exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


قراءة فلسفية في المنهج الخلدوني الاجتماعي

بقلم الدكتور عبد الرزاق قسوم

أستاذ الفلسفة – جامعة الجزائر

المقدمة :

انقضت قرون عديدة على رحيل العالم الموسوعي المسلم عبد الرحمن بن خلدون دون أن يكون ذلك كافياً لخفوت بريق ولمعان هذا العالم  .

فلا يزال منهج ابن خلدون وفكره خاضعين لما يعرف في علم النحو عندنا، بالاشتغال والتنازع من معظم من تصدوا لفكر ابن خلدون على اختلاف مللهم و نحلهم،وعلى تباين ثقافاتهم والسنتهم. ولذلك يتواصل اشتغال الباحثين الأكاديميين وغيرهم بالفكر الخلدوني.. واختلافهم –أيضاً- حول تصنيف منهجه وتحديد منابع إبداعه، ووضعه ضمن مدرسة إيديولوجية معينة.

وقد تنافس النقاد والباحثون في نسج العباءات الإيديولوجية التي تصلح مقاسا لقامة ابن خلدون؛ كما تباروا في صنع القبعات الفلسفية التي يمكن أن تحتوي عقل عالمنا المجدد؛ وعبثا حاولوا كل ذلك.

 فمن واصف إياه بواضع أسس الماركسية في إطار إسلامي، ومن مصنف له ضمن اشتراكية أوغيست كونت أو اجتماعية إيميل دوركايم، أو فلسفية أرسطو، أو سياسية ميكيافيلي في الأرض العربية، ناهيك عمن يجعل من ابن خلدون قومياً مغاربياً، أو إسلامياً متصوفاً، أو معتزليا متكلماً.

لقد تعددت الاتجاهات في تقييم الفكر الخلدوني، بتعدد القراءات الفكرية لمنهجه، فمن علي عبد الواحد وافي وعلي الوردي وساطع الحصري، ونصيف نصار وملحم قربان، وغيرهم بالمشرق، إلى عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعلي أومليل و عبد الله شريط وعبد المجيد مزيان، وعبد الغني مغربي، وفتحي التريكي، ومحجوب بن ميلاد، ومحمد الطالبي وباقي الخلدونيين في المغرب العربي، مروراً بايف لاكوست وفرانز روزنتال، وفانسان مونتاي وآخرون في الغرب؛ إن كل واحد من هؤلاء حاول أن يضع ابن خلدون في قالب منهجي خاص.

وفي سياق عملية الحفر هذه وتنقيبا عن ربوة فكرية صلبة، نرسي عليها دعائم الفكر الخلدوني، تأتي محاولتنا لتضاف إلى المحاولات السابقة، يحدونا الأمل فيها بالتحلي بالموضوعية ما أمكن والواقعية المستنبطة من النصوص الخلدونية، لتخليص ابن خلدون من الأحكام التعسفية الإيديولوجية التي تكاد تفرغ منهجه من مقوماته الأصيلة وتجعله منهجا متعدد الخصوصيات، متنوع المتابع، متناقض الرؤى.

على أننا ندرك صعوبة المهمة، وهي ذات أوجه عديدة لذلك يمكن التمهيد لها بمجموعة من الأسئلة لتجاوز إشكالياتها وأهمها :

1- هل يمكن  الاكتفاء بقراءة فلسفية واحدة، يكون الاعتماد فيها على المقدمة، بوصفها الينبوع الأساسي لصميم الفكر الخلدوني؟

2- أم على العكس من ذلك، لا ينبغي التسليم بالقطيعة بين المقدمة والتاريخ كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين، فنعمد إلى شمولية الفكر الخلدوني لاستجلاء النظرة الكاملة لمنهجه .

3- أين يمكن إيجاد المنبع الفكري والإديولوجي للخطاب الخلدوني، الذي نستطيع من خلاله تلمس مكونات العقل عند ابن خلدون، وما يطمح إليه من إحداث تغيير كلي يشمل مختلف جوانب حياة المجتمع العربي الإسلامي وتمكينه من تجاوز صدمة السقوط ؟

4- أين يكمن الجامع المشترك الأعظم لشمولية المنهج الخلدوني الاجتماعي، وأهم السمات المميزة لهذا المنهج ؟ هل يكمن في المنبع الديني، أم في الواقع الاجتماعي المعيش، أم على العكس من ذلك، في الفكر الفلسفي بمختلف أبعاده السياسية، والاقتصادية، والقبلية ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها هي التي سنتخذها كمفاتيح لمعالجة منابع المنهج الخلدوني الاجتماعي الذي هو موضوع بحثنا.

منابع المنهج الخلدوني الاجتماعي

      إن من المسلم به لدى معظم الباحثين المتخصصين في الفكر الخلدوني، وإن تباينت مواقفهم حول تصنيف اتجاه ابن خلدون إيديولوجيا، هو أن المصطلح، يمثل عاملا أساسيا في فك ألغاز المنهج، واستجلاء الغامض من فكره.. و باستعراضنا للمصطلحات التي هي العلامات المميزة لفكر ابن خلدون يمكننا – بواسطتها – تحديد منابع الإلهام، و بالتالي الإمساك بخيوط الإبداع عنده.

       ويضيق المقام لو أننا – حاولنا – الإلمام بكل الاصطلاحات التي تخفي مفاهيمه، فهي من الخصوبة، والتنوع، بحيث لا تكفي فيها ورقات بحث – كهذا – محدود الفضاء بزمن الإلقاء. وحسبنا أن نركز على أهم المصطلحات، لنتخذها مدخلا للغوص في ينابيع الإلهام، وتصور ما توحي به من الأفهام..

      إن من المصطلحات التي غدت لازمة من لوازم ابن خلدون، العصبية، والعمران، والدولة والاستخلاف، والمجتمع، والسلطان، والترف، والملك، والوازع والمعاش والتوحش، والبداوة والحضارة – والعلوم العقلية، والعلوم النقلية والتلاشي والنظرية الدورية .. الخ.

      إن إخضاع هذه المصطلحات كلها للقراءة الفلسفية المتعمقة، يفضي إلى إبراز مصادر الإلهام التي منها كان ابن خلدون يصوغ مفاهيمه ونظرياته في ما يهدف إليه من نهوض اجتماعي في أمة تعاني عوامل التلاشي والسقوط.

فما هي إذن أهم هذه المنابع ؟

يمكن بقليل من العناء، وضع سلم لتصنيف المنابع الفكرية عند ابن خلدون، حسب أهمية استخدامها في انتاجه، لنخلص إلى مايلي :

1-العامل الديني: مهما ألبس ابن خلدون من عباءات إيديولوجية، فستظل العباءة الدينية التي يتوشى بها، هي أهم العباءات التي يحلو له أن يزين بها مقولاته..

      إن القراءة الفلسفية لمنهج ابن خلدون الاجتماعي تسلمنا إلى حقيقة هي أنه يتخذ من الدين عموما، ومن القرآن بصفة أخص، السند الذي يتكئ عليه في صياغة مفاهيمه.

      ويكاد هذا الحكم ينسحب على مفهومه للدولة وعمرها، فنجده بعد أن يحلل مكونات الدولة، مقارنا إياها بالإنسان، يلجأ إلى الآيات القرآنية يدلل بها على حكمه، و من ذلك قوله تعالى : " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " [سورة الأحقاف الآية 15].

      ومثل ذلك نجده في حديث ابن خلدون عن العصبية، التي يعتبرها أساس الدولة.. ويصطدم عالمنا المسلم هنا بذم الإسلام للعصبية في آية قوله تعالى : " لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم " [سورة الممتحنة الآية 3 ] ولكنه يخرج من هذا الإشكال في تقسيم العصبية إلى نوعين عصبية إيجابية، وعصبية سلبية..

      والإسلام هنا إنما يذم العصبية السلبية التي تتحكم فيها الأهواء، والميول، وتقوم على الباطل، ويضرب لذلك مثلا بما كانت عليها القبائل في الجاهلية قبل الإسلام وهي التي عنتها الآية المشار إليها آنفا .

      كما أن من العصبيات السلبية التي تحتكم الدولة فيها إلى قوة المال وحده، وتغليب المصالح المادية، وهي أيضا مذمومة بنص القرآن في قوله تعالى :" كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم" [سورة الحشر الآية 7] على أن نظرية ابن خلدون في الدولة تجد سندا لها في مفهوم الدولة المعاصرة.. لذلك يقول بأن العصبية الإيجابية أمر مطلوب في إقامة الدولة، ولو أن الدولة لا تقوم عنده إلا على قوتين هما : قوة العصبية [أو الجند] وهنا يمكن أن نجد الحزب، والجيش الوطني المؤمن بدولته.

      وثانيهما قوة المال .. وفيه أيضا يندرج معنى العمران القائم على حسن تنظيم المال وتوزيعه على أكبر عدد ممكن من أفراد الدولة حتى لا تتجمع الثروة في أيدي فئة قليلة من الناس، فيتحكمون في مقاليد الحكم وبذلك يدخلون تحت طائلة آية " حتى لا تكون دولة بين الأغنياء منكم".

      ولسنا هنا بصدد البحث عن صحة نظرية ابن خلدون في العصبية أم لا، فقد وجهت انتقادات كثيرة لعصبيته، ليس هذا مجال تناولها.

      إن ما يعنينا هنا هو التأكيد على المنبع الديني كعامل من عوامل الإلهام في الفكر الخلدوني، وهو عامل يتعزز بأمثلة كثيرة كعامل الترف الذي هو سبب فعال في القضاء على الدولة، ويتخذ له سندا من الآية في قوله تعالى : " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها" [ سورة الإسراء الآية 16] وكذلك الحال بالنسبة للحكم، والسلطة، والاستخلاف، إنها مقولات ومفاهيم يتخذ لها من الدين سندا ليدلل بها على صحة أحكامه.

2-قوانين التاريخ وقوانين المجتمع: المنبع الثاني الذي يستلهم منه ابن خلدون نظرياته، يتمثل في قوانين التاريخ، وقوانين المجتمعات معا.

ففي صياغته لمفهوم الأمة التي تبحث لها عن دعامة إيديولوجية تمكن من تكوين المجتمع المسلم، يغوص ابن خلدون في أعماق التاريخ الإنساني بحثا له عن منهج سليم . ولا يتوقف ابن خلدون – كما تين لنا المقدمة ذلك – عند مجرد التقويم لوقائع المجتمع الإنساني عبر التاريخ، بل إنه يتجاوز ذلك إلى استلهام قوانين وقواعد من سلبيات تلك الوقائع ليتخذها منهجا صالحا للتغيير الاجتماعي..

      وقد وفق ابن خلدون في تبليغ خطابه المنهجي من خلال التأكيد على أن التاريخ المجتمعي الإسلامي كما قدمه لنا المؤرخون القدامى من أمثال المسعودي وغيره، قد انقلبت أوضاعه ومع ذلك بقي حديث المؤرخين هو هو، ونقطة الضعف في هذا المنهج التاريخي أنه عجز عن    مواكبة الإنسان والمجتمع، فتحنط على صفحات عصور ولت، وتبدلت الأزمنة ولم يتبدل المنهج.

3- المنهج الفلسفي :

      إن القارئ للمقدمة يكتشف أن ابن خلدون، لا يغرف في منهجه من ينبوع الدين أو ينبوع القوانين التاريخية فقط ولكنه يستلهم أيضا من المنبع الفلسفي العقلاني، فنجده أحيانا يستخدم المصطلح الأرسطي كما هو الحال بالنسبة للعمران ومن المفهوم الرشدي كما هو الحال بالنسبة للعصبية والمصطلحات السياسية.[1]

      فعن أرسطو أخذ ابن خلدون مصطلحات العمران والصورة والمادة، حيث نجده يقول "الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة "[2].

      كما نجد اهتمام ابن خلدون بالمنهج العقلي، وتكوينه فيه يعود إلى عاملين هامين هما :

1- دراسته للعلوم العقلية في سن مبكرة على أستاذه محمد الأبلى.

2- مطالعاته الخاصة لمؤلفات المفكرين الإسلاميين كالفارابي، وابن سينا، والغزالي وابن رشد[3].

      ومما ينبغي الوقوف عنده هو أن الينبوع العقلاني الفلسفي لابن خلدون لم يكن مصدر إلهام تقليدي وإنما هو استلهام منهجي واع.

      فلئن كان ابن خلدون قد تعرض في المقدمة لابن رشد في عدة مناسبات وذكر اسمه مرات عديدة، مثل تأكيده على أن كتاب المجسطي في علم الهيئة المنسوب لبطليموس قد لخصه ابن رشد من حكماء الأندلس فان ابن خلدون انتقد ابن رشد في مسألة اعتدال خط الاستواء بقوله :" وقد زعم ابن رشد أن خط الاستواء معتدل وأن ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراءه في الشمال، فيعمر منه ما عمر من هذا، والذي قاله غير ممتنع من جهة فساد التكوين، وإنما امتنع فيما وراء خط الاستواء في الجنوب"[4].

      كما انتقد ابن خلدون ابن رشد في مسألة الحسب التي قال بشأنها ابن رشد أثناء تلخيصه لكتاب الخطابة لأرسطو ما يلي:" والحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة بمعنى أن الحسب إنما يعود إلى التقادم في الإقامة بالمكان أو المدينة، وهذا الرأي رفضه ابن خلدون وعارضه بظاهرة العصبية قائلا : وليت شعري ما الذي ينفعه قدم نزلهم بالمدينة إن لم تكن له عصابة يُرهب بها جانبه، وتحمل غيرهم على القبول منه، فكأنه أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط"[5].

      ويعزو ابن خلدون موقف ابن رشد من العصبية الى سبب كونه"رُبي في جيل وبلد لم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها، فبقي في أمر البيت والحسب، على الأمر المشهور من تعديد الآباء على الإطلاق ولم يراجع فيه حقيقة العصبية وسرها في الخليقة"[6].

      من هنا يتجلى لنا أن ابن خلدون في اعتماده على المنهج العقلي، أدخل على مذهب العقل تعديلا جديدا هو ما سمي بعنصر التناسب من قوانين العقل وقوانين الكائن على اعتبار أن الوجود أوسع بكثير من العقل مما نتج عنه

1- الاعتراف بحدود العقل، وهو هنا يلتقي مع كانط في قوله بأن العقل مقدود على قد الطبيعة. كما يذهب إلى القول بأن الإيمان مقدرة تفوق العقل وبالتالي اللجوء إلى قوة تفوق العقل كالحدس وهو ما ذهب إليه الغزالي.

2- الاعتماد على المجال المشروع للعقل من أجل بناء معرفة أكيدة، وبعبارة ابن خلدون نفسه فإن " العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها".[7]

واللافت للانتباه أن ابن خلدون قد سبق أرنولد توينبي في المزج بين الجغرافيا والتاريخ والحضارة، فابن خلدون يتحدث – في علم العمران- عن الجزء الصالح للسكن على الأرض، أي مكان العمران كما يتحدث عن مناخ هذه الأقاليم، حيث يتسم الجزء الكبير منه بالاعتدال مما يجعله صالحا خصبا للتاريخ فتتطور فيه الحضارات والأديان، ومن ذلك يستنبط ابن خلدون مسألة تأثير المناخ على نفسية الأمم مؤكداً على عنصري الخصوبة والقحط ونتائج ذلك كله على التكوين الجسدي والمعنوي للبشر[8]. هكذا –إذن- يتجلى لنا أن ابن خلدون لم يكن يأخذ من منبع واحد في صياغة منهجه، بل كان يمزج بين الدين وقوانين التاريخ الاجتماعي والينبوع العقلي، لكنه حتى في هذا الينبوع العقلي كان يحتكم إلى الدين في إطلاق أحكامه.

2- خصائص المنهج الخلدوني :

      إذا كان المنهج الخلدوني هو علامة الإبداع العقلي عند ابن خلدون، ومجال أسطوريته، على العكس مما ذهب إليه صاحب كتاب نهاية أسطورة[9] ، فإن هذا المنهج له خصائصه الفكرية التي تجسد نوع الإبداع الذي اتسم به.

      فإن من مميزات المنهج الخلدوني نحته لمصطلحات تكاد تكون موقوفة على منهجه من ذلك مصطلح فن المطابقة بين العلل والأسباب الذي هو علم العمران البشري.. وهذا العلم الذي هو محك الصدق في الرواية التاريخية أو بعبارة أدق هو الصورة الأمينة لصدق ودقة التقارب بين الخبر والواقعة المنقول عنها.

      ويمضي ابن خلدون في تحديده خصائص منهجه من خلال علم العمران، فيحدد لنا البواعث الحقيقية للاجتماع البشري بمقولته  المعروفة : "الإنسان مدني بالطبع" فيقول: من هذه البواعث :

1.        القوت والغداء

2.        الدفاع أو الحاجة إلى الدفاع

وإذن فلابد من المدينة للإنسان، ولابد من العمران، وقد جعل الله للحيوانات وسائل للغذاء ووسائل للدفاع.

      أما الإنسان فجعل له الفكر واليد بمعنى الأداتية l’instrumentalisme  أي من اليد إلى الدماغ.. فاليد في خدمة الفكر.

      ومن الخصائص التي تطبع المنهج الخلدوني الاجتماعي أيضاً، تعميق المفاهيم وعقلنتها.

      فالعصبية التي هي الطابع المميز للفكر الخلدوني، يعطيها ابن خلدون ميزة خلدونية خاصة به، وتتمثل في تقسيم العصبية إلى عصبية معقولة وعصبية غير معقولة، لكن ابن خلدون اضطرب عندما عمد إلى تقديم الأمثلة عن النوعين من العصبية.

      فقد نتفق معه عندما يقول بأن العصبية المعقولة هي التي تتحد بالغاية التي تهدف إليها، لكن المثال المقدم لتوضيح هذا النوع من العصبية لا يحظى بالقبول لأنه لا يستند إلى دليل منطقي، فعندما يقدم لنا ابن خلدون العصبية الأموية في عهد الخليفة علي بن أبي طالب، واصفا عصبية الأمويين، بأنها تلك التي قاومت عصبية بني هاشم وانتصرت عليها، محققة لبني أمية ما لم يحققوه في الجاهلية. إن هذا النوع من العصبية لا يبدو لنا معقولا، وخصوصا وقد مثل مقدمة خاطئة تمثلت في وصاية معاوية بالخلافة لابنه يزيد.. ولكن ابن خلدون يضفي على هذه الوصاية طابع العصبية المعقولة، التي تمثل كما يذهب إلى ذلك ابن خلدون، العقلانية السياسية[10].

"أما غير المعقول من العصبية (وهو ما نوافقه عليه) فهو عصبية الجاهلية، والنعرة على ذوي القربى على حقهم وعلى باطلهم، والثورة لهم لكل ما يلحقهم من سوء أو مكروه، فهم يستنصرون ويتناصرون على الحق، والعدل وعلى الظلم"[11].

      وبالمقابل نجد أن الدولة تقوم –إضافة إلى العصبية بشطريها- على الوازع، هذا المصطلح الديني الفلسفي عند ابن خلدون والذي يعتبره السلطة الخفية الحافزة للسلوك والضابطة له، وهو النتيجة الطبيعية للاجتماع الإنساني. ويدلل ابن خلدون على ذلك بأن "من أخلاق البشر، فيهم الظلم والعدوان إلى أخذه إلى أن يصده وازع ".

ومن خصائص المنهج الخلدوني التأكيد على تشابك التاريخ بالثقافة والمجتمع.. ويفصل ذلك بالإلحاح على علاقة كل مسلك لمستوى المجتمع (بدوي – مدني-بدائي-متطور) بالهيئة الاجتماعية (أمراء – علماء – صناع – خاصة – عامة).[12]

      من هنا تبرز خصوصية المنهج الخلدوني الاجتماعي خصوصا في ربطه بما يمكن وصفه بالحداثة والأصالة.

إن النماذج الحداثية التي سقناها، والتي التقى فيها منهج ابن خلدون، بأحدث النظريات الفلسفية والأيديولوجية، ما كانت لتخفي جانب الأصالة في منهجه..  فقد جاء تصوره لفلسفة العمران الاجتماعية من منظور فلسفي يحدد البعد الإسلامي قواعده وخاصة ما يسميه ابن خلدون بفكرة الاستخلاف.

3- الواقعية والمثالية في منهج خلدون :

إن من الصعب تصنيف ابن خلدون – منهجياً- ضمن خانة فكرية معينة داخل المدارس الفلسفية السائدة؛ فهو عقلاني، وهو مثالي، وهو واقعي، وهو كل هذه الأوصاف وهذا ما أربك الباحثين، وضاعف من صعوبات مهمتهم في الحكم عليه.

صحيح أن القراءة الدقيقة والعميقة لفكر ابن خلدون تستوعب في جوانب منها بعض هذه الأوصاف وتقدم الدليل على اتصافه بها، لكن تزيد من صعوبة التصنيف وتعقد أكثر مهمة الباحثين.

ومثل هذا الهاجس يشاركنا فيه العديد من النقاد والباحثين .. وعلى سبيل المثال فإنك تجد أحد الخلدونيين البارزين وهو المفكر اللبناني نصيف نصار، يخصص دراسة قيمة لمنهج ابن خلدون، تحت عنوان الفكر الواقعي عند ابن خلدون[13]. في حين تذهب باحثة أخرى هي منى أحمد أبو زيد التي تجعل من ابن خلدون متكلما، وتصف فكره بالفكر الكلامي[14].

أما حس الساعات فيضفي على منهج ابن خلدون طابع العلمية في دراسة المنهج العلمي في مقدمة ابن خلدون[15]، وهو لذلك يعمد إلى حشد مجموعة من الأوصاف يضفيها على المنهج الخلدوني كالتزود العلمي، ومعرفة طبائع العمران، والتشكك والموضوعية، والحيطة عند التعميم، وهي كلها مميزات تقود إلى الواقعية الفكرية كما ذهب إلى ذلك نصيف نصار، على أن هؤلاء الباحثين لا ينطلقون من فراغ في أحكامهم، وخير من يقدم لهم الدليل على ذلك هو ابن خلدون.

فالواقعية أو المثالية في التاريخ التي ينشدها ابن خلدون في منهجه هي التي جعلته يضع للمشتغل بهذا المجال ضوابط منهجية أشبه ما تكون بتلك التي وضعها علماء الحديث في عنايتهم بتمحيص الحديث.. ويخلص في ذلك إلى هذه القاعدة المثالية الواقعية في نفس الوقت فيقول بأن من ضوابط المؤرخ "العقل والضبط والإسلام، والعدالة ليكون معتمدا".

هكذا إذن يكون ابن خلدون قد مزج في منهجه التاريخي بين القراءة الفلسفية والقراءة الاجتماعية، لأن التاريخ في تصوره "لا يتصف بالجمود والثبات بل هو عملية نامية متطورة، مليئة بالحركة"[16].

إن هذه الاستنتاجات أو المقدمات المنهجية هي التي تطبع تعامل الباحثين مع المنهج الخلدوني، وإن الدارس ليحار في وجود أدلة منطقية لكل حكم أو رؤية يستنتجها كل باحث حتى خارج الواقعية المجتمعية العربية الإسلامية..

فهذا ارنولد نيكلسن[17] يصف منهج ابن خلدون فيقدمه في هذه الحلّة : "لم يسبقه أحد إلى اكتشاف الأسباب الخفية للوقائع أو إلى عرض الأسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطع الوقائع أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والتدهور".

يبرز لنا من خلال هذا كله، ابن خلدون فقيها في تحليل الوقائع الاجتماعية، ومتخصصا في استنباط الأسباب الظاهرة والخفية للمجتمعات ولاسيما المجتمع العربي الإسلامي.

كيف استطاع مفكرنا صياغة منهج فلسفي خاص به، وهو العالم المتضلع في الكتاب والسنة والفقه ؟

لقد استطاع ذلك من خلال التخلص من الأحكام المسبقة، ما نحا عقله حرية البحث دون ضغط في الانتماء، أو مبالغة في الإقتداء.

وكما فعل ابن خلدون بالمنهج التاريخي نجده يقوم بنفس التحليل الواقعي للفكر السياسي ممثلا في السلطة، وهنا نجده يقسم السلطة السياسية إلى قسمين :

1.                           سلطة ملك سياسي عقلي وضعي.

2.                           سلطة خلافة سماوية شرعية.

وكيف يمكنه إعطاء حكم تفضيلي بين السلطتين ؟

إنه يحسم بما لا يدع مجالا للشك في أن أفضل نموذج للسلطة المعقولة، هي سلطة الملك السياسي العقلي الوضعي، كما جسده الفرس أيام دولتهم، حيث اعتمدوا آراء فلاسفتهم وعظماء زمانهم، تشريعاً لسياسة دولتهم دون وحي إلهي، لما في ذلك من إمكانية إقامة العدل، وإنصاف المظلوم، وإغاثة اللهفان وإشاعة الرخاء[18].

      إن هذا جانب من الواقعية في غياب التشريع الإلهي خارج المجتمع العربي الإسلامي، لكن ابن خلدون وبنفس الواقعية المجتمعية، ينقد هذه السلطة السياسية الوضعية العقلية، فيعيب عليها عدم اهتمامها بمعقولية أخرى هي معقولية الاهتمام بالحياة الأخرى.

      فإذا عاد ابن خلدون إلى النوع الثاني من السلطة المعقولة وهي الخلافة هذه السلطة التي تتعادل فيها كفتا الدين والدنيا، فإن ابن خلدون ما يلبث أن يعلي من قيمة هذه السلطة القائمة على الشرع لأنه هو الذي وحد العرب وقد كانوا أشتاتا، وجمع كلمتهم وقد كانوا أضدادا، فهو إذن العامل الذي يقوي الدولة متى خالطها.

ويعزز ابن خلدون حكمه بهذا النص "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة"[19].

وفي واقعية ابن خلدون أيضا نموذج آخر للاستنباط، يتمثل في طريقة الربط بين العصبية بمفهومها الخلدوني والحزب بمفهومه السياسي الحديث.

وبالرغم من البون الشاسع بين المفهومين زمانا ومكانا، إلا أن بعض الباحثين قد عمدوا إلى إيجاد الصلة الوثيقة بين العصبية والحزب لما بينهما من تكامل.

إن رباط العصبية متين بفعل علاقة القرابة التي تجمع أفراد العصبة الواحدة، ومن ينضم إليهم بولاء أو حلف.. و رباط الحزب قوي بحكم الاعتقاد المشترك، وما ينشأ من تحالف بين العقائد المتقاربة وبهذا يكون الحزب السياسي والذي هو ذلك التنظيم المحكم والمتماسك، عصبية عقيدية تدافع وتطالب، وتحمي وتخذل، وتطمح للسيادة وتقهر من هم دونها، وتنضوي تحت لواء من هم أقوى منها[20].

إن التحليل لهذه الظاهرة السياسية تدفع بنا إلى استنتاج هام مفاده أن الحزب دون عصبية لا يكون، والعصبية دون حزب مجرد سلوك شعُوري فسرعان ما ينقضي إن وجد الشعور الأقوى[21].

من خلال هذه الاستنتاجات تتجلى لنا واقعية ابن خلدون.. ويبقى السؤال الملح وهو من أين أخذ ابن خلدون واقعيته هذه؟ هل هي منهجية واقعية نسجت خيوطها من فلسفة أرسطو و على حد تعبير عبد الله العروي : هل كان ابن خلدون في فلسفته للتاريخ واقعياً أرسطي المنهج في حين كان غيره مثالياً أفلاطونياً، وهو ما يؤهله لمسايرة الاتجاه المعاصر؟[22]هذا إلى جانب واقعية التشخيص والتحليل لواقع الأمة بالذات.

ففي وصفه للعلاقة بين فآت المجتمع  العربي الإسلامي بتشكيلته البدوية والحضرية، ينتهي إلى ربط محكم بين الفكرة و..العمل فيقول ابن خلدون : إن البدو من القبائل والعصائب مغلوبون لأهل الأمصار، ولعل هذا ما نعيشه اليوم من زحف البادية على المدينة، وهو أمر بات مسلما به من لدن كل فقهاء علم الاجتماع.. غير أن ابن خلدون يدلل على حكمه بالحجة، "وهي أن حاجتهم (أي البدو) إلى الأمصار في الضروري، وحاجة أهل الأمصار إليهم في الحاجي والكمالي"[23].

من هذا التشخيص ينتهي ابن خلدون إلى نتيجة هامة في الفكر الإنساني وهي "أن أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل"[24].

وما يمكن الانتهاء إليه في واقعية المنهج الخلدوني هي أن فكر ابن خلدون معاد لكل نوع من أنواع النظر المجرد الخالص، وتلك هي الواقعية الفكرية كما انتهى إليها نصيف نصار[25]، وغيره.

ونحن هنا أمام خلاف بين نظرتين هما نظرة عبد الله العروي المغربي، ونظرة نصيف نصار المشرقي، فالأول يضع علامات استفهام على هذه الواقعية في حين نجد الثاني يدلل على واقعية المنهج الخلدوني بقوله : "إن القيمة الأولى في الحقيقة هي للأشياء والواقعات، لا للأفكار، وأن العقل يحتفظ ولا شك بمكانة مرموقة، ولكنها مكانة نسبية ومحدودة، وهو ما يشكل الواقعية الوضعية والمنهجية.

 4- الإبداع .. والأسطورة:

بين الإبداع ونهاية الأسطورة في الحكم على المنهج الخلدوني، كانت الصعوبة في التعامل مع هذا المنهج، فإذا كان البعض من الباحثين قد بوّأ ابن خلدون المكانة الأولى في كل شيء، بحيث صار هو مبدع علم الاجتماع، وواضع قواعد التاريخ الحقيقي       

والمنظر لعلم الاقتصاد، وعلم العمران فهو توينبي الحضارة، فعل تويني، ومونتسكيو التاريخ قبل مونتسكيو وميكيافيلي الحكم السياسي قبل ميكافيلي و دوركايم المجتمعات   وأرسطو العقلانية العربية، الخ.. إذا كان بعض الباحثين ينحون هذا المنحى في التعامل مع الفكر الخلدوني، فيسبغون  عليه كل ألقاب الإبداع والعبقرية، فإن البعض قد حاول سحب بساط العظمة من تحت قدمه، وتجريد عقله من شرف الريادة الإبداعية.

لقد قسا هؤلاء – على قلتهم- على ابن خلدون فجعلوه مجرد ناقل، لا فضل له في ما أتى حتى في استخدام المصطلحات، وممثل هؤلاء هو مؤلف كتاب "نهاية أسطورة" الذي يعلن في تحد مؤسس أن "نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفا"26.

لئن كنا نشيد بجرأة هذا المؤلف في خروجه عن المألوف والجهر بموقفه وإن كان مخالفا، وتكليف نفسه مشقة البحث والمقارنة بين رسائل إخوان الصفا، ومؤلفات ابن خلدون، فإننا نسمح لأنفسنا بالاختلاف معه إيجابا وسلبا للاعتبارات التالية :

1_ من حيث الشكل نجد أن رسائل إخوان الصفا، لا تتعدى حجم كتاب، في حين بلغت مؤلفات ابن خلدون المجلدات العديدة.

2_ إن مؤلف كتاب "نهاية أسطورة" يقر بمبدإ الاقتباس والاقتباس لا يعني السرقة، "أو حذوة النعل بالنعل" .

3_ لا نجد في رسائل إخوان الصفا، تشخيصا لواقع السقوط الحضاري الذي عانته الأمة العربية الإسلامية والذي هو الملهم لنظريات ابن خلدون، والكامن خلف صياغة منهجه الاجتماعي التاريخي.

4_ إن إطلاع ابن خلدون على رسائل إخوان الصفا، هو عنصر قوة، وليس عنصر ضعف، وكونه أخذ هدا المصطلح، أو ذاك المفهوم، فإنما يفسر بعامل التأثير والتأثر، وليس السطو.

5_ إن اختلاف الأزمنة، والأمكنة، وتباين الإنسان والعنوان، كل ذلك يقف حائلا  دون اتهام ابن خلدون باللصوصية العلمية، وهو الذي شهد له الجميع بالعبقرية العلمية والنبوغ العقلي.

      في ضوء هذه المعطيات كلها، لماذا نلجأ إلى تقزيم عظمائنا، ومحاولة البحث عن مثالبهم مهما صغرت ؟ لنفترض أن ابن خلدون تأثر فعلا بإخوان الصفا وهو أمر محتمل جدا، فإن هذا لا يعني نهاية التاريخ فسيظل إخوان الصفا محتفظين بمكانتهم، ويبقى ابن خلدون متربعا على عرش أسطورته.

      والدليل على ذلك أننا نجد غير مؤلف "نهاية أسطورة" قد حاول إسكان ابن خلدون في عمارته الشرقية، مثل من جعله يقطن في شقة الغزالي، أو شقة الطرطوشي، أو في استوديو أرسطو، أو منزل ابن رشد إلى غير ذلك.

      غير أن ابن خلدون نزع عن نفسه كل عباءة تقليدية حاول البعض إلباس منهجه إياها مبررا ذلك بالدليل العقلي والعلمي.

      فقد نقد الفلاسفة، وحكم بتهافت بعض أحكامهم ومقولاتهم فقال بخصوص نظرتهم حول السياسة المدنية :" وما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب، وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع [أي أنها مثالية مجردة] وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير"27.

      وكما نقد الفلاسفة نقد فلسفة السياسة الشرعية كما فصلها الطرطوشي في كتابه "سراج الملوك " فقال عنه :" بوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكن لم يصادف فيه الرمية، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، و إنما يبوب الباب ثم يستكثر من الأحاديث والآثار"28.

      كما تصدى ابن خلدون للمتصوفة فقال عنهم " وكلامهم أجمع هي ألغاز، فتعذر فهمها على من لم يعان اصطلاحاتهم في ذلك".29

وأشار كذلك إلى كتب المؤرخين فاختار أفضلهم وأجودهم وهو المسعودي فقال : "كان بعيدا عن الرسوخ في المعارف، فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله".30

لقد جئنا بهذه الأمثلة للبرهنة على أن الإبداع الخلدوني ليس مجرد مصطلحات اقتبسها ابن خلدون من إخوان الصفا، ونما هي أحكام تشمل مختلف العلوم من فلسفة، وسياسة شرعية، وتصوف، وتاريخ يعمد إليها مؤلفنا فينتقدها من داخل تخصصها، مبررا جوانب الضعف فيها، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ما يتحلى به ابن خلدون من مقومات العبقرية والإبداع هي التي أهلته إلى نحت منهج موسوعي علمي متكامل، شمل في اختصاصاته مجالات المعرفة، وميادين العقل المعرفي، وهو بذلك يبطل الادعاء بفقد منهجه كل جوانب الإبداع، ويحكم آليا بسقوط ما يمكن وصفه بنهاية الأسطورة، التي تتحول إلى نهاية نهاية الأسطورة.

5_ القراءة النقدية للمنهج الخلدوني يمكن القول بأن التصدي للمنهج الخلدوني، ولا سيما بالقراءة الفلسفية لمنهجه، ستصطدم بعقبة منهجية أخرى، هي الهالة المحيطة بابن خلدون والتي قد تقف حاجزا دون إخضاع إنتاجه للنقد والتمحيص.

      والحقيقة أن ما يجب أن نسجله في قراءتنا العقلية للمنهج الخلدوني هو ما يقدمه لنا ابن خلدون نفسه في منهجه، وهو التحلي بالشجاعة العقلية لنقد كل ما يجب نقده.

      وكما فعل هو مع الفلاسفة، والسياسيين، والمتصوفة والمؤرخين، فنقدهم، وبين جوانب الخطإ في أحكامهم، فإننا بدورنا سنستعير، نفس منهجه النقدي لنحكم به على منهجه.

      إن القراءة النقدية لمنهج ابن خلدون ستفضي بصاحبها إلى اكتشاف مجموعة من القضايا التي نقود إلى علامات الاستفهام، والتعجب. وبعيدا عن الانتقاص من جهد ابن خلدون وما قدمه من إنتاج أعلى به صرح المعرفة العربية الإسلامية، فإن ما يمكن أن نسجله - من وجهة نظرنا -مجموعة من التساؤلات لعل أهمها :

-            صعوبة المصطلحات المستخدمة في فكر ابن خلدون والتي هي – في معظم الحالات – مدعاة للتأويلات المختلفة، وجالبة للغموض، وهو ما يريك الباحث المحقق والمدقق.

-            تداخل الاتجاهات والميول في فكر ابن خلدون حتى ليعجز الباحث عن فصل الجانب الديني فيه عن الجانب الفلسفي، والجانب الاجتماعي الإقليمي، عن الجانب الاجتماعي التاريخي..

-             أين تنتهي الاقليمية المغاربية في إنتاج ابن خلدون، وأين تبدأ العلمية، العربية الإسلامية في هذا المنهج الخلدوني ؟

-             هل يمكن القول بأن ابن خلدون السياسي في أحكامه عن العمران، والعصبية، ونظام الحكم، هو نفسه بعد اعتزاله السياسة.

-             ألا يمكن القول بأن محنة ابن خلدون في البعد عن الحكم، ومأساته العائلية بسبب غرق السفينة  قد كانت عوامل مؤثرة على مزاجه وأحكامه، وإنتاجه ؟

-             كيف نعلل موقف ابن خلدون في دفاعه عن طريقة انتقال الحكم في دولة بين أمية من معاوية إلى ابنه يزيد عن طريق الوصاية ؟ هل يجد مثل هذا الموقف سندا عقليا أو دينيا، يقف الباحث عنده.؟

لئن كنا نسلم بجوانب النبوغ والإبداع في المنهج الخلدوني عموما، والاجتماعي منه بالخصوص، فإننا نسلم  أيضا بوجود جوانب غامضة في هذا المنهج، هي التي تجلت لنا في حديثه عن العصبية التي هي مؤشر اجتماعي بعلو عند ابن خلدون وينزل تبعا للمواقف.. فهي أحيانا تكون أساس بقاء الدولة والمحافظة عليها في حين تتحول أحيانا أخرى هذه العصبية إلى فاقدة لكل معنى، إذا لم يخالطها الدين فيخلصها من عوامل الحسد، والتنافس، والتباهي المركونة فيها.

كذلك فإن المنهج الخلدوني يتأرجح أحيانا بين العقل والنقل، فيصعب عليه تغليب هذا على ذلك، ولا سيما فيما يتعلق بالغيبيات والميتافيزيقيات .. ويخرج من هذا الإشكال بالتفويض، بعد إثبات عجز العقل عن طريق العقل في ميدان محدد عقلا "31

إن ابن خلدون لا يعجزه أن يمزج بين المنطق العقلي، وبين منطق الأصوليين، فيستخدم عند الأصوليين ما يعرف بمنهج " الاثبات بالخلف" مطبقا على العقل.

كما قد يستعين بمفاهيم غير عقلية كالكشف والحدس، والإلهام، يأتي بها ليدعم مفهوما عقليا مستندا إلى نصوص، ذلك هو المنهج الخلدوني، بعد إخضاعه للقراءة الفلسفية النقدية، التي تنشد الموضوعية العلمية، وتحاول أن تتحلى بالنزاهة العقلية ما أمكن ذلك.

 

الخاتمة:

ليس من السهل إخضاع المنهج الخلدوني اليوم للقراءة الفلسفية، وسط منهج فلسفي متمرد هو نفسه على منهجه.

فمنهجية اللامعقول، ومنهجية الما بعد الحداثة، والنزوع إلى التخلي عن عباءة الفلسفة التقليدية كل ذلك يجعل مهمة الباحث في فكر ابن خلدون وغيره مهمة شاقة.

فإذا أضفنا إلى كل ذلك خصوصيات الخلدونية اليوم وقد قتلتها الدراسات بحثا، وأضفت عليها شتى أنواع النعوت والأوصاف تبينت لنا مدى صعوبة عملية الحفر في الحقل الخلدوني المعرفي.

على أن صعوبة أخرى تضاف إلى كل هذه الصعوبات وهي تعقيد النصوص الخلدونية نفسها بما تتضمنه من مفاهيم ومصطلحات هي من نحته الخاص، إلى جانب التلميحات، والإحالات، وغموض الأسلوب، وثقل الجمل وطولها، مما يتميز به الأسلوب القديم عموما، وأسلوب ابن خلدون بصفة خاصة.

إن هذه العوامل كلها هي التي تقف في وجه الباحث في الفكر الخلدوني لتضاعف من صعوبة أدائه في محاولة استخلاص نتائج تصلح لأن تكون خاتمة بحث وعناء.

إن مما يكاد يسلم به معظم الباحثين، هو أن عبد الرحمن ابن خلدون سيظل علامة مميزة في تاريخ الحضارة الإسلامية الإنسانية معا.

فابن خلدون يمثل بداية النهضة الإسلامية بما قام به من تشخيص لأسباب السقوط – وتحديد لسبل العلاج – لذلك جاء ابن خلدون ليقوم بعملية ملء بعد إخلاء، أو تحلية بعد تخلية كما يقول صوفيتنا.

ولذلك أنتج المنهج الخلدوني قاموسا من المصطلحات هي ما يجسد مظاهر التخلف في المجتمع الإسلامي، وحوافز نهضته وتقدمه، فالعمران، والعصبية، و الحكم، والكسب، والمعاش، إن هي إلا عينات من هذا القاموس الذي أبدعه ابن خلدون داعيا إيانا إلى تأمله، ومحاولة استخلاص المعاني المتضمنة داخله، لما فيها من دوافع للنهوض من كبوة السقوط.

إلى جانب ذلك فإن ما نستفيده من القراءة الفلسفية للمنهج الخلدوني، هو أن الوعي بالسقوط يمثل بدلية النهوض .. وإن العلماء الأولين كل في ميدانه، مهما اعترفنا لهم بالفضل فإن عملهم يجب أن يمحص وإن يخلص من خصوصييات عصرهم، التي لم يعد يتحملها عصرنا.

لقد وضعت المقدمة، ولباب المحصل وشفاء السائل، وباقي مؤلفات ابن خلدون وضعت أيدي الباحثين على جوانب القوة وجوانب الضعف في من سبقونا من المؤلفين، دون الانتقاص من جهدهم .. إذ سيظل الفضل للمبتدي وإن أحسن المقتدي.

وإذن فإن الدعوة إلى قراءة فلسفية جديدة للمنهج الخلدوني، هي دعوة إلى تجديد تعاملنا مع المناهج التي سبقتنا، على ما تتضمنه من إيجابيات وجوانب قوة – فالأزمنة تتغير والإنسان يتطور، وعلى منهجية التعامل مع الآخرين أن تتجدد وتتغير هي الأخرى، وفي ذلك كل القوة .


[1]  علي سعد الله نظرية الدولة في فكر ابن خلدون وهيغل وأثر الفكر الخلدوني في الفكر الأوروبي، رسالة دكتوراه في الفسفة، جامعة منتوري قسنطينة 2005 ص 95.

[2]  ابن خلدون، المقدمة، القاهرة، طبعة مصطفى محمد ( بدون تاريخ) ص 376، وانظر أيضا علي أومليل، الخطاب التاريخي، دراسة لمنهجية ابن خلدون، بيروت المركز الثقافي 2005 ص 247.

[3] علي سعد الله، نظرية الدولة في فكر ابن خلدون والفعل ص 134.

[4]  المصدر السابق صفحة 147.

[5]  المصدر السابق صفحة 148.

[6]  ابن خلدون، المقدمة، شرح علي عبد الواحد وافي القاهرة ط2 1966 ج2 ص 132.

[7]  علي أومليل، الخطاب التاريخي ص 253.

[8]  المصدر السابق ص 252

[9] أنظر د/ محمود اسماعيل : نهاية اسطورة نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفا، المنصورة، عامة للطباعة والنشر 1996

[10]  يوسف زرافة : المعقول واللامعقول في الفكر الخلدوني، رسالة دكتوراه قدمت بجامعة الجزائر 2005 ص 117

[11]  المصدر السابق.

[12] المقدمة ص 683.

[13]  نصيف نصار، الفكر الواقعي عند ابن خلدون، تفسير تحليلي وجدلي لفكر ابن خلدون في بنيته ومعناه، بيروت دار الطليعة ط3، 1994.

[14]  د/منى أحمد أبو زيد؛ الفكر الكلامي عند ابن خلدون بيروت – المؤسسة الجامعية للدراسات 1997.

[15] أعمال مهرجان ابن خلدون، القاهرة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والحداثية 1962.

[16] عبد الله فياض : التاريخ فكرا ومنهجاً، بغداد، جامعة بغداد 1972 ص71.

[17] Nicklson Arnold, A study of history

[18]  يوسف زرافة المعقول واللامعقول في الفكر الخلدوني ص 121.

[19] المقدمة ص 688.

[20]  يوسف زرافة، المعقول واللامعقول في الفكر الخلدوني ص 163

[21] المصدر السابق.

[22] عبد الله العدوي : مفهوم العقل بيروت ، المركز الثقافي العربي ط3 2001 ص271

[23]  المصدر السابق ص 194

[24] المصدر السابق ص 197

[25]  ناصيف نصار الفكر الواقعي عند ابن خلدون، ص 121

26 د/ محمود اسماعيل، نهاية اسطورة المنصورة ج.م.ع عامر للطباعة والنشر 1996.

27 المقدمة، الباب الثالث الفصل 5

28 عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص 172.

29 المصدر السابق.

30 المصدر السابق.

31  المصدر السابق.

 

  

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس