exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


علم العمران  عند ابن خلدون و الدلجي

بين المنهج العلمي والرؤية النقدية

أ.د. علي حسين الجابري

قسم الفلسفــة – كلية الآداب الجامعة المستنصرية العراق

المقدمة :

        منذ ثلاثة عقود، وكاتب هذه السطور يعايش (فلسفة التاريخ)! – علم العمران البشري – ولاسيما عند ابن خلدون (ت808هـ /1406م ) وسواه من المفكرين اللاحقين . ولكن الذي لفت نظر الباحث، لا [ التزامن] بين مرحلة ابن خلدون والدلجى (ت 838هـ / 1435م ) فحسب ولا المحايثة (المكانية) بعد انتهاء ابن خلدون في رحلته الى حيث الديار المصرية، الموطن الأصلي للثاني؛ بل والمنظور العمراني الى جانب التوافق النفسي (الميل الى الزهد والاعتكاف، ثم التصوف) في أخريات حياتهما . بخلاف التصور (الفكري – الكلامي) الذي قد يقترب او يبتعد حسب الظروف الذاتية وملابساتها . وجدنا هذا في سياق البحث والدراسة علماً ان الدلجي هو واحد من رجال (المدرسة الخلدونية) في علم العمران، بعد ان استقام عود هذا العلم في الحقبة الممتدة، من سقوط بغداد عام (656هـ / 1258م) حتى سقوط غرناطة عام (1492م) في الربوع العربية الإسلامية، وهي تعاني من ضغوط التحديات الداخلية والخارجية، انه قانون التحدي والاستجابة على صعيد المعرفة، وليس على صعيد الفعل الحضاري .

     ولما كانت الدراسات المعاصرة، قد أفاضت القول بابن خلدون ومقدمته وفلسفته في (العمران البشري) وجدنا – بمناسبة مرور ستة قرون على وفاة (أبي زيد) فرصة طيبة لعقد مقاربة بينه وبين الدلجي، عن مواردهما ومن حيث (المنهج العلمي) و (الرؤية النقدية) بعدهما من الموضوعات المعاصرة لتأتي مساهمة متواضعة منا في أعمال المنتدى الذي تبناه (المجمع التونسي = بيت الحكمة) ودعانا له مشكوراً – على بعد الشقة وتعقد الظروف في العراق ورغبة منا في حضور صوت من العراق، بين الأصوات المنتدية من بقاع العالم شرقه وغربه جاءت هذه المداخلة تلبية لتلك الدعوة الكريمة، وتواصلاً مع الجهود العلمية التي تبذلها هذه المؤسسة الفكرية – الثقافية الرائدة في تحقيق التفاعل بين الباحثين العرب والمستعربين وغيرهم، باستدعاء المناسبات التراثية الكبرى ذات المضامين المعرفية والإنسانية المعاصرة. فعسانا نوفق في مسعانا هذا ..

أ.د. علي حسين الجابري : بغداد مطلع عام 2006


 

التمهيد :

     إن من يريد الكشف عن طبيعة الحوار العمراني بين الدلجي، وابن خلدون وهو يرسي دعائم علم العمران (فلسفة الحضارة، والاجتماع الحضري) لابد أن يجيب أولا على سؤال عن منابع أبي زيد وموارده وهو يصوغ رؤيته الحضارية في عصور (الغزاة)، بعد سقوط بغداد أمام الزحف المغولي عام (656هـ / 1258م) وقبيل سقوط غرناطة عام (1492م) لقضايا التاريخ ووقائعه وأحداثه ؟ وكيف استقامت عنده (حقائق جزئية) هي خلاصة جهد (عالم التاريخ) وصولاً بها الى (نظرية – فلسفية – عمرانية) كما بثها في (المقدمة)(1) والرحلة شرقاً وغرباً(2) وشفاء السائل(3) ورسائله وديوانه وتلخيص المحصل ووصلت الى رجال (مدرسته)؟

    وإذا كانت هذه الإجابة مضمرة داخل النص الخلدوني، باستثناءات ظاهرة فأن (ابن الأزرق ت 896هـ / 1490م ) قد أجاب عنه بموضوعية وكفاية في (بدائع السلك في طبائع الملك)(4) . والذي يهمنا من ذلك الرصيد الذي استمد منه ابن خلدون عناصر نظريته العمرانية سنورد للوفاء بمتطلبات البحث أمثلة من ذلك الاستمداد الذي يعود في مجمله الى خمسة آلاف مفكر بخمسة عشر ألفا من العناوين! مؤطرة برؤية كلامية (أشعرية) أساسها (النية) في الأعمال والفعاليات الإنسانية بعيداً عن مشاجرة (الجبرية وحرية الاختيار = القدرية) . والمنتخب من رموز الاستمداد المعرفي العمراني صاعد الاندلسي في كتاب (طبقات الأمم) والطرطوشي في (سراج الملوك) وابن أبي الربيع في (سلوك المالك) وابن الطقطقي في (الفخري في الآداب السلطانية) وابن الخطيب الغرناطي في ( نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب).. وصولاً الى ابن خلدون وهو يقيم صرحه العمراني بفضل :

أ‌) المنهجية العلمية – الواقعية، خارج المقدمات التاريخية والروحية .

ب‌)  الرؤية العقلانية – النقدية، قريباً من منظوره الكلامي – العمراني وبذات الطريق سار الدلجي في (الفلاكة) مما يتطلب الى جانب الدروس العمرانية التي استقاها ابن خلدون من التراث العربي الإسلامي المشرق ليواجه بها عصره (المشوش) ومرحلته التاريخية وتعقيداتها الداخلية والخارجية، الوقوف عند الكيفية التي تعامل بها الدلجي ومنطقه العمراني من خلال موضوعة (الفلاكة = الاغتراب) في دائرة العلم والعلماء والمفكرين، أو ما سمي (بامارة القلم) عند افتراقها عن (امارة السيف ) = الدولة والحاكم والسلطان أو توافقها معها أو هروبها، وصولاً الى نتائج هذه الحوارية (المقاربة) وخلاصة البحث بين مؤسس المدرسة العمرانية (ابن خلدون)(5) في التاريخ الحديث وواحد من اقرب رجالها (الدلجي) . وبما يخدم أعمال المنتدى وأهدافه المعرفية التي يحق لنا أن نوازي فيها بين (دور ابن رشد بين الشرق والغرب) ودور (ابن خلدون) بين الحضارتين العربية والغربية .

أولا : الموارد العمرانية المشتركة لابن خلدون والدلجي :-

     من بين خمسة آلاف مفكر وخمسة عشر ألفا من العناوين والمؤلفات التي وصلت لابن خلدون من التراث العربي الإسلامي وقع اختيارنا على خمسة منهم سبقوا هذا المفكر وأسهموا في تعزيز وعيه العمراني والمعرفي؛ ثلاثة من (الأندلس) واثنان من (العراق) لتجتمع في نقطة مركزية معرفية يتوحد فيها (الشمال الإفريقي وبلاد الشام) هي (مصر) كما رشحتها مرحلتها التاريخية واشتراطاتها، كل منهم اخذ بطرف من المنهج العلمي والرؤية النقدية، سنعرض بإيجاز لأهم أفكارهم على وفق المنهج التاريخي :

1. صاعد الاندلسي ( 420-462هـ / 1029-1070م ) المفكر الذي انتهى في كتابه (طبقات الأمم)(6) الى نتائج علمية تقول :

أ‌)    بمنح أهمية للإقليم الجغرافي في الإنتاج العمراني والأداء الإنساني ولا سيما الإقليم، العربي الإسلامي (المتوسط = المعتدل)(الرابع) .

ب‌)  باجتماع مقومات (العمران) بفضل جهود الانسان والإقليم الجغرافي والعمل الاجتماعي، والسياسي والنظر للتاريخ في إطار (عمراني – اجتماعي) .

ج) بالحوار الحضاري بين الأمم والأديان الذي هو أساس التقدم المشترك .

د) بأن عناصر قيام (الدولة القوية) هي (اللغة والأخلاق والأرض، والنظام السياسي والعقيدة الدينية ) .

هـ) بأن المعيار الصحيح لتقدم المجتمع هو (ازدهار العلوم)(7) وكثرة العلماء وفاعلية (إمارة القلم) وبان المجتمع ذو التاريخ المشرق يتمكن من إبداع العلوم والفلسفات والأدب والفن إذا ما توفرت له شروط الإبداع الحضاري في ( فرصة تاريخية أخرى)(8) يتناغم فيها أداء امارة القلم والسيف .

    وهكذا استنبط صاعداً الاندلسي من سيرورة التاريخ العربي الإسلامي وإيقاعه، قانوناً تفاؤلياً يقول ( نهوض حضاري – نكوص وانحلال – نهوض جديد) فثمة أمل مستقبلي للمجتمع للخروج من (نكوصه) إذا ما توفرت عوامل النهضة وتفوق! على عناصر ضعفه وامتلك مقدمات التغيير الايجابي .

 

2. الطرطوشي ( أبو بكر محمد بن الوليد، ت 520هـ / 1126 م ) لعل الطرطوشي هو المفكر الوحيد الذي اعترف له ابن خلدون بالأسبقية والريادة في (علم العمران)(9) ! وان انتقد منهجية ذلك المفكر في الوصول الى نتائجه ولا سيما في كتابه (سراج الملوك)(10) الذي سنوجز من خلاله أهم أفكاره العمرانية :

أ‌)    أدرك الطرطوشي العلاقة السببية بين الظاهرة الاجتماعية والواقع السياسي وأثارهما النفسية والعقيدية والأخلاقية والتربوية .

ب‌)  قانونه – العمراني، العلمي والعملي الذي يقول ( لا سلطان من غير جند، ولا جند إلا بمال ولا مال إلا بجباية (ضرائب) ولا جباية إلا بعمارة (إنتاج حيوي) ولا عمارة إلا بعدل ؛.. فصار العدل أساسا لسائر السياسات) .

ج) ووجد في الترف والفساد والظلم علامة على التراجع، ففي السلطان الجائر تفسد البلاد والعباد ولما كان العدل أساس الملك، ولا عدل إلا مع نظام، به يكون كبير الرعية أبا، ووسطهم أخا ، وأصغرهم ابناً كان لابد من وعي هذه المعادلة .

 

د) صلاح الملك (الراعي – الحاكم) بصلاح مساعديه، والرئيس بصلاح وزرائه .

هـ) الغاية من وجود الدولة وسلطتها (تحقيق الموازنة وللانتصاف والاعتدال) بين الجميع .

و) عبر الماضي (التاريخ) شهادة للعقلاء على الحسن والرديء من الحكام والعمران يعتبر بها العقلاء.

ز) ربط بين العامل (الاجتماعي ممثلاً بالتعاون والاتحاد) و (العامل السياسي ممثلاً بالحرية والنقد) لإصلاح الخلل في العمران البشري .

3. ابن أبي الربيع (أبو علي شهاب الدين احمد بن محمد )( ت في منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر للميلاد ) .

     راقب في كتابه (سلوك المالك في تدبير الممالك)(11) الظروف السياسية التي سبقت ورافقت سقوط بغداد (عام 656هـ / 1258م ) أمام الزحف المغولي، لذلك جاء ذلك الكتاب ثمرة للتفسير العمراني/ الحيوي لحركة التاريخ، بعد أن أدرك هذا المفكر قوانين تفاعل (السياسة مع الحضارة) وتأثيرات ما يتركه الترف والتبذير والانشغال عن المخاطر من نتائج وخيمة وغياب السلطان العادل ! والسلطة الراعية لجمهورها ولا عقلانية الحكام والأمراء ليكون السقوط لا محالة كما كان شأن بغداد . فعند ابن أبي الربيع كما هو عند السابقين عليه من العمرانيين العرب والمسلمين :

أ‌)    إن صلاح الراعي والسلطة يقودان الى صلاح الرعية على قاعدة : إن الناس على دين ملوكهم، وان الدولة هي محور النشاط العمراني للمجتمع  .

ب‌)  التدبير (علم السياسة) وعمارة البلدان (الإنتاج الحضاري – الاجتماعي المشترك) وبناء المدن (التوسع) وحراسه الرعية لا تتم إلا ( بالجند والمال) لكي يكون الجيش معينا في النوائب لا كابوساً يرهق المجتمع أو آلة بيد الحاكم المستبد.

ج) قال بالمضمون الأخلاقي! لعلم العمران، وتدبير السياسة المتوازنة ما دام التدبير عنده يعني (فن إدارة الدولة أو علم إدارة الدولة ) .

د) كشف البعد الاجتماعي للحياة السياسية والاقتصادية للمجتمعات على أساس (علمي وعملي)(12) فلا يجب أن (تنفق) الدولة أكثر مما تنتج الأمة أو معادلاً له.

4.ابن الطقطقي(صفي الدين محمد بن تاج الدين الحلي، ت 709هـ / 1310م ).

      صاحب كتاب (الفخري في الآداب السلطانية)(15) الذي سماه ابن عنبه (منية الفضلاء في تاريخ الخلفاء)(14)، وأهداه ابن الطقطقي الى أمير الموصل (فخر الدين عيسى بن إبراهيم) مع مطلع القرن الثامن للهجرة النبوية الشريفة ليكون دليل عمل له في (الذكر الحسن) إذا ما أراد مكانة كريمة في التاريخ أوجز فيه قوانين النشاط الاجتماعي – السياسي (العمراني) الناشئة عن :

أ‌)   صراع (تنافس) ديني – اجتماعي لا خشية منه إذا جاء توافقياً متسامحاً .

ب‌)  صراع (تنافس) قومي – عقيدي (عقلاني) على قاعدة (اختلاف أمتي رحمة) يعترف بحق الاجتهاد والتنوع وتعدد سبل الحقيقة بين العلماء .

ج) الصراع الايجابي عنده، هو في حقيقته صراعاً تكاملياً يكشف القانون الآتي :

ج/1 : لا تقدم من غير صراع (تنافس شريف ) .

ج/2 : لا صراع من غير (فكرة الحرية) والإيمان بها . تلك الحرية التي لا ندرك قيمتها إلا حين نفتقدها أو تتهددها المشاريع الأجنبية (الخارجية) للغرباء .

ج/3 : لا ازدهار عمراني من غير تكاملية قوة (السيف والقلم) و (إرادة المفكر مع السياسي) فبغير وحدة (سلطة السياسة وسلطة القلم) لا سبيل الى التقدم، مثلما على الحاكم ان يسوس الرعية بالعدل فلكل صنف مكانته وطريقة سياسته .

د) العاقل من يعتبر بدروس الماضي وعبره، الحسن منها والرديء، يأخذ بالأول ويتجنب الثاني .

هـ) ربط السياسة بالأخلاق وبالعقيدة الدينية، كما حذر من عدو الحاكم الذي يشعر بالظلم مع أن الواجب على الراعي خشية الله قائلا " متى ما عرف الناس، إن الأمير يخشى الله، أمنوه على أرواحهم وإعراضهم وأموالهم " وتعاونوا معه، ووثقوا بقراراته واطمأنوا الى أجهزته وعدالته .. وليتجنب الأمير خلق الأعداء : فليس هناك من خطر على العمران (من عدو ظلمته)(15) .

5. ابن الخطيب الغرناطي (لسان الدين محمد بن عبد الله قتل سنة 776 هـ / 1375م ) – صاحب كتاب (نفاضة الجراب وعلالة اغتراب )(16) – والمقتول في سجن تلمسان لتأليفه كتاباً في التصوف تحت عنوان (روضة التعريف بالحب الشريف) بعد حياة سياسية – وعلمية مشهودة في الأندلس، انتهت الى محنته، التي وثقها لنا صديقه الحميم (ابن خلدون )(17)، فكان الأقرب الى مزاج هذا المفكر العمراني .. الاندلسي(18) الذي سنعمد الى إيجاز أفكاره العمرانية ومنهجه العلمي من خلال كتابه(19) المذكور وهو يشكو أهوال الاغتراب حتى انعكست ظروفه السياسية والاجتماعية على أرائه العمرانية، العلمية والعملية هكذا :

أ‌)            أكد على أهمية الاعتبار من وقائع التاريخ وحوادثه سلبها وإيجابها، لمن وعى خبر السابقين .

ب‌)      التعقل وتحقيق العدالة والمساواة هي الطريق السليم الى الحياة الدنيوية المعتدلة.

ج) الدرس العلمي والعملي الأكبر في علم السياسة والحياة الاجتماعية يقول :

" إذا رأيت الأبواب مهجورة والدسوت لا مؤملة ولا مزورة والحركات قد سكنت فكأن لم يسمر سامر، ولا نهى ناه ولا أمر آمر ما أشبه الليلة بالبارحة والغادية بالرائحة، والويل الويل لمن بذر أمانة الله في المساقط العقيمة، وطوبى لمن عرف المصير وغامض الزمن القصير، في اكتشاف محمدة .. أو تخليد منقبة(20) " بعد أن شبه إيقاع العمران مثل حال شمس النهار فـ" تطلعها من المشارق نيرة، وتلعب بها مستقيمة ومتميزة (السمت) ثم تذهب غائرة متغيرة، السابق عجل وطبع الوجود مرتجل والحي من الموت وجل والدهر لا معتذر ولا خجل "(21) .

 

ثانياً : علم العمران الخلدوني بين المنهج العلمي والرؤية النقدية

     منذ ثلاثة عقود عرفنا بابن خلدون ( ومربعه)(22) الذي تتداخل فيه القضايا وتتضاد وتتقابل وتتناقض وتابعنا ذلك في الدراسات اللاحقة(23) وليس ذلك على ابن خلدون بغريب وهو يتأمل مضامين (النص المقدس) وتجربة (دولة صدر الإسلام) الرائعة على الأصعدة كافة، وما تمخض عنها لاحقا من (منجزات عمرا! نية / حضارية) وصلته من خلال خمسة آلاف مفكر في خمسة عشر ألفا من العناوين : لتكشف لنا عن مستوى ( الوعي الخلدوني) وهو يلملم شتات هذه المعرفة الحيوية وأطرافها – في بودقة (واقعية علمية) شاملة؛ وروح نقدية سعت للخروج بالمجتمع العربي – من المأزق التاريخي والاجتماعي الناشئ عن خلل السياسة، الذي انعكس على واقع الناس، بعد سقوط بغداد، وقبيل سقوط غرناطة .

     واستشراء عوامل الضعف والتفكك والانحلال والتنافس الهادم والصراع. ولا سبيل لابن خلدون، الى أجوبته الشمولية الواردة في (المقدمة) والرحلة (الرسائل) لولا اجتماع مقومات المؤرخ كما في (الديوان) يهتم (بالوقائع التاريخية) والحوادث والأحداث، وفي (الرحلة) و(المقدمة) لاكتشاف المنطق الخفي الذي ينتظم هذه الوقائع والحوادث كل حسب سياقاتها العمرانية، لك! ي يطمئن الى مضامينها (الحقائق التاريخية) في صورتها (الزمانية والمكانية) – النسبية – شكلت لنا دعائم (علم التاريخ) لابن خلدون العالم(24)، وصولاً بها الى (المستوى الفلسفي) الكاشف عن (حكمة التاريخ) للعمران البشري، الذي أرسى بواسطته مقومات (فلسفة العمران) أو علم الحضارة أو قل علم العمران الاجتماعي، وجميعها موضوعات (فلسفية – عقلية ونقدية) مشهود له بها للريادة والعلمية والموضوعية والشمول(25) .

    ولكي نتجنب (المغالاة) في تقييمنا للإنجاز الخلدوني وبراهينه الواقعية والعلمية، علينا أن نعترف بأن الإطار الخفي (السري) الذي يشوب عمرانية ابن خلدون وفلسفته في الحضارة، إنما يتمثل (بالروح الأشعرية)(26) التي رام من خلالها هذا المفكر تذكيرنا بالقاعدة الكلامية القائلة! ( إنما الأعمال بالنيات) و (لكل امرئ ما نوى) ليصل بالإنسان الى سعي تقع مسؤوليته الأخلاقية عليه، على أساس (الدافع = النية) كما لخصه النص المقدس القائل " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "(27) . الروح الاشعرية كانت وراء موقفه من علم الكلام(28) نفسه وفي نقده للفلسفة(29) أما المنهجية العلمية فتظهر الى جانب علم التاريخ وحقائقه(30)، في فلسفة التربية(31) ودراسته للعلوم(32) التي تكسب صاحبها عقلاً نقدياً ورؤية منطقية وجميع ذلك كشف عن واقعية ابن خلدون العلمية كما تجلت في :

1. عد (المعرفة = الاعتبار) أساس الوعي الايجابي للراعي (الحاكم) والرعية (المجتمع) ما دام الاعتبار يقود الى الحكمة، والحكمة سبيل الناس الى العدل والسعادة والفعل النافع وأساس قيام (العمران البشري)(33) .

2. ربط حركة التاريخ بعوامل (واقعية / حيوية) تعبر عن دوافع الانسان وحركة الحياة ومستوى الحضارة وثمارها المشتركة لشتى الجماعات .

3. لم يشترط ابن خلدون – في المحصلة العملية لحركة الانسان والتاريخ- وجود قوانين مطلقة (سوى سنن الطبيعة وقوانين الوجود) قد تحرك التاريخ كيفما تشاء وحيثما تريد بل رهن تلك الحركة بعواملها السببية السياسية والاجتماعية (الظروف والواقع) ووعي إنسانها النابع من الذات المدركة لمسؤولياتها الأخلاقية والعقيدية والإنسانية، وهي حقيقة لا ندركها إلا إذا رفعنا المسحة العقيدية عنها، التي ظن أصحابها أنها تقول بالجبرية في حركة التاريخ.

4. جعل بامكان الانسان التدخل في الأسباب وتغيير نتائجها، إذا ما امتلك الوسائل المساعدة، مثل العلوم والحكمة والعقيدة الصائبة والحاكم العادل والمجتمع المتعاون، والمطيع المحصن بالوعي التاريخي .

5. ربط بين (الأسباب الطبيعية – الجغرافية)(34) والوضع السياسي مع شدة التماسك الاجتماعي (العصبية) =  قيم البداوة، ليسبغ على الأفعال الإنسانية، بعدها الاجتماعي – العمراني، شرط توفر العامل السياسي الايجابي (المساعد) ولاسيما في دوري (التأسيس والمصاحبة) للجيلين الأول والثاني .

6. قرأ حركة التاريخ ومحركاته، وأفعال الناس وأعمار الدول على أساس حيوي (ضروري) منح فيه حيزاً للعامل الفلكي (الكواكب) وبذات المنظور قال بتبادل الأدوار بين الأجيال والدول والأمم والحضارات والحقب، إذا ما توفر لها سعي وعمل في المكسوب والمتحول(35) . وما دامت القاعدة القرآنية تقول " وان ليس للإنسان إلا ما سعى "(36) .

7. وجهة الصراع بين الشمال والجنوب، تعبر عن (قانون التدافع بين الناس) وبما يعبر عن ! تبادل الأدوار الحضارية وتنوعها، فضعف الجنوب (العرب والمسلمين) ينجم عنه غلبة الشماليين وفرض نفوذهم، والعكس بالعكس(37) . حين يتوحد الجنوب ويمتلك عناصر قوته العمرانية كافة في دفع الشماليين الى ديارهم.

8. ومثل ذلك يقال عن جدلياته الكبرى (جدل العصبية والترف) و (البداوة والحضارة) و (الدول والأمم والأديان)(38) جدل المصالح والمنافع – جميعها تعبر عن منطق التغير والتبدل الجاري في ضوء عوامله ومحركاته .

9.   معنى ما تقدم أن (غروب الحضارة) في المنظور العلمي لابن خلدون(39) ورؤاه النقدية يكشف عن :

أ‌)  تراجع دور الحكماء والعلماء (امارة القلم) وتخلف المجتمع وتشتت قواه .

ب‌)   شحة المنافع الدنيوية (العملية) ولاسيما الضروري منها .

ج) كثرة المظالم وتخطى الحدود فيها من الأقوياء على الضعفاء والفقراء .

د) تراخي دور السلطة والدولة والحاكم، الذي يؤول الى ضعف (المدنية) تراجع (الإنجاز العلمي)، وتدهور أحوال المبدعين وهجرتهم .

هـ) تقاعس همة المواطنين وفتور نشاطهم العام والخاص لغياب الأمن .

و) غياب روح التناصر والتعاون في مواجهة الخطوب بسبب غياب (الدولة) .

 

10.   ولأجل حل هذه المعضلات والخروج من المأزق التاريخي وصلت به الرؤية النقدية السالفة الى إجابة(40) (منطقية – علمية) تقول بضرورة :-

أ‌)  جمع الشتات (من قوى المجتمع وطاقاته)، السياسية والاجتماعية والفكرية .

ب‌)      تقريب البعيد (من المواطنين، والحكماء والعلماء وأرباب الصنائع .. الخ)

ج) توحيد الشوارد، وتوليف المختلف، وصولاً الى مواقف موحدة إزاء الخطوب .

د) تثمير الموارد وزيادة الإنتاج، فوق ما يستهلكه المجتمع لاستثمار فائض القيمة.

هـ) تأمين الحاجات الأساسية والضرورية والأمنية للرعية في جميع المشاريع .

و ) تحقيق العدالة وقطع دابر الظلم والاستبداد، وإيجاد المؤسسات المساعدة .

ز ) الانتباه الى أطماع المتربصين من الجيران والغرباء على الحدود وفي الداخل. إن تجربة ابن خلدون العملية، وحياته السياسية ومنهجه العلمي ورؤاه النقدية هي التي جعلت من أجوبته في (علم العمران) – الفلسفة المعبرة عن الاجتماع البشري كما رصده في ضوء مربعه الذي نوهنا به قبل قليل .

    هكذا تجلت علمية ابن خلدون التجريبية / الحسية في حديثه عن :

1. أعمار الدول والدورات الحضارية (الحيوية) التي تمتد بين 80-120 سنة بحسب السياقات العمرانية المصاحبة لهذه الدورات متجاوزاً تقديرات إخوان الصفا(41) (20 عاماً للحاكم، 200 عاماً للأسر الحاكمة، 800 سنة للتجربة العقيدية) قالوا بها استناداً الى تقديرات فلكية ربطوا من خلالها تعليلهم لسعادة الناس وتعاستهم .

2. قوله بتأثير البروج الاثني عشر على (وقائع الحياة الأرضية) ومنها أخلاق البشر وأفعالهم وأمزجتهم التي تتأثر بالهواء . حتى يصل به الى اختلاف العمران وأحواله بحسب قدرات البشر، وتكوينهم الطبيعي – الجغرافي حيث يرتقي الى (الأفلاك) وقراناتها، ليتحدث مثل إخوان الصفا والبيروني عن أعمار للدول في نشأتها وصعودها وهبوطها(42) .

3. إن الظروف الانفة يكملها فعل الانسان " وان ليس للإنسان إلا ما سعى(43) و " خذوا حذركم " (44) و " أعدوا لهم ما استطعتم من قوة(45) " انه خطاب صريح .

4. عقلانية (التعامل مع وقائع التاريخ ) على وفق منطق الأحداث وظروف المرحلة وملابساتها وامكاناتها بعيداً عن المبالغات في أحجام الجيوش والمعارك والتموين، وأدوات النقل والاتصال وغيرها ويمكن تلمس آثار منهجه العلمي – والعقلاني – النقدي الواقعي في الميادين الآتية :

أ) فلسفة التربية والتأديب(46) .

ب) في دراسة العلوم ولاسيما الرياضيات التي تكسب صاحبها عقلاً نقدياً(47).

ج) علم السياسة (التدبير والعمران)(48) وما يجلبه للرعية من ثمرة تعاون السيف والقلم حتى ربط ذهاب العمران بالظلم والاحتجاب وتخطي الحدود والترف(49) .

     أما الرؤية النقدية الناجمة عن منهجه العلمي فتجلت عند ابن خلدون في :

أولا : فحصه العقلاني – المنطقي لوقائع التاريخ وحوادثه .

ثانياً : خلوصه الى ( حقائق التاريخ ) اليقينية – الجزئية (علم التاريخ) .

ثالثاً : بلوغه (علم العمران / الاجتماع الحضري) وفلسفة الحضارة وقوانينها ومحركاتها التي كشفت عن :

أ‌)   نزعة ابن خلدون الواقعية / العلمية .

ب‌)      منطق الاجتياز به يتخطى السلبي الى الايجابي في العلوم والحياة .

ج) منهجية علمية موضوعية لأنه يحاكم (الوقائع) في ضوء ملابساتها التاريخية .

د) نظرة مستقبلية – متفائلة، ترهن الخروج من المأزق بتغير النوايا نحو الأحسن. قال بجميع ذلك ليخرج بنا هذا المفكر من ( وطأة التخلف والانحطاط ) الى أفق حضاري مرتقب . لذا ما تغير إيقاع التاريخ وسيرورته، ليتحول الى صيرورة (جديدة) تقلب التخلف تقدماً، والانكفاء نهضة، بعيداً عن المبررات الماورائية وبخلاف الآخرين من السابقين واللاحقين، لم يرهن ابن خلدون  العصور المشرقة (الذهبية) في (ماض) أو (مستقبل) كما وجدناها عند هزيود في الأولى(50)، والتفسير التقدمي في الثانية(51) بل جعلها مرهونة بظرفها الموضوعي وبشروط تحققها وبوعي الانسان وفعله، والحاكم وقراراته والدولة وعلاقتها بالجماعة وبالعلم والعلماء والمفكرين، وبمبدأ التعاون وحشد الطاقات والتكافل وحسن إدارة الثروة والمال لغايات إنسانية اجتماعية يتفاعل فيها الذاتي والموضوعي، الفردي مع الاجتماعي، المواطن مع الحاكم، الجماعة مع المؤسسات لتشتمل جميع شروطها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتاريخية، وبذلك ومن اجل ذلك عد ابن خلدون وارثا لمنجزات كبرى، اختزل! ها ورشحها فأبدع لنا منظومة فكرية تسمى علم العمران قبل بلوغ الأوربيين هذه الغاية، فيتحدث عن (تاريخ التاريخ) أو حكمة التاريخ ما دام التاريخ عنده " هو في ظاهرة لا يزيد على الإخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى .. "(52) " وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات (الحوادث والوقائع) ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات (تغير وتبدل) الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد من علومها وخليق(53) " .

     هكذا وضع ابن خلدون (قاطرة علم العمران: فلسفة التاريخ) أو قل فلسفة الحضارة على سكة قضيبها الأول؛ (المنهج العلمي) والثاني (الروية العقلانية النقدية) لتنطلق في الآفاق المعرفية على الصعيدين الذاتي (العربي / الإسلامي) ممثلة بالمدرسة الخلدونية في علم العمران، والموضوعي الإنساني، منبئا بقيام (حكمة التاريخ) التي جعلها فولتير (ت1778م ) فلسفة التاريخ(54) في معرض بحثه عن (الحكمة) في مسار التاريخ ووقائعه، رافضاً أن يكون ذلك المسار محكوماً بالصدفة والعبث واللاعقلانية . من غير أن يتحرر المسار الذاتي من تأثير ابن خلدون على (الفكر العربي) وهذا يعني أن هذا المفكر قد أرسى مبادئ عمرانية (علمية نقدية) تقول :-

أولا : أن الانسان – حتى لا يشعر بغربته الزمانية والمكانية – بامكانه أن يكون ليس وسيلة للتغيير الحضاري فحسب بل وغاية إذا ما قلب الواقع من الأسوأ الى الأحسن:  وامتلك وعياً في مستوى مسؤولية ( خلافته لله على الأرض) ، مع مسحة أشعرية !

ثانياً : أن العمران البشري في محصلته يتوزع على قيم (بداوة وحضارة ) يزدهر حين يأتي للوفاء :

1.  بشروط الحاجات الإنسانية (الضرورات) كافة التي كانت وراء ازدهار العلوم وتقدمها .

2.  الدهشة التي قادت العقل الى أسئلة وأجوبة (فلسفية) بها حاجة الى تطبيق .

3. أما الرهبة من المجهول والغامض والتي تخشاها القلوب فكانت وراء عقائد آمن بها الناس لكي تطمئن قلوبهم من الخوف وتركن نفوسهم الى حياة هانئة سعيدة. في هذا المثلث حاول ابن خلدون أن يقارن بين ازدهار الحضارات في علومها وفلسفاتها وعقائدها، وتعاون رجالها، وبين نكوص هذه الحضارات بعودة الانسان الى (فرديته)(55) في مواجهة المشكلات الحيوية، حاكما كان ذلك الانسان أم محكوماً، مع أن الشرط الموضوعي للنهضة والتقدم يوجب جدل (الذاتي والموضوعي) وتوفر الشروط الاجتماعية لعملية (التغيير) على صعيد (المسرح الجغرافي، والعامل السياسي. والبعد التاريخي) لتصل الى شروط العمران البشري المحايث للعقيدة الدينية .

وبهذه العقلانية انطلق ابن خلدون من وسيلة (علمية = المنهج) و (نقديته) . لم يجامل فيه عناصر الضعف في المجتمع، أو عوامل الإعاقة مهما كانت ذات صلة بالراعي والرعية، وعملية النقد ( والعبور) تعني نزعة إصلاحية، تابع فيها ابن خلدون خطى السلف ولاسيما الإمام الغزالي (ت505هـ /1111م) وان كانت اشتراطات مرحلة الغزالي التاريخية وهو يتوج مشروعه الإصلاحي، (مع مطلع القرن السادس الهجري) بالعودة الى مسقط رأسه (وطنه) ويضع حداً لاغترابه الايجابي والعرفاني بخلاف اشتراطات ابن خلدون الذي انتقل من مسقط رأسه (تونس) الى قلب (العالم العربي الإسلامي) واعني بها (مصر) مما يتطلب من دارسي هذا المفكر ومشروعه العمراني ع! دم النظر إليه من زاوية واحدة والا وقعنا في تجزيئية تنأى به عن التصور الشمولي الذي انطلق منه ابن خلدون، وهو يتابع (وقائع) التاريخ الى (حقائقه) وصولاً بها الى (حقيقته الفلسفية) وهو ما سوف نقاربه مع مشروع الدلجي، في واحدة من إشكاليات (المرحلة الخلدونية) زماناً ومكاناً ولا سيما في ظروف ودوائر (اغتراب امارة القلم وغربة العلماء وفلاكتهم في المجتمع العربي الإسلامي) ولعل في ذلك نوع من التماهي مع واقعنا المعاصر، في ظل – التخلف – والعولمة بسبب صعود الإنجاز المادي – التقني، والكمالي على حساب قيم الانسان الجمالية والأخلاقية والمعرفية لأسباب كثيرة .

ثالثاً : الدلجي وفلاكة العلماء بين المنهج العلمي والرؤية النقدية

    كان احمد بن علي الدلجي اقرب الى ابن خلدون زماناً ومكاناً (56) ولعله الأقرب من الناحية السايكولوجية، وان فارقه في المنظور الكلامي، لكن صاحب كتاب (الفلاكة والمفلوكون)، نظر الى علم العمران البشري من خلال بحثه عن مكانة العلماء، في كل عصر  ومرحلة، فمثل هذه المكانة (ايجابية كانت أم سلبية) هي معيار (المرحلة التاريخية) والوضع الحضاري، بعدها (امارة للقلم) هي المرآة العاكسة للواقع العمراني – بجميع مكوناته. ما دام العلماء في الحقيقة هم ملوك الناس وقادة المجتمع، والفاعلون فيه وبحسب علاقة امارتهم مع (امارة السيف = الدولة) تأتي ثمار العلم والمعرفة أكلها الاجتماعية والحضرية حتى قدمهم الدلجي على ولاة السياسة(57) لهذا وجد هذا المفكر وهو يعيش في (العصر المملوكي) الذي توحدت فيه القيادة لمصر وبلاد الشام، ان ليس هناك من خطر على المجتمع من تشاغل العلماء عن مشكلات مجتمعهم بأمور الدنيا أو التكالب على المطالب الدنيوية أو ممالاة السلطان شأنهم شأن (عوام الناس) فمثل هذا الانشغال ينم عن ضعف في الإيمان الحق، واضطراب في القيم والضوابط الأخلاقية مما ينعكس سلباً على أداء الساسة وعموم المجتمع، ويضع على عاتق هذه الفئة مسؤولية كبرى في الإصلاح والتنبيه على الخطأ وعدم السكوت على الظلم والخروج بالدين من الطقوس الجامدة الى الوعي الفاعل في فلسفة العمران تابع بعضاً من منظورات ابن خل! دون، ولا سيما تلك التي عضدتها الشواهد العلمية، الحسية والعقلية والوجدانية، حتى قاده منهجه العلمي الى ابرز المبادئ العمرانية التي أكد فيها على أن :

1.   الانسان نشأ عمرانياً حضرياً مدنياً بالطبع لا بالتطبع والفطرة لا بالاكتساب.

2.   لا يمكن أن يستقل المرء بمفرده عن الآخرين لحاجته إليهم .

3.   لاقوام لا حواله ( المعاشية والاجتماعية)(58) إلا بالتعاون حتى في إيجاد رغيف الخبز.

4. العاقل يرى أن الاجتماع الإنساني هو المدخل الصحيح للحياة الكريمة لكل إنسان. ولكي يمنح النشاط الاجتماعي للإنسان بعده الحضاري والأخلاقي والاجتماعي :

أ‌)   حذر الدلجي من مخاطر الاحتكار في كل شيء ( اقتصاد – سلطة – نشاط) .

ب‌)      حذر من الآثار السلبية للإثراء غير المشروع ( على حساب الجماعة) وفي ظروف المحن .

ج) نبه على مخاطر غياب السلطة العادلة والقوية على حقوق الناس .

       فمثل هذا الاحتكار والإثراء والظلم، تقود الى الاستلاب الاجتماعي وهدر الحقوق وغياب النظام وطغيان الخراب من ( رأس الدولة وحاكمها) الى جميع (أطراف المجتمع) مما ينعكس سلباً على (امارة القلم) وثمار العقول الحكيمة ف! تسوء حياة العلماء الذين هم معيار تقدم المجتمع  وتخلفه . مثلما تنعكس سلباً على المؤسسات العلمية وطلبة العلم، والعكس صحيح فبفضل توافق ( امارة السيف = العامل السياسي) مع (امارة القلم = العامل المعرفي) يتناغم الحال الاجتماعي مع الواقع السياسي فتكون السعادة والتقدم والرقي . ووصل الدلجي بفضل منهجه العلمي ورؤاه النقدية الى قاعدة تتوافق مع المشروع العمراني الخلدوني الذي اوجزنا له في المبحث السابق بعد ازدهار الحضارة (العمران) في حقيقته ازدهاراً للعلوم والصنائع والأمصار والدول ما دام للأخيرة " شباب وهرم ولها عمر طبيعي كأعمار الحيوانات "(59) . وان (الأمور العمرانية) بالترف " تتراجع وتتناقص عند التناهي كالأمور الحسية(60) " مما لا خلاف على ذلك بين الواقع ومنطق العلم والعقل السليم والعقيدة الصحيحة . ولما كانت الحضارة عند ابن خلدون هي (طريقة عيش الجماعة بجميع جزئياتها )(61) خصها الدلجي باهتمام متميز(62) ممالا مجال للإفاضة فيه(63) حتى قاده منهجه العلمي النقدي الى صياغة (نظريته العمرانية) التي لم تخل من إطار تهكمي بعد أن حرص هذا المفكر على :

أ‌)   كشف عيوب السلطة والمجتمع والأفراد في ظروف الانحطاط الحضاري .

ب‌)  وجد في ( حال العالم والمفكر، والمبدع) مرآة عاكسة لطبيعة النظام السياسي، والاقتصادي لذلك المجتمع، ومثل ذلك يقال عن (غربة) أمراء القلم، في مجتمعهم . بسبب الإهمال السياسي والتراجع العمراني .

ج) جعل من (التجربة) و (الوجدان) " اصدق شاهد، والمناسبة تصحح القياس، والإلحاق والمغاليق يلزمهم الأفراد لزوماً "(64) .

د) صحيح أن الوضع الطبيعي للإنسان هو العيش ضمن (الجماعة ) لكن الظروف السلبية والحياة السياسية والاجتماعية، والوضع الاقتصادي الرديء هو الذي قاد بعض الناس الى العزلة والزهد . يفسر ذلك انكماش الصوفية وعزلتهم في (الربط والخانقاه) شأنهم شأن نوابت ابن باجه وجميع ذلك يكشف عن غياب ضوابط العدالة في المجتمع(65) وتعدد أشكال الاستلاب، وغياب السلطة (الوطنية) القاهرة(66) (القوية) .

هـ) ولما كان (أمراء القلم = العلماء) هم معيار (الازدهار أو الانحطاط) لأي مجتمع، ودولة ومرحلة وجد الدلجي أن من أسباب (فلاكتهم = غربتهم) :

هـ/1 : الترف الزائد والانشغال بالكماليات والفساد المتسرب الى مواقع السلطة وصولاً الى رأسها .

هـ/2 : التشاغل عن هموم الرعية بمهموم التجارة بجميع أشكالها وصورها الرديئة .

هـ/3 : مخالطة الحكام والأمراء للسفهاء والسفلة والتشاغل عن العلماء و(أمراء القلم) وأرباب الحكمة والأدب والعلوم خسر بسببها المجتمع جني (ثمار هذه العقول) التي بها يرتقي ويزدهر ويتقدم .

و ) لهذه الحقائق يرفض الدلجي ربط (تدني مكانة أمراء القلم ) وفلاكتهم بالكواكب واحابيل ( المنجمين، وأسبابهم البعيدة عن الواقع ) . رفضها الدلجي بمنطق علمي ورؤية نقدية، على الرغم من اعترافه بنوع من التأثير ( الجغرافي = للإقليم) على المزاج والتكوين النفسي(67) والأخلاقي كما هو شأن سكان المناطق الحارة أو المناطق شديدة البرودة، فجميع شواهد الدلجي – مستقرأة من الحياة الواقعية(68) لذلك :-

و/1 : سفه الدلجي الآراء القائلة بتأثير الكواكب على طوالع الناس او سعدهم او رزقهم أو حيواتهم او موتهم؛ أو تدني مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية .

و/2 : كما سفه القول بتأثير الكواكب على الحوادث السياسية والعمرانية (الحيوية) مؤكداً بمنهجية علمية – ومنطق عقلاني نقدي : " إن البحث في النجوم (التي) تؤثر في جملة الحوادث السفلية من السعادة او الشقاوة والذكاء او البلادة والمكر والنذالة او الشهامة والشجاعة أو الجبن .. فذلك مما لا برهان عليه ولا بخبر من لا يجوز الكذب عليه، ولا بضرورة العقل ولا بنظره (69) " جميع ذلك الادعاء – عند الدلجي مرده؛ (حدس وتخمين وظنون كاذبة وتزويق وحيلة وخديعة) كحيلة القائلين (بالجبر) في أعمال الشر .

و/3 : مصادر الدلجي في ذلك من الفلاسفة والعلماء الفارابي وابن سينا كما أورد لنا اعترافا لأبي معشر الفلكي يقول فيه " كل الأعراض الغائبة توهم، لا يكون شيئاً منها يقيناً إنما يكون توهم أقوى من توهم(70) " . لهذا السبب يرى الدلجي الحقائق العمرانية العلمية الآتية :

أولا : إن السعد والنحس، للناس لا يدوران مع الأفلاك(71) . والشواهد متواترة :

1.   لا طالع على سبيل اليقين في نكبة الوزير الخطاط ابن مقلة .

2. حدوث الكوارث التي قتلت خلقا كثيراً لمختلف الطوالع والأعمار والبروج يؤكد لا علمية التعلق بالبروج والطوالع .

3. أخطاء المنجمين والفلكيين، الكبرى كما كانت في معارك صفين وبناء بغداد وخلود الحكم العباسي الى يوم الدين وعدم موت الخليفة فيها وفتح المعتصم لعمورية وقتال القرامطة، وبناء القاهرة وأبدية الدولة الفاطمية(72) .

ثانياً : لقد أقصى الدلجي التفسيرات التي تأتي من خارج قوانين (العلية / والسببية) عن دائرة العلم والحقيقة لقناعته بتأثير العوامل (الطبيعية / الجغرافية) على حياة الشعوب وأخلاقها ومزاجها بعد تلك العوامل تمثل (الإقليم الحاضن للناس) .

ثالثاً : إن محنة (العقل والعلم) ومعاناة (أمراء القلم) وأرباب الحكمة ذات صلة (بالعامل السياسي) ذي الاثر الاكبر في النشاطات العمرانية عند الدلجي للأفراد والمجتمعات والدول(73) .

رابعاً : قرن تجدد العوائد وتثمير الثروات بأحوال الملوك وسياساتهم(74) مثلما جعل (الفلاكة الاجتماعية = الحالية ) ناجمة عن (الفلاكة المالية = الاقتصادية) وجميعهن رهن بالعامل السياسي المسؤول عن فاعلية المجتمع او عدم فاعليته .

خامساً : رهن فلاكة العرب وغربتهم الحضارية بغياب العامل السياسي (الوطني) الفاعل، مع أنهم (ملوك الناس على الحقيقة)(75) ولكنه منطق المحتلين وذرائعهم غير العقلانية .

سادساً : جميع ذلك بناه الدلجي على قاعدة عمرانية – علمية تقول باجتماع (حرية الإرادة والاختيار مع (دوافع الانسان ونيته) والقدر! ة على الوفاء بالواجب(76) وبالظروف السياسية. جميع الملاحظات الانفة عززت عند الدلجي المنهج العلمي وهو يفتش عن سر العمران البشري، الذي امتاز بالسمات الآتية :

1.    منطق الاستقراء في الانتقال بالوقائع التاريخية الى مرتبة (الحقيقة واليقين) .

2.    البحث – الموضوعي الحر – في المشكلات المطروحة بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتقليد الأعمى للآخرين .

3. الاجتهاد العقلاني – المتوازن – في شؤون الحياة العملية (العمران) من علوم وحكمة، اعتماداً على منطق (الشك) .

4. فاعلية الانسان، استند في تأكيدها على قول (ابن سينا) " ان الانسان خلق فعالاً بالطبع(77) " ويوافقه على ذلك تماماً .

5. وكما هو شأن المرجع الخلدوني عن (صدر الإسلام، والتراث الثر، والمنهج العلمي / الواقعي) في مواجهته ( الواقع الفاسد) جاء مربع الدلجي وهو يربط (حرية الإرادة ) بتقدم العلوم والصنائع والدول؛ في النشأة (التأسيس ) والصعود (الازدهار) أو في التراجع والانحطاط(78) بسبب الترف والظلم والاستبداد والاحتكار والإثراء غير المشروع وغياب العدالة وغلبة الغرباء .

6. اخطر ما لاحظه الدلجي ودققه وتأكد له هو : العلاقة العكسية بين مظاهر الترف والثراء وتراكم الكماليات؛ وبين تراجع علوم الشريعة، وانفصال الشعائر والطقوس (المظهرية ) للدين عن القيم الأخلاقية السامية مثلما ينفصل المجتمع عن القيم البدوية الأصيلة بعد أن تحولت السلطة من " نبوة رحمة وخلافة، الى ملك عضوض فيه عتو وجبرية وفساد(79) " وبعد ان استعجم الملك (هيمن عليه الغرباء) وجرى تخطي الحدود وزوال أحوال البداوة(80). نعم بعد ان فارقت الدولة سلطتها العادلة ومؤسساتها الساهرة على امن الناس وحقوقهم وبعد ان فارقت (الخلافة) إرادة الناس وجرى تحول الوظيفة الدينية (لرجال الدين) الى (وسيلة للارتزاق) ذهبت هيبة الجميع (الدولة – الخليفة، المؤسسة، ممثلو العقيدة) والناس! واستشرى الفساد، وفقد الجمهور ثقتهم بالسلطان، واهم! لوا شروط تفاعلهم وتعاونهم وادوار علمائهم ومفكريهم، " فالناس على دين ملوكهم، والملوك أسواق يحمل إليها ما ينفق فيها(81) " فإذا صلحوا صلح المجتمع ! والعكس صحيح  .

7. اخطر الأمراض الاجتماعية التي تنخر كيان المجتمع وتهشم بنيته العمرانية هي (الحقد والحسد والتملق والرياء )(82) التي تحرك نوازع النفس اللوامة !.

8.   لقد خص الدلجي الحضارة ببحث مستقل تحدث فيه عن :

أ‌)            علاقتها بازدهار العلوم ( الإنجازات المادية)(83) العملية والمعنوية .

ب‌)  علاقتها بالدولة وتطورها، والملك والعصبية والحاكم والشوكة وأهمية مركزه فصلاحه يعني صلاح الرعية والضد بالضد(84) حتى علق ذلك المركز بغاياته :-

ب/1 : مثل التطلع للمجد والسيادة والتمكن .

ب/2 : قوة الحاكم والدولة تأتي من عدالته وقوة شوكته وثقة الناس به وليس بجبروته يتجلى ذلك بـ  :-

أولا : شدة التماسك (العصبية) من العصبة بين الراعي والرعية وتبادل الثقة .

ثانياً : إدراكه لقانون التغلب ومنطق التغالب (الصراع) القائل : (الوقت سيف والحكم للوقت في تقديم الأهم على المهم واتخاذ القرار) (85)  .

ثالثاً : الشوكة عنده لها وجهان في تأديب العصاة والمعاندين، وفي تأليف القلوب .

رابعاً : لا ازدهار وصعود للدولة إلا إذا نجح الحاكم في زيادة العوائد الاقتصادية وتحسب للمكائد والمؤامرات وأقام الحدود ودافع عن الحقوق والبيضة .

خامساً : ميز الدلجي بين حاكم (مكتسب) للحكم (بان للدولة) وبين (وارث له) مفرط به ! .

وتتجلى مظاهر ذلك الإفراط لدى الحكام (الوارثين) الهادمين للعمران ! بما يأتي :

أ‌)   اختلال المعادلة بين الأغنياء والفقراء بسبب تمركز الثروة بيد القلة .

ب‌)      سيادة روح التباغض والتحامق والتحاسد على أسباب الترف فهي أساس الضعف .

ج) غلبة التنافس غير الشريف والصراع المدمر، من اجل الانفراد بالمجد .

د) تراجع ادوار المبدعين من العلماء والحكماء والأدباء بسبب نزعة الاستبداد والاحتجاب عن الناس واستشراء مظاهر الانحطاط .

سادساً : لم يجد الدلجي من توصيف لواقع الانحطاط اصدق من تسميته ( بالفلاكة = الاغتراب) الذي يشعر العالم، والمواطن ورجل الدين بغربته عن مجتمعه وواقع حاله . ولعل منهجه (العلمي والنقدي) يتجلى في هذا الجانب من (العمران) فتمكن من تفنيد الآراء التي قيلت في تعليل او تبرير ذلك (الاغتراب) ومستوياته وأسبابه رافضا نسبته الى أسباب ما ورائية او فلكية او جبرية حتى قرن (الفلاكة الحالية = الوضع الاجتماعي) بالفلاكة (المالية) بسبب وطأة الظروف السياسية والتي يصعب معها على الانسان تحقيق الشروط الدنيا لكرامته الإنسانية لتعذر الاستنجاد بالحاكم لفساد حكمه (فالفساد والظلم) سبب لكل تبدل (انحطاط) ورأس كل استبداد(86) .

سابعاً : ويتجلى مفهوم المواطنة الحقة عند توفر الظروف الايجابية، مع أن الدلجي وجد تأثير المصلحة على علاقات الناس مع الحاكم وتبدل الظروف(87) قائلاً :

 

        ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها!      فكيف ما انقلبت يوماً به انقلبوا

        يعظمون أخا الدنيا، فأن وثبـت      عليه يوماً بما لا تشتهي، وثبوا

مع ذلك فمحبة الوطن مقترنة عنده بصلاح الحاكم والدولة والمؤسسات لأنها تعبر عن طموح الانسان وتحفظ له كرامته(88) فيقول في ذلك :-

    قالوا : اغترب عن بلاد كنت تألفها    إن ضاق رزق تجد في الأرض مقترحا

    قلت : انظروا الريق في الأفواه مختزن فان بان عنها صار مطرحاً (بصادق) وليس أدل على مرارة الغربة من قول صالح بن عبد القدوس(89) (قتيل المهدي):

   " لا الفتيك ثاويا في غربــة             ان الغريب بكل نبل يرشـــق
      ما الناس الا عاملان فعامل              قد مات من عطش واخر يغرق

= (التمايز الطبقي) .

ثامناً : وعن حياة العلماء والتمسك بروح العلم، فالدلجي ابتداء يرفض الاغتراب والهجرة لهم اذا ما توفرت لهم شروط الحياة الكريمة (الظرف الايجابي) ولسان حالهم يقول(90) :

    " ما تطعمت لذة العيـــش      حتى صرت للبيت والكتاب جليسا

   أي شيء اعز عندي من العلم       فما ابتغي سواه انيســــــاً

   انما الذل في مخالطـة الناس       فدعهم وعش عزيزاً رئيســـاً

ولعل بعضهم يعلل سبب (الفلاكة المالية والحالية) في قوله(91) :

       شغلنا بكسب العلم عن مكسب الغنى

                           كما شغلوا عن مكسب العلم بالوفر

       فصار لهم حظ من الجهل والغنى

                           وصار لنا حظ من العلم والفقـــر

تاسعاً : ولكن حين تضيق بالعلماء سبل الحياة الكريمة بسبب استشراء الفساد والطغيان ومظاهر التحلل والانحطاط يذكر بضرورة الهرب الى دنيا الله الواسعة استجابة للحكمة الإلهية القائلة :

   " فاسعوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور(92) " فيستحضر قول الشاعر (93) :

      قوض ركابك عن ارض تهان بهـا     وجانب الذل ان الذل يجتنـــب

      وارحل اذا كان في الأوطان منقصة     فالمندل الرطب في أوطانه حطب

 

عاشراً : ولما كانت مكانة العلم والعلماء ذات صلة بالكتابة والوارقة قال الشاعر(94)  :

     اما الوراقة فهي أنكر حرفة         أوراقها وثمارها الحرمــان

     شبهت صاحبها بحالة ابرة          تكسو العراة وجسمها عريان !

! وهو ذات المعنى الذي قصده القاضي عبد الوهاب البغدادي(ت422هـ / 1030م ) في اعتذاره من بغداد(95) : قائلاً :

     سلام على بغداد في كل موطن      وحق لها مني السلام مضاعف

    فوالله ما فارقتها كلـــف بها      واني بشطي جانبيها لعـارف

    ولكنها ضاقت علـي بأسـرها     ولم تكن الأرزاق فيها تساعف

    وكانت كخل كنت أهوى دنـوه      واخلاقه تناى بـــه وتخالف

خلاصة القول وثمار الحوار بين الدلجي وابن خلدون ونتائجه :

    كشفت لنا الصفحات السابقة وما يتصل بها من منظور (عمراني/ حضاري) ما كان يدور في عصر هذين المفكرين من جملة إشكاليات مركبة:

-   الإشكالية الأولى : غياب الدولة المركزية وسلطتها المهابة وسلطانها الرادع لأسباب معلومة ( داخلية وخارجية) وسمت حقبة ما بين السقوطين (بغداد – غرناطة) وما تلاهما بالتراجع .

-   الإشكالية الثانية : التفكك السياسي والصراع الاجتماعي والآثار السلبية للاحتلال الأجنبي الذي هدد الجناحين الشرقي والغربي للعالم العربي وراح يرمي بثقله على (الوسط = القلب ) هو الذي كشف عن اختلال جدلية البداوة والحضارة وقاد الى اغتراب مركب حتى للإنسان (الفرد) ولأمراء القلم .

-   الإشكالية الثالثة : تراجع سلطة العلماء ومكانتهم وأدوارهم، في الإنتاج الإبداعي والتوجيه والمشورة فسبب ما يعرف (بالاغتراب المعرفي) لإمارة القلم .

-   الإشكالية الرابعة : تراجع مكانة العلم والحكمة وغياب قيم الحق والصدق والجمال واضطراب الهوية وغلبة المصالح والمظاهر على المبادئ والبواطن شوش على ادوار العلماء حتى داخل دائرة العقيدة الدينية، والعلاقات الاجتماعية، وجميع المظاهر العمرانية؛ مما كان وراء تراجع المسيرة العمرانية لهذا المجتمع .

1. وإذا كان ابن خلدون قد حدد وأوجز، وانتقد وتجاوز الى حيث منظوره (العمراني) ومدرسته الشامخة بعد ان انتقل من الشمال الإفريقي (الغربي) الى (مشرقه = مصر) فلم يدرك من الاغتراب الا مظاهره التي استقرت في وعيه بعد نكبته فيكون رفيقاً للفقراء فأن الدلجي قد حصر مشروعه (العلمي – النقدي) في محور مركزي ذي دلالة فحص من خلاله (واقع الحضارة – العمران) والحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، وأعنى بها مكانة العلم والعلماء والحكمة والحكماء وأرباب الأدب، وان قاده مثلما كان حال ابن خلدون = الى نوع من (معايشة الفقراء ! في سره وعلنه) .

2. وما دام القاسم المشترك بين المفكرين على صعيد المنهج العلمي اعتماد (الحس والتجربة ومنطق العقل والوجدان) فان الرؤية النقدية تجسدت لدى الرجلين في (رفض ما هو غير عقلاني، وغير منطقي، وغير واقعي )حتى جاء إنتاجهم العلمي في هذا الباب، متفوقا على واقعهم المتخلف ومتجاوزاً له. وجميع ذلك يقول بالصلة العضوية بين الانحطاط والاغتراب (الفلاكة) والهرم .

3. ومتى ما كانت العلاقة جدلية = ايجابية بين إمارة السيف وإمارة القلم انعكست أثار هذه العلاقة لصالح الازدهار والعمران والتقدم الاجتماعي، فالإقليم والدولة ووعي شروط النهضة عوامل تتفاعل وتتعاضد من اجل تسخير خيرات ذلك الإقليم والمناخ الإنساني الحر، لصالح شعار (حسن الأداء) لأفراد المجتمع من اصغر فرد الى رئيس الدولة ما دام المعيار في جميع ذلك هو الفعل الحميد والعمل النافع، فخير الناس من نفع الناس ورحم الله امراً عمل عملاً فاتقنه، وهكذا يكون صلاح المجتمع من صلاح الدولة، وصلاح الحاكم والعكس صحيح ايضاً، وهو ما تشوش واضطرب في عصر المفكرين المذكورين .

4. وأكثر الحقائق إيلاما ان تنشغل الدولة وحاكمها وأجهزتها – على الرغم من غنى إقليمها، وسعته – عن الانسان بعامة وعن العلماء ورجال الفكر بخاصة، لذلك عكس عصر (ابن خلدون والدلجي) واقع الفلاكة المركبة التي عانى منها (أمراء القلم) بعد أن تشاغلت الدولة عنهم، بالحروب أو المؤامرات أو بمصالحها التجارية، والسياسية، أكمل هذا الواقع السلبي الموضوعي واقعاً ذاتياً انشغل بسببه العلماء بهمومهم، وبؤسهم حتى غادر بعضهم دوره ! وسكت على (الخطيئة والخطأ) تجنباً لاستبداد مستبد او سطوة (قوى) بجاهه او ماله او سلطته .

5. ان مكونات الغربة المركبة التي جاءت انعكاسا لواقع عمراني منحط لا علاقة لها البتة بمواقع الكواكب والبروج مما يسوقه البعض لكي يخفي حقيقة الحال. وفي هذه المسألة نلمس نوعا من المفارقة بين الرجلين، ابن خلدون ورؤاه العمرانية من اجل عقيدته الاشعرية، والدلجي من اجل منهجه العلمي – ورؤاه النقدية وقفنا عنده في ثنايا المداخلة ومباحثها (الثاني والثالث) وبعد ان أدرك الدلجي ان التاجر في (السياسة او السوق او الدين او العرض) في ظروف الانحلال، هو المقدم على ذوي العلم والحكمة والادب والعفة والكرامة كان الانحطاط لادوار (أمراء القلم) بالصورة التي جاءت .

6. ان طغيان منطق المصلحة في ذلك العصر – كما وجدناه كان وراء هروب الغرناطي الى التصوف، فكان مصيره القتل، والشيء نفسه يقال عن الدلجي، لملابسات كثيرة، هي غير الاحداث التي انتهت بابن خلدون الى (الخانقاه) قريباً من الصوفية وليدفن معهم حين موته، مثلما دفن الدلجي في تلك المقبرة وهكذا كان الهروب من واقع مؤلم (منحط) الى حيث مظلة الروح والزهد بعيداً عن أجواء الحسد والطمع والأثرة ! هو القاسم المشترك بين أبناء (الأندلس وتونس ومصر وبلاد الشام ) ! بسبب اختلال الموازين الاجتماعية والسياسية التي لا نهضة من غير صلاحها واعتدالها لتأتي علاقات الجميع في مستوى النداء الرباني : القائل " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " عبر شبكة من الجدليات المركبة هكذا ستقام علم العمران البشري في الفكر العربي الإسلامي على منهجية  علمية ورؤية نقدية .

 

الهوامش :

1.     ابن خلدون : المقدمة طبعة دار القلم ، بيروت 1978 .

2.     ابن خلدون : التعريف بابن خلدون ورحلته . دار الكتاب اللبناني بيروت 1979 .

3.     ابن خلدون : الف هذا الكتاب بمضمون عرفاني / صوفي، للزهاد والفقراء في آخر حياته.

4.  ابن الأزرق : بجزأين طبع ببغداد تحقيق وتعليق د. علي سامي النشار (ج/1) دار الحرية وزارة الإعلام – بغداد 1977 ص18 وما بعدها .

5.  وهو أمر وقفنا عنده، منطلقين من رأي يقول، ان (علم العمران الحضري) لابن خلدون، يمثل في حقيقته وعلى الصعيد الفكري، بداية وعي لأسباب الانحطاط في عصور الغزاة، ومدخلاً للعصور الحديثة، بعد ان ترك هذا المفكر اثره البين على التفسيرات اللاحقة لموضوعة الانحطاط والنهضة والاصالة والمعاصرة وحوار الأجيال، وجدل البداوة والحضارة والعصبية والترف، وقيام المدن والدول ومنطق العمران ما زلنا نتابعه في كتابات المفكرين (العرب والمسلمين) اللاحقين عليه الى يوم الناس هذا ( يراجع للاستزادة : كتابنا، فلسفة التاريخ والحضارة، منشورات الكتاب الثقافي – اربد – بيروت 2005 ص189-204، ص239-300 .

6.     صاعد الاندلسي : طبقات الأمم، تحقيق حياة العيد بوعلوان، بيروت 1985 ص25-90 و 130 .

7.     علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ – جدلية الاصالة والمعاصرة ق/1 بغداد 1993 ص 127-128 .

8.     علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة في الفكر العربي ص133-134 .

9.  محمد بن شلب : دائرة المعارف الإسلامية ( مادة الطرطوشي ) ج3 ، طبعة دار الشعب، بإشراف ابراهيم زكي ، القاهرة 1969 ص203 .

10. الطرطوشي : سراج الملوك : المطبعة المحمودية القاهرة 1935 ص1-2 و4-5  و8-9 ، 12-29 ، 33، 60-89 ،90-129 ، 130-138 ، 216-226 ، 323-387 قارنه مع نقد ابن خلدون : في المقدمة ص38-39 ص40 و 81-88 و 122-124 .

11. ابن أبي الربيع : سلوك المالك في تدبير الممالك، تحقيق ! ناجي التكريتي ضمن كتاب الفلسفة السياسية عند ابن ابي الربيع ط3 دار الشؤون الثقافية، بغداد 1987 ص89-98 ، 99-136 ، 137-172 و 173-205 .

12. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة : ص152-154 . كما أوجز ابن ابي الربيع في ص75-76 من سلوك المالك الشروط العمرانية لازدهار  الحياة الاجتماعية لأية تجربة سياسية مثل الإقليم والموارد والأمن والإنتاج الزراعي، ووفرة المياه، و المراعي .. الخ والاستعداد لمواجهة الكوارث المختلفة .

13. ابن الطقطقي : الفخري في الآداب السلطانية – طبعة البابي الحلبي القاهرة 1927 ص1-51 .

14. ابن عنبة : عمدة الطالب في انساب آل أبي طالب ، مطبعة بمباي 1318هـ ص159 وما تلاها .

15. علي! حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة في الفكر العربي ص168-171 .

16. تسيبولد : دائرة المعارف الإسلامية (ج/4) طبعة دار الشعب القاهرة 1969 ص168-169 .

17. ابن خلدون : التعريف برحلة ابن خلدون شرقاً وغرباً – دار الكتاب اللبناني – بيروت 1979 ص33-48 – كما نشر فيه الرسائل المتبادلة بين المفكرين ص360 وما تلاها .

18. ابن الخطيب : اللمحة البدرية في الدولة النصرية تقديم ونشر محب الدين الخطيب المطبعة السلفية القاهرة 1347 هـ ص188-190 .

19. ابن الخطيب : نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب : ج/2 تحقيق ونشر احمد مختار العبادي مراجعة عبدالعزيز الاهواني – دار الشؤون الثقافية – بغداد ب ت ص27-28 و ص218-311 ، راجع دراستنا عنه في فلسفة التاريخ والحضارة ص177-178 .

20. ابن الخطيب : المصدر السابق 2/344 .

21. ايضا 2/344 ثم يقول مع ذلك ترى الدست عظيم الزحام) والتنافس فالشمس عند الغرناطي (بدء واوج (ذروة) وغروب (افول ) كما هو شأن الحضارة.

22. علي حسين الجابري : محاضرات في فلسفة التاريخ، ألقيت على مدرسي الاجتماعيات في المدرسة الثانوية – شعبة التدريب في مديرية تربية السليمانية للعام الدراسي 1977-1978 ص8-12 .

23. ولاسيما في كتابنا فلسفة التاريخ والحضارة ص9 ، 12-14 ودراستنا : فلسفة التاريخ بين التراث الخلدوني والفكر الأوربي المعاصر مجلة آفاق عربية ع11-12 لسنة 1982 ص12-18 .

24. ابن خلدون : المقدمة ، ص3-4 ، 39-40 .

25. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة ص12-14 .

26. ابن خلدون : المقدمة ص458-530 .

27. الرعد 13/11 .

28. ابن خلدون : المقدمة ص458-466 .

29. أيضا ص514-530 .

30. أيضا ص1-40 .

31. أيضا ص533-542 .

32. أيضا ص428-430 .

33. أيضا ص52-119 .

34. ابن خلدون ، المقدمة ص44-119 .

35. أيضا في ص335-341 .

36. سورة النجم 39-53 .

37. ابن خلدون : التعريف بالرحلة ص388 .

38. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة ص179-182 .

39. ابن خلدون : المقدمة ص12 و23 و 149 و 151 .

40. أيضا ص120-129 و 138 و 145 .

41.  إخوان الصفا : الرسائل (أربعة مجلدات) طبعة دار صادر بيروت (ب ت) 1/114 –148 و 1/302 –304 و 2/266 و 39/249-253 فصلنا القول عنها في كتابنا : فلسفة التاريخ والحضارة، ص116-119 .

42. ابن خلدون: المقدمة 79-85 و 86-91 ، 161 ،171-174 و 335-341 .

43. النجم 39-53 .

44. النساء 4-102 .

45. الأنفال 8-60 .

46. ابن خلدون : المقدمة ص533-542 .

47. أيضا ص428-430 .

48. أيضا ص161-183 .

49. أيضا ص286-310 .

50. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة ص209-210 .

51. أيضا ص14-18 و 291-295 .

52. ابن خلدون : المقدمة ص3 .

53. ابن خلدون : المقدمة ص4 .

54. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة ص8-9 ، 216-218 .

55. ابن خلدون : المقدمة ص138-139 .

56. وقفنا عند حياة هذا المفكر في أكثر من مناسبة، ووجدناه صاحب وجهة علمية واقعية، تشهد عليها مؤلفاته ولاسيما (الفلاكة) ولي في القاهرة نظارة (بيت الفقراء = الصوفية) او ما يسمى بخانقاه خاتون (كما كان شأن ابن خلدون حين استقر في القاهرة ووردته أنباء نكبة أسرته في غرق السفينة التي أقلتهم من تونس الى مصر في خليج أبي قير على ساحل الإسكندرية ) ولكن سعي الدلجي الاجتماعي، ومنهجه المعرفي انتهى به (قتيلاً) بصورة غامضة في القاهرة عام (838هـ / 1435م ) يراجع تفصيلات ذلك في : علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ ق/1 بغداد 1993 ص204-208 وكذلك كتابنا : الانسان المعاصر بين! غروب الحضارة واغترابه – دار مجدلاوي ، عمان – بيروت 2005 ص62-72، وان اختلفت المصادر في عام وفاته بين السنوات 815 و 835 و 838 هـ) رجحنا معه الاحتمالين الآخرين وأيضا في فلسفة التاريخ والحضارة ص189-194 .

57. الدلجي : الفلاكة ص62 .

58. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ والحضارة ص191-192 .

59. الدلجي : الفلاكة ص65 .

60. أيضا ص66-67 يقارن مع ابن خلدون : المقدمة ص175 .

61. ابن خلدون : المقدمة ص41-43 .

62. الدلجي : الفلاكة ، ص32-173 وابن طولون : القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق احمد دهمان دمشق ب ت ص117-118 .

63. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ ق/1 ص204-208 وطارق هاشم الدليمي :احمد بن علي الدلجي وآراؤه الفلسفية والعمرانية : رسالة ماجستير، كلية الآداب – جامعة بغداد ، بغداد 2000 ص7 وما تلاها .

64. الدلجي : الفلاكة ، ص29 .

65. أيضا ص32-35 .

66. أيضا ص56-77 .

67. الدلجي : الفلاكة ، ص32-33 .

68. أيضا ص35 .

69. أيضا ص34 .

70. أيضا ص35 .

71. الدلجي ، الفلاكة ، ص7 .

72. أيضا ص35-39 .

73. أيضا ص173 .

74. أيضا ص62 .

75. أيضا ص62-63 .

76. أيضا ص23-24 .

77. الدلجي ، الفلاكة ، ص24 .

78. ايضا ص65 .

79. أيضا ص66 .

80. مثل : خوف الذمة وشدة الحياء والكرم والشجاعة والنخوة . فحدث التمرد والانفصال عن مركز الدولة حتى سقطت الخلافة (عام 656هـ) . يراجع عن ذلك في كتابنا : فلسفة التاريخ والحضارة ص192 وما تلاها .

81. الدلجي، الفلاكة ص68 .

82. أيضا ص49-60 .

83. أيضا ص96-100 .

84. أيضا ص69 .

85. أيضا ص74-82 .

86. علي حسين الجابري : فلسفة التاريخ و! الحضارة ص194 .

87. الدلجي : الفلاكة ص173 .

88. أوردناه في كتابنا : الانسان المعاصر بين غروب الحضارة واغترابه ص69 .

89. الدلجي : الفلاكة ، ص171-172 .

90. الدلجي : الفلاكة ص169 .

91. أيضا ص170 .

92. سورة الملك 67 / الاية 15 .

93. الدلجي : الفلاكة ص175 .

94. أيضا ص90 .

95. أيضا ص86 ( وكان ذلك في ظل الاعتقاد القادري الذي جثم على العقول والقلوب طوال السنوات 407-433 هـ) .

  

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس