق عالية.

      ومن ثم فمواجهة تلك المخاطر تتطلب من المبدع الشجاعة والمقدرة على الانفراد عن الآخرين ومجابهة الاستهجان منهم أو حتى الرفض الاجتماعي الصريح. إن معظم المبدعين (المفكرين) بحاجة كبيرة وماسة في بعض الأوقات إلى مساندة شخص آخر، أو إلى مساندة الجماعة أو الدين (المصدر نفسه : 355).

2-التلاقح المعرفي وأثره في الإبداع

      صدر عام 1991 كتاب باللغتين الانكليزية والفرنسية في الوقت نفسه له علاقة مباشرة بموضوع  بحثنا هذا (Dogan, Pahre, 1991 ). تتمثل مقولة الكتاب الرئيسية في تأكيد المؤلفين للعلاقة الوثيقة في فكر العلوم الاجتماعية الحديثة ونظرياتها، بين ما سمياه الهاشمية الخلاقة، من جهة ، والإبداع والابتكار، من جهة ثانية. إن روبرت باهر (Robert Pahre) ومتاي دوغان (Mattei Dogan) يريان أن ظاهرة الابتكار والإبداع والتجديد في التنظير والمنهجية في العلوم الاجتماعية كثيرا ما تبرز عند أولئك الذين تجاوزوا حدود تخصصاتهم الأصلية واحتكوا بتخصصات أخرى هامشية، أي ما يمكن أن نطلق عليه تخصصات ما وراء الحدود. ويلخص المؤلفان في المقدمة المقولة الرئيسة لكتابهما فيقولان :" وكما يوحي بذلك عنوان هذا الكتاب، فالفكرة الرئيسة التي سنقوم بشرحها هي أن الإبداع والابتكار في العلوم الاجتماعية يظهران غالبا ويؤديان إلى نتائج أكثر أهمية إذا كانا نتيجة لتلاقح عدة تخصصات. فهذه الظاهرة تمثل السبب والنتيجة معا في التجزئة المتواصلة للعلوم الاجتماعية إلى تخصصات فرعية ضيّقة، وإلى عملية تأليف جديدة أفقية لتلك التخصصات ، وذلك داخل ما نسميه بالميادين المتلاحقة " (المصدر نفسه : 11).

      ونظرا لأهمية مفهومي الهامشية والإبداع (الابتكار) في متابعة أفكار الكتاب في أبوابه وفصوله، فإن المؤلفين يقدمان توضيحين أساسيين لهما . فكلمة (margo) في اللغة اللاتينية تعني الهامش أو التخوم، وهذا يعني للمتخصصين في العلوم الاجتماعية أن يكونوا موجودين على حدود تخصصاتهم، وتخومها، أي في الطليعة. فالتقدم العلمي يرى الضوء في دوائر ليس لها المركز نفسه (وهذه ظاهرة يشهد لها تاريخ العلم)، حيث تصبح الحدود الجديدة مصدرا للإبداع في العلوم الاجتماعية (المصدر نفسه : 10).

      أما مصطلح الإبداع أو الابتكار في العلوم الاجتماعية، فإنه ينظر إليه على أنه أي تقدم علمي بحثي يقوم بإسهام جوهري في إثراء الرصيد المعرفي لأي تخصص من التخصصات (المصدر نفسه : 28). وهناك طرق متعددة يتحقق بها الإبداع أو الابتكار في العلوم الاجتماعية، مثل طرح بعض الفروض المهمة، وتحسين منهجية بعض النظريات، أو الغوص في الكشف عن خبايا بعض البحوث القديمة المهملة...وهكذا فهناك أشكال مختلفة تؤدي إلى الإبداع والابتكار، وإن كان من غير الممكن تحديد أهميتها. ومع ذلك فإن عمليات الإبداع أو الابتكار في العلوم الاجتماعية ليست ثورات علمية، وإنما هي عمليات مهمة ورئيسة بالنسبة لمسيرة المشاريع العلمية في هذه المجالات (المصدر نفسه : 24).

      إن الأطروحة الأساسية لهذا الكتاب تتلخص إذن في أن ظاهرة الابتكار والإبداع في العلوم الاجتماعية تأتي أساسا من تلاقح هذه العلوم وليس من انعزال بعضها عن بعضها الآخر، والإفراط في التخصص المتقوقع. فالنظريات والمفاهيم والقوانين ومناهج البحث وأدواته في العلوم الاجتماعية هي في نظر مؤلفي هذا الكتاب نتيجة للتفاعل والتلاقح بين تخصصات هذه العلوم وفروعها المختلفة. وعلى وجه التحديد، فالتقدم العلمي الحاسم غالبا ما يكون حصيلة لدمج رؤيتين علميتين بعضهما ببعض (المصدر نفسه : 35).

      وبعبارة أخرى، إن خروج عالم الاجتماع أو الاقتصاد أو النفس عن مجال تخصصه شيئا ما واحتكاكه عند الهامش أو التخوم بتخصصات أخرى مجاورة يرشحه أكثر من غيره للمساهمة الإبداعية الابتكارية في علوم الإنسان والمجتمع.

      ومن ثم توصل المؤلفان إلى ما سمياه بمفارقة الكثافة (Le Paradoxe de la densité) القائلة بأن التخصصات الفرعية التي يعمل فيها المتخصصون بكثافة تنتج عموما (على المستوى المعرفي العلمي) ابتكارات أو إبداعات أقل (المصدر نفسه : 51). فتجاوز العلماء لحدود تخصصاتهم الضيقة من شأنه أن يؤدي إلى ولوج ميادين أخرى والتلاقح المعرفي بينها، الأمر الذي ييسر عملية الإبداع.

3-محددات ظاهرة الإبداع

      إن محاولة الوصول إلى تحديد دقيق ومفصل لمعالم نظرية ذات صدقية عالية حول ظاهرة الإبداع مسألة سابقة لأوانها في الوقت الحاضر على الأقل. وكما اشرنا في مطلع هذه الدراسة، فإن البحوث العلمية التي اهتمت بسبر أغوار عوالم الإبداع تعترف بقصورها الكبير. فهي تقر ابتداء بمدى الصعوبة في تعريف ظاهرة الإبداع نفسها. وإذا كان الحال كذلك، فإنه من المنطقي أن تصبح دراسة ظاهرة الإبداع أمرا متعذرا على أدوات العلم الحديث ومقولاته التي لا تكاد تقبل الخوض في دراسة أية ظاهرة قبل تحديد كينونتها بطريقة محسوسة وتحقيق ما يسمى بالتعريف الإجرائي operational definition  لها.

      ولكن على الرغم من الصعوبات التي يطرحها موضوع دراسة ظاهرة الإبداع علميا، فان المحاولات العلمية قائمة ومستمرة في سعيها للكشف عن طبيعة عوامل الإبداع عند الإنسان (Discover, 1996, Kraft, 2005 : 22). هذا وإن ما قدمناه في صدر هذه الدراسة من إشارة إلى البحوث العلمية حول ظاهرة الإبداع يمثل مختصرا لرأي علم النفس، وخاصة في مكونات ظاهرة الريادة العلمية أو الفكرية أو الفنية لهذه الشخصية أو تلك . وكما رأينا، فبحوث علم النفس تركز اهتمامها على التعرف على السمات الشخصية والنفسية للمبدع. فهل المبدع يمتاز، مثلا، بذكاء خارق للعادة ؟ وهل سلوكه يتسم بالاستقلالية والشجاعة، ومن ثم عدم الخوف من الصدع بفكره أو علميه أو فنه الجديد ؟ وهل هناك علاقة حميمة بين تحقيق الإبداع وحب المبدع لعمله الذي يجدد فيه ويبتكر ؟ ... الخ (Sternberg, 1992, 2003).

      ولأن علم النفس تخصص حديث، فإنه لا ينتظر منه أن يولي أهمية كبرى للعوامل الاجتماعية التي قد تكون مرشحة لممارسة تأثير خاص، وربما حاسم، في إذكاء شرارة الطاقة الإبداعية والابتكارية عند الإنسان. ومع ذلك، فإن نظرية عالم النفس غروبر حول ظاهرة الإبداع لم تسقط كليا بعض العوامل الاجتماعية التي أثبتت البحوث العلمية اقترانها بظاهرة الإبداع. فالتأثيرات العائلية والثقافية تسهم في الدفع بعمل العالم أو المفكر أو الفنان إلى مستوى الإبداع (Gardner, 1982 : 357). وكذلك الشأن في ما يتصل بالمشاكل الاجتماعية (بالمعنى العام لهذه الكلمة) التي قد تتعرض لها الشخصية المبدعة في حياتها أثناء احتكاكاتها الاجتماعية في محيطها الصغير الضيق، أو في محيطها الكبير الواسع، الذي قد يكون العالم بأسره اليوم : هذه القرية الصغيرة.

      إن الدراسات التي حاولت تسليط الضوء على جذور الظاهرة الخلدونية بصفتها ظاهرة إبداعية هي دراسات يغلب عليها، كما ذكرنا في بداية هذا البحث، التحيّز إلى جانب المؤثرات الاجتماعية التي نظر إليها على أساس أنها عوامل حاسمة في إطلاق الإبداع الفكري عند ابن خلدون، وخاصة في المقدمة. إن مثل هذا التحيّز – مهما كان حجمه ضئيلا – لا يخدم في نظرنا تحقيق فهم أكثر نضجا لظاهرة الإبداع التي هي أسمى تاج تتميز به القلة القليلة من بني البشر.

      إن من المسلمات التي يجب أن يتبناها أي باحث يروم بحق الكشف عن حقيقة الإبداع أن يكون اعتقاده راسخا في أن الابتكار والريادة الفكرية أو  العلمية أو الفنية حصيلة لتفاعل محتوم بين الجانب الشخصي أو الذاتي للمبدع، من ناحية، ومحيطه الاجتماعي (المحلي والعالمي) من ناحية أخرى. فمن دون حضور هذين العاملين وتفاعلهما، تغيب ظاهرة الإبداع عن آفاق الحياة الإنسانية. أي أن تبلور معالم الإبداع يكون نتيجة لتفاعل ذينك العنصرين أو لا يكون. إن قبول العاملين المحددين لظاهرة الإبداع (العامل الشخصي والعامل الاجتماعي) لا يحسم كل شيء يتعلق بهذه الظاهرة، ذلك أن في مقدمة الأمور التي تبقى مطروحة من دون إجابة شافية ونهائية مسالة التعرف بدقة على مدى إسهام كل من الجانب الذاتي أو الشخصي للفرد والجانب الاجتماعي في تكليل عمله بالابتكار والإبداع والعبقرية.

      إلا أن اعتماد مبدأ العالمين المحددين ينظم، كما يقال، البيت لمنهجية البحث سعيا للقرب من فهم ذي صدقية كبيرة لظاهرة الإبداع. فتوفر بعض السمات – على الأقل – مما سميناه بالجانب الشخصي عند الفرد لابد منه لظهور ظاهرة الإبداع ونضجها عنده. فوجود مستوى من الذكاء يفوق متوسط ذكاء عامة الناس أمر مطلوب لا يمكن الاستغناء عنه لأي شخص يمكن أن يكتب له الإبداع. ومن ثم فالقدرة الذكائية التي تفوق الحد المتوسط تصبح شرطا ضروريا وحاسما في الطريق إلى الإبداع. وإن تأكيد بحوث علم النفس أهمية عامل الذكاء في ترشيح أي شخص لإنجاز عمل ابتكاري وإبداعي أمر واضح مكشوف. وكذلك فإن أهمية عامل السن في عملية الإبداع أمر يكاد يكون محسوما، ذلك أن بحوث علم النفس تشير، كما رأينا، إلى أن العمل الإبداعي ذا المستوى العالي يقترن عادة بما يسمى بالسنوات الوسطى من عمر الإنسان (Ibid : 356)، أي سن الأربعين وما دونها أو بعدها بقليل. ومن ثم يصبح الإبداع ظاهرة نادرة قبل تلك السن وبعدها بكثير. وهكذا يتضح أن عناصر الجانب الذاتي أو الشخصي للمبدع تمثل ركائز أساسية لا غنى عنها للشخص الذي يمكن أن يكسب رهان الإبداع.

      أما البحوث الخاصة بالجانب الاجتماعي والموضوعي للمبدع فينقصها الكثير من الدقة في تحديد ملامح هذا الجانب أو ذاك وأثرهما في إبداع المبدعين. فقد يعزى إبداع هذا الشخص أو ذاك إلى ظروف اجتماعية معينة عايشتها وتفاعلت معها شخصية المفكر أو العالم أو الفنان. فثقل الجانب الاجتماعي وارد ولازم حضوره – كما ذكرنا – في ولادة أي إنتاج إبداعي للإنسان. ولكن الكيفية التي تؤثر بها تلك الظروف الاجتماعية في تفتيق براعم الظاهرة الإبداعية عند المفكر أو العالم أو الفنان المبدع تظل أكثر غموضا وأقل شفافية من عامل الذكاء. ويتضح غموض كيفية تأثير الظروف الاجتماعية في عملية الإبداع عند المبدع في أن تلك الظروف نفسها لا يكون لها التأثير نفسه المؤدي للإبداع عند الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع.

      وبلغة العلوم الاجتماعية الحديثة، فإن ظاهرة الإبداع ليست مجرد متغير تابع للظروف الاجتماعية، بل هي متغير ناجم عن لقاء موفق بين تلك الظروف الاجتماعية والسمات الذاتية المكونة لشخصية المبدع. وعند التساؤل : هل يسهم كل من الجانب الذاتي والجانب الاجتماعي إسهاما متساويا في تبلور ظاهرة الإبداع ؟ تكون الإجابة الفاصلة أنه لا يبدو أن القطع أمر سهل، هنا نظرا لقلة المعلومات العلمية الدقيقة الخاصة بكل العوامل التي تسهم في صناعة الحدث الإبداعي. وعلى الرغم من ذلك، فان ما جمعه علم النفس الحديث حول ظاهرة الإبداع يشير بكثير من الشفافية إلى أن الجانب الذاتي للشخص المبدع هو الأكثر حسما في تحديد العمل الإبداعي وتكييفه. وكما رأينا، فإن البحوث والدراسات تؤكد في هذا الصدد اقتران ظاهرة الإبداع بنمط معين من الصفات النفسية والشخصية للفرد المبدع .

      إن بعض هذه الصفات الذاتية أو كلها، يجب توفرها أولا وقبل كل شيء عند الشخص قبل الحديث بجدية عن ترشيحه لكسب رهان الإبداع في مجال من المجالات (Sternberg, 1999, 2005) .وهي صفات ضرورية للترشح لدخول عالم الإبداع من بابه العريض، لأنها تمثل أولى الأولويات لتأهل هذا الشخص أو ذاك للالتحاق بموكب المبدعين. وإذا كان التوق والطموح إلى أفق الإبداع حسب علم النفس يبدأ أول ما يبدأ في مكونات بنية الشخصية، فإن اثر المؤثرات الاجتماعية في تفتيق براعم الإبداع ونقلها إلى حيز الوجود والواقع يصبح أثرا ثانويا، أي أنه لا يكاد يكون أكثر من اثر العامل المساعد والمنشط لطاقات الإبداع والقابلية له الكامنة في طيّات شخصية الفرد المرشح أصلا للابتكار والتجديد.وبالتأكيد تساعد رؤية علم النفس التطوري المشار إليها سابقا، على فهم صدقية دور العوامل الشخصية الفطرية عند الأفراد في ظهور معالم الإبداع والابتكار عند بني البشر (Dortier, 2003, Badeock 2000 ) .

ريادة ابن خلدون الفكرية في ضوء علم الإبداع الحديث

      في محاولتنا التعرف على السمات الذاتية والشخصية التي أسهمت في تبلور الفكر العمراني الإبداعي عند ابن خلدون، سنعتمد أساسا على ما أكده علم النفس الحديث حتى الآن حول السمات الذاتية والشخصية التي ثبت أن لها علاقة ارتباط قوية بظاهرة الإبداع. وقد اشرنا إلى عدد من تلك السمات في الصفحات السابقة من هذه الدراسة. وعلى الرغم من المحدودية النسبية لتلك السمات، فإننا نستخدمها هنا لمعرفة مدى ما أسهمت به بعض السمات الذاتية والشخصية لابن خلدون في كسبه رهان الإبداع والابتكار المتمثل في علمه الجديد : علم العمران البشري .

      وعندما نستعرض قائمة تلك السمات كما حددتها البحوث العلمية الحديثة في علم النفس خاصة، نجد أنها تنطبق في معظمها على شخصية ابن خلدون. ولنبدأ تحليلنا لعينة من تلك السمات الذاتية والشخصية بفحص ومناقشة سمة الانكباب على التأليف عند صاحب المقدمة. إن بحوث علم النفس في ظاهرة الإبداع أكدت – كما رأينا – أن المبدعين يبذلون جهودا مضنية ومتواصلة في قيامهم بأعمالهم الإبداعية. فمدة تأليف ابن خلدون لكتاب العبر الضخم لم تستغرق أكثر من أربع سنوات (وافي ، ج 1 : 79). وهي بالتأكيد مدة قصيرة قياسا على المدة التي يحتاج إليها المؤلفون لإنجاز مثل هذا العمل الفكري الذي يبلغ أكثر من 8000 صفحة في مجلداته السبعة في الطبعة العربية (تاريخ العلامة ابن خلدون 1978). ومما يدعو إلى مزيد من التعجب أن ابن خلدون نفسه يخبرنا في نهاية المقدمة أن تأليفه لها لم يأخذ منه سوى خمسة أشهر : "قال مؤلف الكتاب عفا الله عنه : أتممت هذا الجزء الأول بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة، ثم نقحته بعد ذلك وهذبته (المصدر نفسه ، ج 3 : 1365). فتأليف المقدمة في هذه المدة القصيرة مسألة لا تكاد تصدق، فهي ليست كتابا تقليديا في التاريخ يقتصر على مجرد سرد الأحداث حتى يمكن كتابته في أقل من نصف عام، بل كتاب يحمل فكرا جديدا أجمع معظم المفكرين من الشرق والغرب على ريادته وابتكاريته. ومن ثم فحتى ينجز ابن خلدون أعظم أعماله التاريخية (المقدمة) في هذه المدة الوجيزة، كان لابد من أن يلتزم بذل جهد مكثف تفكيرا وتأليفا طوال مدة إقامته بقلعة إبن سلامة حيث وجد الخلوة والانعزال، وهو ما يحتاج إليه المبدعون كما تؤكد البحوث الحديثة حول ظاهرة الإبداع والمبدعين كما رأينا سابقا.

      يصف الباحث المغربي سالم حميش طبيعة هذه الخلوة التي عاشها ابن خلدون أثناء تأليفه المقدمة فيقول : "الموقع هو قلعة إبن سلامة... موقع يحكي بقاياه عن جدبه الطبيعي وهيمنة الحجارة عليه، وإضافة إلى كل هذا هناك السكون المتواتر الذي يتيح التأمل ويستثير الفكر، في علوم ذلك الموقع كل موعد مؤرخنا مع حلقة فكرية، حلقة موضوعها الأسبق والأساس ليس الإلهيات أو خلاص الروح، بل الإنسان ومنحى حياة مجتمع وحضارة، تزود المفكر في شأنها بزبدة المعارف والمعلومات... كان تحرير المقدمة إذن يستدعي الطبيعة الخالية والهواء الطليق، أي الخلوة وما يشبه النفس الكوني، وذلك حتى يرصد صاحبها المرحلة التي بلغها التاريخ ويكوّن نظرية تجريبية وأساسية في الثقافة... علو الموقع الهادئ الشفاف اعتزال ليس صوفيا بل هو ناتج عن تخل سياسي: إنها ظروف سعيدة اجتمعت لابن خلدون حتى يحقق بين والفكر الزواج ربما الأكثر توفيقا في تاريخ التراث العربي الكلاسيكي (حميش ، 1992 : 25).

      أما السن التي كتب فيها ابن خلدون المقدمة وبقية أجزاء كتاب العبر، فقد كانت نحو الخامسة والأربعين عاما (وافي ، ج 1 : 78). وهو عمر مثالي بالنسبة لما أكده علماء النفس بخصوص علاقة سن المبدع بعملية الإبداع والابتكار. وقد يبدو هذا العمر متأخرا بالنسبة لتجسم حدث المبدع عند المبدعين، ولكن فهم طبيعة نمو ما نسميه بعالم الرموز (اللغة، الفكر ، العقائد الدينية، المعرفة والعلم، المعايير والقيم الثقافية...) ( الذوادي Dhaouadi, 1996, 2006 : ) ، يساعد على قبول تلك السن بوصفها سنا مناسبة لتبلور الحدث الإبداعي الناضج. ويمكن القول : إن نمو الرموز الثقافية ونضجها وتطورها عند الإنسان أبطأ من نمو مكونات جسم الإنسان ونضجه. فعلماء البيولوجيا والفيزيولوجيا الحديثان يؤكدان أن الجسم البشري يبلغ أوج نضجه العضلي في عشرينات العمر التي هي أفضل فترة للرياضيين (Rischer, Easton, 1992 : 423-24) . ويرى المختصون أن نمو جسم الإنسان يبدأ في التراجع مع بلوغ الفرد خمسة وعشرين عاما.

      وبالمقارنة فإن معالم بداية النضج الفكري عند معظم المفكرين لا تكاد تبرز نفسها إلا بعد هذه السن. ومن ثمن فلا غرابة أن تكون سن الأربعين وما بعدها هي المرحلة من العمر الأكثر ترشحا لكتابة الفكر الأكثر نضجا وإبداعا عند سواد المفكرين المبدعين.

      إن الزاد المعرفي الموسوعي لابن خلدون طالما ذكر بوصفه عاملا حاسما في تأليفه الإبداعي في علم التاريخ المتمثل أساسا في المقدمة التي ضمنها علم العمران البشري الجديد (Sternberg, 1999 : 248, 2003). فمطالعة الباب السادس من المقدمة كافية لإقناع المرء بأن ابن خلدون كان ذا إلمام عميق بمعظم مجالات المعرفة التي كانت سائدة في المغرب والمشرق في عهده. وبتعبير العلوم الاجتماعية الحديثة، كان التكوين الموسوعي لابن خلدون يمكنه من التحرك بيسر بين فروع المعرفة المختلفة فيتجاوز الحدود التي تفصل بعضها عن بعض، ومن ثم تتم عملية التلاقح (hybridation) بين الفروع المختلفة للمعرفة، هذه العملية التي تعد عاملا أساسيا يسهم في إطلاق القدرة الإبداعية للباحث كما بين ذلك مؤلفا كتاب الإبداع والابتكار في العلوم الاجتماعية: الهامشية الخلاقة الذي تعرضنا له سابقا (Dugan, Pahre, 1991).

      يشير عالم النفس غروبر، كما رأينا، إلى أن المبدع كثيرا ما يكون مستندا إلى عقيدة ما تشد أزره في أزماته البحثية وتدفعه إلى الأمام في مسيرته المعرفية واكتشافاته العلمية. ومما لاشك فيه أن ابن خلدون كانت له هذه العقيدة. وهي في الأساس عقيدته الإسلامية التي تمثل في نهاية الأمر مرجعيته المعرفية والفكرية التي كانت توجه اهتماماته العلمية (الشكعة ، 1992). ويمكن أن نسوق الأدلة الآتية على مدى أثر العقيدة الإسلامية وفاعليتها عند ابن خلدون وهو يبني علمه الجديد.

      1-لا يكاد صاحب المقدمة ينهي فصلا من فصول الكتاب أو بابا من أبوابه من دون تذييله بآية من أي القرآن الكريم أو بربط علمه الإنساني النسبي بعلم الله المطلق، ومثال ذلك : (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (الأعراف: 43) ، (ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص : 56) ، أو قوله "والله سبحانه وتعالى أعلم" ، "والله على كل شيء رقيب" ، وهذا أمر متواتر عبر صفحات المقدمة.

      2-لقد استشهد ابن خلدون بالقرآن تدعيما لما توصل إليه عن طريق الملاحظة والتدبر والبحث من قوانين تحكم نشوء الحضارات وازدهارها وتحللها وسقوطها. ففي تحليلاته للحضارة يبين العوامل الموضوعية التي يكون انتشارها في المجتمع إيذانا بقرب أفولها مثل الترف والتفنن فيه، الأمر الذي يؤدي إلى تلون "النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا تستقيم حالها مع دينها ولا دنياها: أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها، وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمؤونات التي تطالب بها العوائد ويعجز الكسب عن الوفاء بها..." ثم يتحدث ابن خلدون بعد ذلك عن تفكك ما يسمى في العلوم الاجتماعية الحديثة نسق القيم الثقافية واهترائه فيقول : "...فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهة ومن غير وجهة (وبالتعبير السوسيولوجي الحديث : بطرق مشروعة وغير مشروعة، وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الإيمان والربا في البياعات. ثم تجدهم أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والجهرة به وبدواعيه وأطراح الحشمة في الخوض فيه ، حتى بين القارب وذوي المحارم الذين تقتضي البداوة الحياء منهم في الإقذاع بذلك" (وافي ، ج 2 : 889-890).

      كل ذلك يحتم نهاية الحضارة، وهذا يتطابق القانون العمراني الخلدوني مع إرشاد القرآن وتعلميه بهذا الصدد. ويستنتج ابن خلدون هذا التجانس الكامل فيقول : "وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة تأذن الله بخرابها وانقراضها" (المصدر نفسه)، وهو معنى قوله تعالى : (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (الإسراء : 16) .

      3-إن اكتشاف علم العمران البشري كان فعلا أمرا محيرا لصاحبه نفسه على الرغم من افتخاره بذلك وتأكيد شعوره بالسبق فيه. فإذا كان هذا العلم لم يعرف عند حكماء اليونان ولا الفرس ولا الهند ولا عند المسلمين كما أشار إلى ذلك ابن خلدون، فهل كان يمكن له أن يتوصل من تلقاء نفسه وباستقلالية كاملة عن أية عوامل غير إنسانية إلى هذا الكشف ؟ يعتقد ابن خلدون أن هناك عاملين تضافرا على ميلاد علمه الجديد :

      أولهما: الانكباب والبحث المتعمق الذي أجهد فيه نفسه حيث يقول : "واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، عزيز الفائدة أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص..." (وافي ، ج 1 : 331).

      ثانيهما : عامل الإلهام الإلهي الذي قاده إلى بلورة ملامح هذا العلم، وذلك بيّن في قوله : "ونحن ألهمنا الله ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا سن بكره وجيهنة خبره" (المصدر نفسه : 334).

      4-وأهم من ذلك كله أن ابن خلدون وهو ينشئ علمه العمراني المستحدث قد ربطه ربطا وثيقا باستخلاف الله للجنس البشري في الأرض، وذلك منذ الباب الأول من الكتاب الأول حيث يقول : "...فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم، وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم" (المصدر نفسه ، 338).

      إن الأدلة السابقة تؤكد بكل وضوح أن ابن خلدون كان يركب مركبا إسلامي الخشب والتركيب، وهو يبحر منفردا في تأسيس علم العمران البشري، تحدوه توجيهات القرآن وبصائره. إنه يعترف من البداية أن اهتداءه لهذا العلم كان وراءه ما يسمى في العلوم الاجتماعية الحديثة بـ "اليد الخفية " (the Invisible Hand)، وهي عند ابن خلدون يد الله التي تدخلت لكي يصل إلى الشاطئ سالما وفائزا بهذا الكشف الجديد في دنيا العلم والمعرفة الإنسانية. فاستشهاده إذن بالآيات القرآنية في تأكيد صدقية أقواله واستنتاجاته في العمران البشري أو ختمه لفصول المقدمة بآيات قرآنية، أو ربط علمه بعلم الله، أو بالمهمة الاستخلافية للنوع الإنساني، كل ذلك يمثل امتدادا وانسجاما كاملين مع إيمانه العميق بالله وهدايته له في مسيرته المعرفية. كل ذلك يدل أن العقل الخلدوني يجمع بين هدي النقل وبصيرة العقل. وقد نجح في تأسيس علم جديد بشهادة الشرق والغرب، ومن ثم فالفصل بين النقل والعقل في  مسيرة المعرفة هي ظاهرة غربية منذ عصر النهضة. ولا ينبغي تعميمها على كل الحضارات والثقافات البشرية (Dhaouadi, 2005 : 59).

      ونود أن نختم هذه الدراسة بالتوقف عندما يسمى "العقل الباطني" لشخصية المبدع الذي يبدو أنه كان له ذا أثر هام في تحريك عملية الابتكار والإبداع عند ابن خلدون. إن ما أطلق عليه ابن خلدون "الإلهام الإلهي" بوصفه عاملا مهما في عملية الإبداع والابتكار عند الإنسان يمكن أن يجد مقابلا له في العلوم الحديثة. فمفهوم اللاشعور صار يستعمله الباحثون في فهم ظاهرة الحلول الابتكارية عند بعض العلماء المبدعين الذين تمكنوا من الكشف عن قوانين الطبيعة. فأول عالم تحدث عن وظيفة اللاشعور في هذا الصدد هو عالم الفيزياء والتشريح الألماني هارمان هالمهولتز (Hermann Helmholtz) الذي حدد مراحل ما قبل الاكتشاف بثلاث هي:

      1-مرحلة الخمول (Saturation) التي يبدأ فيها الباحث أو العالم مشروع بحثه، لكنه يتوقف عن ذلك عند عجزه عن النجاح في التقدم في فهم المشكل المطروح.

      2-مرحلة الحضانة (Incubation)، وهي مرحلة استراحة واسترجاع للقوة والطاقة يتم فيها من دون وعي تحريك معطيات المشكل وتنظيمها.

      3-مرحلة الإضاءة (Illumination)، التي يظهر فيها الحل المفاجئ وغير المنتظر.

      4-وقد أضيفت إلى ذلك مرحلة رابعة أسهم في تحديدها العالمان هنري بوانكاري (Henri Poincaré) وغراهام والس (Graham Wallas) وسمياها : مرحلة الاختبار (Verification)، أي مرحلة التحقق من مدى صحة الاكتشاف ، وذلك بمقارنته بإمكانيات أخرى وتقويم مدى صدقيته.

      وعلى الرغم من الاتفاق العام بين المختصين على أثر هذه المراحل في عملية الإبداع، فإن المرحلتين الأولى والرابعة هما وحدهما اللتان تتسمان بالوضوح. أما مرحلتا الحضانة والإضاءة فلا زال يكتنفهما الكثير من الغموض كما كان الأمر عند الإغريق الذين كانوا يظنون أن أحداثهما تجري خارج العقل، وبالتالي فجذورهما جذور ميتافيزيقية بالأساس، أي أنهم أرجعوا الأفكار الجديدة أو الحلول المبتكرة للقضايا العلمية العويصة إلى إيحاء أو إلهام إلهي.

      ولاشك في أن هذه المراحل الأربع التي حدد معالمها علم النفس الحديث تساعد على فهم أفضل لإمكانية تأليف ابن خلدون المقدمة في مدة قصيرة لا تتجاوز خمسة أشهر، إذ أن مجرد نسخها باليد قد يستغرق وقتا يزيد على نصف هذه المدة. ومعنى هذا أن عقل ابن خلدون كان قبل عزلته في قلعة إبن سلامة، وبالتأكيد أثناءها، منشغلا بموضوع علم التاريخ ونقائصه العديدة التي انتقدها بشدة. ذلك أنه من المعلوم أن ابن خلدون قد ألف الأجزاء التاريخية لـ كتاب العبر قبل كتابة المقدمة. وهذا يعني أن إنتاجه الفكري الإبداعي المتمثل في المقدمة لابد من أنه مر بمراحل الإبداع الأربع المشار إليها أو بما يشابهها. والمؤكد بناء على ذلك أن المرحلة الأولى لانشغال عقل ابن خلدون بالكشف عن باطن التاريخ قد بدأت أثناء تأليفه للأجزاء التاريخية من كتاب العبر.

      إلا أن هذا لا يمنع من أن تفكيره في عمق التاريخ يمكن أن يكون قد بدأ قبل ذلك، ولكنه لم ينجح في الحالتين باستشراف ملامح رؤية جديدة تنقذ علم التاريخ من مأزقه المعرفي والمنهجي، ومن ثم ترك مؤقتا هموم بحثه جانبا (مرحلة الخمول).

      أما بعد الاستراحة من التفكير في المخرج من الرؤية التقليدية لعلم التاريخ، فقد أعاد ابن خلدون الكرّة باحثا عن ضالته عبر مستويين : (1) إلغاء استعمال منهج 'التعديل والتجريح" للتحقق من صحة الأحداث التاريخية التي يرويها المؤرخون. إذ أن هذا المنهج صالح "لعمل رواة الأحاديث النبوية ولكنه ليس كذلك بالنسبة للتأكد من صحة الواقعات التاريخية التي تحفل بها كتب التاريخ". و (2) تنظيم معطيات علم التاريخ تنظيما حسنا. فشرع في تصنيف أنواع أسباب الكذب عند المؤرخين وتنميط المجتمعات إلى بدوية وحضرية، وتصنيف العصبيات إلى قبلية ودينية...الخ ، وكانت تلك مرحلة الحضانة. أما مرحلة الإضاءة فهي تلك التي توصل فيها ابن خلدون فجأة إلى اكتشاف إطار معرفي جديد يضع الأحداث التاريخية والمجتمعية في نصابها. فالحل المفاجئ لمشكل ابن خلدون مع علم التاريخ، بعد إقصائه لمنهج "التعديل والتجريح" من الاستعمال لدى المؤرخين، يتمثل في علم العمران البشري الوليد، هذا العلم الذي يعلن صاحبه أن الأحداث التاريخية الماضية والحاضرة والقادمة لا يمكن فهمها وتفسيرها بشفافية وصدقية إلا في إطاره ووفقا لمنهجيته إنه المعيار الجديد الذي به تثبت أو تنفي الأحداث التاريخية. ومن ثم أطلق ابن خلدون على المقدمة اسم الكتاب الأول. وهذا يفيد أن "تاريخ العرب ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر الذي هو موضوع ما تبقى من كتاب العبر، لا يمكن استيعاب مغزاه وكشف الحجاب عن علل أحداثه من دون الرؤية العمرانية الجديدة التي دوّنها ابن خلدون في فصول المقدمة وأبوابها. وبحسب علم النفس، فإن تبلور معالم هذا العلم الجديد تم في مرحلة الإضاءة أو المرحلة الثالثة من مشروع بحث ابن خلدون في علم التاريخ.

      وبذلك تمثل مرحلة الإضاءة (المرحلة الثالثة) أو مرحلة اكتشاف ابن خلدون لعلم العمران تسلسلا منطقيا في مجرى أحداث تأليفه في قلعة إبن سلامة، أي أن كتابة ابن خلدون "لتاريخ العرب ومن عاشرهم..." بدأت في إثارة تساؤلات عنده حول صدقية علم التاريخ من دون إجابات عليها في حينها. فاستمر احتضانه لتلك التساؤلات في مجالي الشعور واللاشعور حتى نضجت وانتهت باكتشافه المفاجئ للعلم الجديد.

      إن محاولتنا هنا ربط المرحلتين الثانية والثالثة بعملية الإبداع بطبيعة الفكر العمراني الجديد الذي تحتوي عليه المقدمة تمثل اجتهادا معرفيا، وليس قولا فصلا في المنعرجات التي اتبعها فكر ابن خلدون حتى توصل إلى اكتشاف علم العمران البشري. فمرحلتا الحضانة والإضاءة لازالتا محفوفتين بغموض كبير، كما أشرنا سابقا. ومع ذلك فكتابة ابن خلدون للأجزاء التاريخية من كتاب العبر قبل تأليفه المقدمة تعيننا على إبراز أمرين مهمين :

      1-إن إنكباب صاحب المقدمة على تأليف كتاب العبر لابد من أنه كان ذا أثر حاسم في تبلور مرحلة الإضاءة عند ابن خلدون : أي أن تدوينه لذلك الكم الضخم من الأحداث التاريخية حول العرب "ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر" كشف أمامه آفاقا ورؤى جديدة حول نمط البنى والمؤثرات الاجتماعية والحضارية التي تشكل الأحداث التاريخية، فكان ميلاد علمه المستحدث والسريع التأليف في مقدمته. وفي نظرنا، ما كان لكتابة المقدمة بتلك السرعة (خمسة شهور) أن تتم دون استعراض الأحداث التاريخية الكثيرة التي تحفل بها الأجزاء التاريخية الستة من كتاب العبر. ومن ثم لزم أن يكون ميلاد المقدمة في آخر إقامة ابن خلدون وعزلته في قلعة إبن سلامة للتفرغ للتفكير والتأليف وابتكار علم جديد.

      2-إذا كانت منهجية الأجزاء التاريخية من كتاب العبر وعقلانيتها دون مستوى ما نجده في المقدمة، فإن في هذا دليلا على أحد احتمالين :

      أ-أن ابن خلدون قد اهتدى إلى علمه الجديد في المرحلة الأخيرة من تأليفه لتلك الأجزاء من كتاب العبر.

      ب-أن اكتمال اكتشافه لعلم العمران البشري حدث بعد أن أنهى تأليف الأجزاء التاريخية من كتاب العبر.

      أما المرحلة الرابعة في مسيرة العلم الإبداعي، فهي تتمثل كما ذكرنا آنفا في عملية الاختبار أو التحقق التي يقوم بها الشخص المبتكر لصدقية الفكر أو الفن أو العلم الجديد. ويبدو أن ابن خلدون اختار منهج المطابقة لا منهج "التعديل والتجريح" المستعمل في الخبر الديني والشرعي لاختبار الأحداث التاريخية صحة أو بطلانا: "وأما الأخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه، وصار ذلك فيها أهم من التعديل ومقدّما عليه، إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط، وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة. وإذا كان كذلك، فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له. فإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه. وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى له المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه. وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا".

      وعند دراسة أثر عامل اللاشعور في العمل الإبداعي، فإن مرحلتي الحضانة والإضاءة هما المرحلتان الأكثر استعدادا للتأثر بهذا العامل. ولعل تأثير اللاشعور يتضح أكثر في المرحلة الثالثة: مرحلة الإضاءة حيث يأتي الاكتشاف المباغت والإجابة الجديدة المفاجئة لدى الشخص المبدع والمبتكر في إبداعه وابتكاره. إن اثر مخزون اللاشعور في حياة الإنسان قد أماط عنه اللثام عالم النفس النمساوي الشهير سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، الذي يرى أن عالم اللاشعور عند الإنسان يوجه سلوك الناس بصورة مساوية لأثر عالم الشعور أو ربما متفوقة عليه. فالكثير من سلوكات البشر وأعمالهم الإبداعية تكون نتيجة لا للجانب الواعي من حياتهم، بل للجانب اللاواعي (أو اللاشعوري) منها. فعندما يسأل الشاعر مثلا : كيف كتبت هذه القصيدة ؟ تكون إجابته : لا أدري، أو ربما يضيف قائلا : "هي التي أوحت نفسها اليّ" . إن العبارات المعهودة التي يدلي بها بعض المبدعين مثل عبارتي : "لقد باغتتني" و "أدركت لتوي" تشير بوضوح إلى عامل المفاجأة الذي طالما اقترن بالكشف الإبداعي عند هؤلاء .

      وكما رأينا، إن ابن خلدون لم يخل رد فعله من الدهشة والحيرة وهو يكتشف أنه بصدد إرساء ركائز علم جديد، ففسر تبلور هذا العلم "الغريب النزعة" بإرجاعه إلى الإلهام الإلهي، أي إلى تلك "اليد الخفية" أو إلى "خبايا اللاشعور" بالتعبير "الحديث" التي تعمل في حياة الأشخاص من دون أن يكون لها حضور محسوس في وعيهم. وهكذا يفوز ابن خلدون مرة أخرى بحيازة سمات ذاتية شخصية (عامل اللاشعور والمراحل الأربع التي تتطلبها عملية الإبداع ( تؤهله بحق للانتماء إلى معشر الرواد والمبدعين في عوالم الفن والفكر والعلم والمعرفة.

المراجـع العربيـة

- ابن خلدون ، عبد الرحمان (1993) ، مقدمة ابن خلدون ، بيروت ، دار الكتب العلمية .

-تاريخ العلامة ابن خلدون (1978) : كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت ، دار الكتاب اللبناني.

-الجابري، محمد عابد (1992) ، فكر ابن خلدون : العصبية والدولة : معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية.

-حميش، سالم (1992) ، الفلسفة أم التاريخ الحي ؟ بعيدا عن تقديس العبقرية، ابن خلدون في قراءة جديدة، مجلة الناقد ، السنة 5 ، العدد 51 ، أيلول/سبتمبر.

-الذوادي، محمود (2006) ، الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية، بيروت ، دار الكتاب الجديدة المحدودة.

-وافي، علي عبدالواحد (دون تاريخ) ، مقدمة ابن خلدون ، ج 1، القاهرة ، دار نهضة مصر.

 

المراجع الأجنبيـة

-Badeock, Ch. (2000) Evolutionary Psychology, Oxford, Polity Press.

-Dhaouadi, M(2005), The Ibar : Lessons of Ibn Khaldun’s Umran Mind, Contemporary Sociology, vol.34, n°6.

-Dhaouadi, M.(1996) Toward Islamic Sociology of Cultural Symbols, Kuala Lumpur, S.Noordeen.

-Discover (Oct.1996) special issue: The Science of Creativiy and Scientific American Mind (2005): Creativity in every one of us, vol.16, n°1.

-Dogan, M., Pahre, R. (1991) L’innovation dans les sciences sociales: marginalité créatrice, Paris, PUF.

-Dortier, J-F., (2005), Nos trois inconscients, Sciences Humaines, n°.166.

-Dortier, J-F. (2003), La nature humaine redécouverte, Sciences Humaines, n°.139, juin .

-Gardner, H., (1982) Art, Mind and Brains : A Cognitive Approach to Creativity, New York, Basic Books.

-Hunt, M., (1982) The Universe Within : A New Science Explores the Human Mind, New York, Simon and Schuster.

-La Coste, Y. (1998) Ibn Khaldoun : naissance de l’Histoire, passé du tiers-monde, Paris, Editions La Découverte et Syros.

-Levinston, D. (1978) The Seasons of a Man’s Life, New York, Knopf.

-Mahdi, M. (1971) Ibn Khaldun’s Philosophy of History : A Study in the Philosophie Foundation of the Science of Culture, Chicago, University of Chicago.

-Rischer, C.E., Easton, T.A. (1992) Focus on Human Beings, New York, Harper Collins.

-Sternberg, R. (2003) Wisdom, Intelligence, and creativity synthesized, Cambridge, UK, Cambridge University Press.

-(1999) Handbook of Creativity, Cambridge, UK, Cambridge University Press.

-Wilson, R., Keil, F. (2001), The MIT Encyclopedia of the Cognitive Sciences, Cambridge (USA), The MIT Press.

 

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس