exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


ظاهرة النُّبوغ الخلدوني

بين السِّمات الذَّاتيَّة و الوسط الاجتماعي

قيس مبارك

التعريف بابن خلدون

ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خالد (خلدون) الحضرمي، ولد بتونس في شهر رمضان 732هـ الموافق 1332م ، وحفظ القرآن الكريم في طفولته، وقد درس على مشاهير علماء عصره، وخاصة من علماء الأندلس الذين رحلوا إلى تونس بعدما نزلت بها الخطوب، فدرس القرآن وعلومه والتفسير والحديث والفقه والأصول ، كما درس علم المنطق والفلسفة والرياضيات .

وأساتذته أئمة أعلام، فمنهم والدُهُ، ومنهم قاضى الجماعة أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الهوارى، وإمام المحدثين والنحاة في المغرب محمد بن عبد المهيمن الحضرمي ، ومحمد بن إبراهيم الآبلي، وأحمد الزواوي، وغيره .

عمل بوظيفة كتابية في بلاط بني مرين، وعينه السلطان أبو عنان عضوًا في مجلسه العلمي بفاس.

ثم تغيَّر عليه فسجنه، وبقي في السجن ما يقارب العامين حتى توفي السلطان سنة 759هـ.

ولما آل السلطان إلى أبي سالم عيَّن ابن خلدون في ديوانه، فولاَّهُ كتابة سرِّه، وظل على هذه الوظيفة لمدَّة عامين ثم تولَّى خطة المظالم .

ثم رحل إلى غرناطة ولقي التكريم من سلطان غرناطة محمد بن يوسف بن الأحمر، وكلفة بالسفارة بينه وبين ملك قشتالة بِطْرُه لعقد الصلح بينهما، وقد أدى ابن خلدون مهمته بنجاح كبير، فكافأه السلطان وأجزل له العطاء .

ثم أرسل إليه أبو عبد الله الحفصي أمير بجاية، وولاه الحجابة عام 766هـ

غير أن الدنيا لا تدوم لأحد، فقد زال سلطان أبي عبد الله الحفصي ، وخَلَفَه ابن عمِّه الذي ما لبث أن عَزَلَ ابن خلدون .

ثم دعاه سلطان تلمسان الأمير أبو حَمُّو إليه ، وفي هذه الأثناء، زال ملك أبي حَمُّو وفرَّ من خصومه، ففرَّ بفراره ابن خلدون .

وهكذا كانت أيماً حافلة بالمحن عاشها ابن خلدون، فلعلَّها اضطرَّته إلى العودة إلى المغرب قاصداً التفرُّغ للتأليف مُعْرِضاً عن السياسة وهمومها .

فأنزل أسرته في قصرٍ في قلعة ابن سلامة التابعة لوهران بالجزائر، وبقي نحو أربعة أعوام، صنَّف فيها كتابه الشهير "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " .

وأخيرا رحل إلى مصر واستقرَّ بها إلى أن توفي بها سنة 808 هـ الموافق 1384م .

تمهيد في طبيعة النُّبوغ

لما تعلَّقت إرادة الله بخلق الإنسان اقتضت حكمته البالغة أن يختصَّه دون سائر الكائنات بصفات تُعِيْنُهُ على عمارة هذا الكون والاستفادة من خيراته كما قال سبحانه : (  هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )[1] ، فرتَّب العلاقة بين الكون وبين الإنسان لتكون علاقة مسخَّرٍ لمسخَّرٍ له، لا علاقة صراع ومغالبة، فجعل الكونَ كلَّه مذلَّلا للإنسان ومسخَّرا له، كما قال تعالى: ( اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ )[2] فالكون كلُّه مُجَهَّز ليكون الإنسانُ قادراً على اكتشافه مكنوناته، والوقوف على ما فيه من نواميس وقوانين ، ليتمكن من استخراج خيراته وتسخيرها لفائدته، وليس لهذا الكلام مِن معنىً إلا أن الله أراد من هذا الكائن البسيط أن يكون سائحاً ومُبدعاً ومكتشفاً للعوالم التي تحيط به، بحكم الفطرة والجبلَّة .

وسواء كان الإبداع هو الاستعداد أو القدرة على اكتشاف ظاهرةٍ ما، أو شيء جديد له منفعة كبيرة وإبرازه إلى حيِّز الوجود، وما يعبَّر عنه بأنه " ABILITY"، أو كان الإبداع هو العمليات السيكلوجية العملية "PROCESS" التي بها يتم ابتكار ذلك الشئ الجديد .

فإن البشر ليسوا سواءً في الفهم والذكاء، ثم إن الأحوال المعيشية التي تمرُّ بهم ليست سواءً كذلك ، فمنهم مَن هو أسعَدُ من غيره في توفُّر الأوضاع الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة الْمُعِينةِ له على النبوغ والإبداع ، ومِنهم مَن قَعَدَتْ به همَّتُه وغَلَبَتْهُ نفسُه بالكسل والخمول، عن أن يكون له شأن، وعن أن يَحْصُلَ منه نَفْعٌ .

فالنبوغ إذاً ليس وحياً يهبط من السماء، ولا إلهاماً يقع لأفراد بأعيانهم من البشر كما ذهب إلى ذلك أفلاطون، حيث عدَّ النبوغ نوعا من الإلهام الذي يأتي للحظاتٍ محدودة ثم ينتهي .

فالنبوغ إذاً هو القدرة على اكتشاف الموجود وتسخيره للناس في معاشهم .

وقد وُضِعَت كثيرٌ من التعريفات لمصطلح النبوغ والإبداع، غير أن هذه التعريفات مهما اختلف في صورها وتنوَّعت في عباراتها، فإن القاسم المشترك بينها هو الخروج عن النمط الموروث التقليدي والمعتاد، سواء كان ذلك في التفكير العلميّ أوفي السلوك العملي .

فالنابغ والمبدع هو مَن تجري على يديه أعمالٌ فكرية أو عملية تُسْهِمُ في بناء الثقافة الإنسانية وتساعد على الارتقاء بالمجتمعات، والسير بها في سُلَّم الحضارة البشرية [3].

وهذه الأعمال هي ما يُعبَّر عنها بالأعمال الخالدة، لأنها تترك تأثيراً واضحاً على أفكار عدد كبير من الناس، وتطبع سلوكاً ظاهراً على الآخرين[4]، وتعيش بين الناس، مهما تقادم الزمن .
مظاهر النبوغ الخلدوني

مهما اختلف الدارسون لشخصية ابن خلدون في أسباب النبوغ الخلدوني فإنهم متفقون على تحقُّقه بالإبداع والنبوغ، ويرون أن المقدِّمة تُعَدُّ عطاءً فكرياً، وإثراءً جليَّاً في مجال العلوم الإنسانيَّة، وقد استفاد منها الكثير من الباحثين وانعكس ذلك على آرائهم وكتاباتهم، وهذا هو الإبداع في أبسط صوره .

 ومنهم من يرى أن كتابة ابن خلدون للمقدِّمة بهذه اللُّغة العلميَّة المميَّزة، خلال فترةٍ زمنية تراجعت فيها الحضارة الإسلامية، يُعدُّ فتحاً علمياً معرفياً كبيراً، فهو علامة نبوغ وعنوان إبداع[5] .

ومن الطريف أن مِن الباحثين من عدَّ ابن خلدون مؤرخاً، ومنهم من رآه مؤسساً لِعِلْمِ الاجتماع، وربما لِعِلْمِ التاريخ، وبعضهم أضاف لذلك علم الاقتصاد وكذلك علم التربية .

وفي دراسةٍ قُدِّمت لنيل دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية، يقول كاتبها الأستاذ بجامعة بسكرة بالجزائر الدكتور الطيب داودي الدراجي ( يُعَدُّ ابـن خلـدون من الأوائل الذين قدموا تحليلا اقتصاديا علميا متكاملا ، ويحـق له أن يكون من الأوائل الذين أسسوا علـم الاقتصاد )

بل بالغ بعضهم في الاعتداد بهذا النبوغ، وجاءَ بِثَناءٍ قد لا يقبله الكثير من الناس، يقول أرنولد توينبي : (ابن خلدون قدم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تعد أعظم عمل، لم يسبق أن أنجزه عقل بشري في أي زمان وأي مكان من قبل)[6].

وكذلك يقول الدكتور عبد السلام الشدادي الباحث في جامعة محمد الخامس بالرباط ، في طبعته النقدية للمقدمة، والتي صدرت عن دار ''العلوم والآداب'' في الرباط ، فهو يذكر أن ابن خلدون في مقدمته هو الوحيد الذي درس تاريخ العالم العربي الإسلامي بطريقة علمية وشاملة، من المستحيل حتى اليوم العثور على كتاب بهذا المستوى .

وذكر لوقست [7] أن ابن خلدون ليس له مثيل في دراسته وتحليله للتاريخ .

وقد كثر الحديث عن الأسباب الكامنة وراء هذا النبوغ، فنرى الكثير من الباحثين والدارسين للظاهرة الخلدونية، يُرجعُ أسباب النُّبوغ الخلدوني إلى عوامل اجتماعية موضوعية[8]، فالنبوغ الخلدوني عند هؤلاء نتاجٌ طبيعي، وأثرٌ بيئيٌّ، فَرَضَهُ الواقع وأظْهَرَهُ للوجود، فالنُّبوغ الخلدوني عند هؤلاء عبارة عن حَتْميَّةٍ اجتماعية، لا محيصَ عنها .

ويرى آخرون[9] أن الظاهرة الخلدونية ترجع إلى صفات خَلْقيَّة، واستعدادات نفسيَّة، فالنبوغ سِمِةٌ ذاتيةٌ فُطِرَ ابن خلدون عليها، في أصل خِلْقته، فالنبوغ جِبِلَّةٌٌ راسخة فيه، وليس انعكاساً لِمُتغيِّراتٍ أثَّرَت عليه، فالنُّبوغ الخلدوني عند هؤلاء عبارة عن حَتْميَّة طبيعيَّة، بَرَزَ مِن عوامل نفسيَّة كامنة في الذات، ولا خيار للإنسان في أن يتخلَّى عن ذاته أو أن يَنْخَلِعَ عنها .

ولعل الانحياز إلى أحد الطرفين من الغُلُوّ، وقد قال الشاعر :

ولا تَغْلُ في شيءٍ مِن الأمر واقْتَصِدْ         كلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمورِ ذَمِيمُ

ولْنَتَأَمَّل في أشْهَرِ أمرٍ تحدث فيه الدارسون على أنه مظهر إبداعٍ عند ابن خلدون، وهو التجديد في كتابة التاريخ، لنرى أنه قد اجتمعت فيه عواملُ موضوعية وأخرى ذاتيَّة .

فمن العوامل الموضوعيَّة دراسته على أئمَّةٍ عظام، وهو ما أورثه سَعَةً في العلوم الشرعيَّة والطبيعية، وإطلاعه على الثروة العلميَّة الهائلة التي أنتجتها الحضارة الإسلاميَّة، ويُضاف لذلك التجربة السياسيَّة الثريَّة التي عاشها فصَقَلَتْ موهبته وأنضجت فِكْرَه .

ومن العوامل الذاتيَّة اتِّصافُهُ بصفاتٍ أهَّلته للنبوغ، مثل الذكاء والمثابرة والطموح إلى معالي الأمور الذي يتجلَّى لنا من مغامراته السياسيَّة، كلُّ ذلك بِهِمَّةٍ عالية ونَفْسٍ توَّاقة .

ولك أن تضيف لذلك رَفْضَهُ للتقليد والجمود أمام إبداعات الآخرين، فلَمْ يَقِف في دراسة التاريخ عند الحدِّ الذي وَصَلَ إليه مَنْ سَبَقَهُ مِن الرُّواد من المؤرِّخين المسلمين، الذين حَفِظوا التاريخ ونقلوه بالرواية .

وهكذا تضافرت العوامل الذاتية الشخصية مع العوامل الموضوعيَّة الخارجية لنراهما تُثمران لنا الأعمال الجليلة الجديدة المبتكرة .

فنجد ابن خلدون يشير إلى مَن سَبَقَهُ من المؤرخين مُسمِّياً منهم من وَصَفَه بالأمانة في النقل، مع نقدٍ لبعضهم ( هذا وقد دوَّن الناسُ في الأخبار وأكثروا، وجمعوا تواريخ الأمم والدول في العالم وسطروا . والذين ذهبوا بفضل الشُّهرة والأمانة المعتبرة، واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة، هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل، ولا حركات العوامل، مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي والمسعودي وغيرهم من المشاهير، المتميِّزين عن الجماهير .

 وإن كان في كتب المسعودي و الواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأَثْبات ، ومشهورٌ بين الْحَفَظةِ الثُّقات  )

فهو يصفهم بأنهم ( استفرغوا دواوين مَن قبلهم) وهذه هي الأمانة العلميَّة المطلوبة من المؤرِّخ، أن يكون أميناً في نقْله .

وهذا المعنى هو ما أشار له الإمام ابن جرير الطبري في مقدِّمة تاريخه حيث قال (وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذِكْرَه فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رَوَيْتُ من الأخبار التي أنا ذاكرُها فيه، والآثار التي أنا مُسْنِدُها إلى رواتها فيه، دون ما أُدْرَكَ بحجج العقول واسْتُنْبِطَ بِفِكَرِ النفوس، إلا اليسير القليل منه إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا )

فالطبري حين يقول (والآثار التي أنا مُسْنِدُها إلى رواتها فيه، دون ما أُدْرَكَ بحجج العقول واسْتُنْبِطَ بِفِكَرِ النفوس) يُشيرُ إلى أنه لَمْ يُعْمِل قواعد المصطلح على التاريخ، بل اكتفى بالإسناد، وَوَكَلَ التمحيص والتدقيق إلى القارئ، وهو ما اعترض ابن خلدون على الوقوف عِندَه، وَدَعَا إلى التَّقدُّم لِما بَعد مرحلة النقْل وإثبات الإسناد، وهي مرحلة دراسة وتمحيص الأسانيد .

فإنك تجده بعد أن أثنى على اشتهار الطبري وغيره بالأمانة في النَّقل عقَّب بأهمِّيَّة التحقُّق من صحَّة الروايات التاريخيَّة، فقال : ( والناقد البصيرُ قِسطاسُ نفسِه، في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم، فللعمران طبائع في أحواله تُرْجع إليها الأخبار، وتُحْمَلُ عليها الروايات والآثار)

وهو هنا لا يقول بِدْعاً مِن القول، وإنما يستنشِق من عبير ثقافته الإسلامية، وينهل من نظام معرفي إسلامي، يُعْمِلُ ما تعلَّمَهُ مِن أساتذته قواعد مصطلح الحديث، في قبول الأخبار والروايات التاريخية، وهي قواعدٌ مُنْتَظِمَةٌ وبيِّنةٌ في براهينها، واضحة في ترتيبها، قلَّما يَحصل الغلط فيها .

ومن هذه القواعد أن يَسلَم الخبر من الشذوذ في مَتْنِهِ وجوهره، وأن يَسلَم من أن يكون في سنده علَّة تقدح في قبوله .

وللشذوذ صورٌ متعدِّده، منها أن يَرْويَ الثقةُ خبراً قد خالَفَهُ فيه الناسُ ، ومنها أن يتفرَّد الثقةُ بمخالفة مَن هو أوثقُ منه، فيحصل الشذوذ الذي يقدح في صحَّة الخبر .

وأما التعليل ، فمداره على بيان الاختلاف في الروايات وإمكان الجمع بينها، والعلَّة قد تقع في سند الخبر، وقد تقع في مَتْنِهِ من أوْجُهٍ مختلفة، وربَّما وَقَعَتْ العلَّة في أخبار مَن يوثَقُ به، ولذلك عدَّه العلماء من أغمض أنواع علوم المصطلح وأدقِّها .

فابن خلدون في مقدِّمته آخذ ولا شك بعلم مصطلح الحديث، ومستفيد منه ، كيف لا وهو الفقيه[10] الأصولي العالم بالحديث وأصوله، يشهد له في ذلك إسناد منصب قاضي قضاة المالكية بمصر إليه، وقد شهد العلماء له بذلك، ووصفه الإمام الحطاب في مقدمة كتابه مواهب الجليل بشرح مختصر خليل (العلامة المؤرخ قاضى القضاة أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون)  فمِن هنا فإن ابن خلدون استفاد مِن عِلْمِ السابقين وأعْمَلَه في رواية الوقائع والأحداث التاريخية .

فنجده يؤكِّد هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، فمنها قوله عن واجب المؤرِّخ : ( فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحُسنِ نظر وتثبُّت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتُمِدَ فيها على مجرَّد النَّقل، ولم تُحْكَم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قِيْسَ الغائبُ منها بالشاهد، والحاضرُ بالذاهب، فربما لم يُؤْمَنُ فيها من العثور ومَزِلَّة القَدَم، والْحَـيْدِ عن جادَّة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرَّد النقل، غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فَضَلُّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر، ولا بد من ردِّها إلى الأصول وعرضِها على القواعد )

 فهو عندما يقول (ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها) يشير إلى مبحثي العِلَّة والشذوذ في علم المصطلح .

ومثل ذلك قوله : (وحينئذ يَعرض خبر المنقول على ما عِنده من القواعد والأصول، فإنْ وافَقَها وجرى على مقتضاها كان – أي الخبر التاريخي - صحيحا، وإلا زيَّفَهُ واستغنى عنه )

ومن ذلك قوله : (فإذاً يحتاج صاحبُ هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السِّيَرِ والأخلاق والعوائد والنِّحل والمذاهب وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتَّفِق منها والمختلِف[11] ، والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم )

وقوله : (فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب)

فهو يشير بذلك إلى ما ذكره علماءُ المصطلح، من أن الْوَاحِدَ إذا تَفَرَّدَ بِنَقْلِ مَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فإنَّ تَفَرُّدَهُ بذلك الخَبَر يُوهِمُ الْكَذِبَ في الخَبَر، لأن الخبر الذي تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ويَحْتَاجُ إليه الكلُّ يكثر السؤال عنه وما كثر السؤال عنه يكثر الجواب فيه وما كَثُرَ الجوابُ فيه كَثُرَ نَقْلُهُ فإذا انفرد به واحدٌ كان الانفرادُ ريبةً فيه، بخلاف ما إذا انفرد الواحدُ برواية خبرٍ لا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فهو أَبْعَدُ من الكذب .

وأما الأخبار المستحيلة، أي التي يُحيل العقلُ وقوعها عقلاً، لِبُعْدِها عن الإمكان، فقد ذكر أن أحكام الجرح والتعديل لا تَجري عليها، لأنها باطلةٌ ابتداءً، فقال : (وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع. وأما إذا كان – يعني الخبر - مستحيلا، فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح، ولقد عَدَّ أهل النظر[12] مِن المطاعن في الخبر : استحالةُ مدلولِ اللفظ وتأويلُه بما لا يقبله العقل ) .

فالمعروف في علم مصطلح الحديث أنه إذا كان مدلولُ اللفظ المنقول مستحيلاً، أو جرى تأويلُه بما لا يقبله العقلُ، جازَ لنا أن نطعن في صِحَّته .

ويُفرِّق ابن خلدون بين الإخبار عن الأوامر والتكاليف وبين الإخبار عن الحوادث والوقائع، فالتكاليف أوامرُ إنشائيَّة، يكفي في معرفة صحَّتها أن نَقِفَ على ثِقَةِ الناقلين لها، عملاً بقانون الجرح والتعديل، أما الوقائع والحوادث فيلْزمُ أن ننظُرَ في إمكان وقوعها أولاً، فنرفض المستحيل منها، فلا فائدة في عرضه على قانون الجرح والتعديل، ونعرِضُ الممكن منه على قانون الجرح والتعديل لنتحقَّقَ مِن ثِقَةِ الناقلين له .

 فيقول : ( وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية، لأن معظمها تكاليف إنشائية أوْجَبَ الشارعُ العمل بها، حتى حصل الظنُّ بِصِدْقِها، وسبيلُ صحة الظنِّ : الثقةُ بالرواة بالعدالة والضبط، وأما الإخبار عن الواقعات فلا بدَّ في صِدْقِها وصحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن يُنظر في إمكان وقوعه، وصار فيها ذلك أهمَّ من التعديل ومقدما عليه، إذْ فائدةُ الإنشاء مقتبسةٌ منه فقط، وفائدةُ الخبر مِنْهُ ومِن الخارج بالمطابقة، وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة، أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونُميِّزُ ما يَلْحَقُهُ من الأحوال لِذَاتِهِ وبِمُقْتضى طَبْعِهِ، وما يكون عارضاً لا يُعتدُّ به، وما لا يمكن أن يَعْرِضَ له، وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانوناً في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهانيٍّ لا مدخل للشك فيه )

 

فابن خلدون كان سائحاً باحثاً عن الحقيقة، فَرَفَض الجمود والتَّقليد لأقوال مَن سبقوه، بل أَبَى عليه طموحه إلا الإبداع والابتكار، فهو سائرٌ على أَثَرِ الأئمَّة قبله، كما قال الإمام الغزالي رحمه الله في آخر كتابه ميزان العمل : ( واطلب الحق بطريق النظر لِـتكون صاحب مذهب ولا تكن في صورة أعمى :

خُـذْ ما تَراهُ وَدَعْ شيئاً سَـمِـعْتَ بِهِ *** في طَلْعَةِ الشمس ما يُـغنيك عن زُحَلِ )

ولذلك نجده يضرب أمثلة كثيرة لأغلاط المؤرخين، في عدم التِفَاتِهِم إلى قواعد علم مصطلح الحديث، في دراسة الأسانيد، والتمييز بين صحيح الأخبار وسقيمها، وبين الشاذ منها والمحفوظ، وبين المعلول منها وغير المعلول .[13]

فمِن ذلك أنه عَابَ على بعض المؤرِّخين ما نَقَلوه عن الخليفة هارون الرشيد أنه كان يشرب الخمر، وهو نَقْلٌ يُخالف المعروف مِن سيرته، ويخالف المنقول بطُرُقٍ مستفيضة عنه من وَرَعِهِ وديانته، وقد علَّق على ذلك ابن خلدون بقوله : ( فحاشا الله ما عَلِمْنا عليه مِن سوء، وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة )

وقوله : (وكثيرا ما يَعْرِض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة، ويَنْقُلُونَها وتُؤْثَرُ عنهم، كما نقله المسعودي عن الإسكندر لَمَّا صَدَّته دوابُّ البحر عن بناء الإسكندرية، وكيف اتَّخَذ صندوق الزجاج وغاص فيه إلى قعر البحر، حتى صوَّر تلك الدواب الشيطانية التي رآها، وعَمِلَ تماثيلَها من أجسادٍ معدنية، ونصبها حذاء البنيان، ففرَّت تلك الدوابُّ حين خرجت وعاينتها، وتَمَّ بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافةٍ مستحيلة )

وقوله : (ومن الأخبار المستحيلة ما نقله المسعودي أيضا في تمثال الزرزور الذي برومة تجتمع إليه الزرازير في يوم معلوم من السنة حاملةً للزيتون، ومنه يتخذون زيتهم، وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت )

وقوله :(ومنها ما نقله البكري في بناء المدينة المسماة ذات الأبواب تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة، وتشتمل على عشرة آلاف باب، والمدن إنما اتُّخِذَت للتَّحَصُّن والاعتصام كما يأتي، وهذه خرجت عن أن يُحَاطَ بها، فلا يكون فيها حصن ولا معتصم )

فالتجديد والإبداع عند ابن خلدون ليس وليداً لسبب واحد، ولا يصحُّ تفسيره بنظريَّة العامل الواحد، وإنما هي صِفاتٌ ذاتيَّة وهبها له الله، كانت تُمَثِّل القاعدة الصُّلبة، وساعَدَ في صقْلِها علوم ومعارف استقاها وتلقَّاها مِن أفواه الشيوخ، وأنضجتها تجربة حياتيَّة كلُّها ترحال وتنقُّل .

ولا يفوتني أن أُأَكِّدَ على أنَّ كثيراً مِن آرائه كانت موجودة عند سابقيه، ومنثورةً في مؤلَّفاتهم، وكان لهُ سَبْقٌ في جَمْعِها من مظانِّها، وفي بَسْط القول فيها والتفصيل .

فهذا الحافظ أبو بكر ابن العربي المتوفَّى سنة 543 هـ يبيِّن حكمة الله تعالى في وَضْعِ العبارات الدالة على المعاني في كتابه في أصول الفقه "المحصول" فيقول : ( فنقول لَمَّا كان الإنسانُ مَدَنِيَّاً بالْجِبِلَّةِ مُفْتَقِراً إلى الصُّحبة بالضرورة، لأنه خُلِق خَلْقاً لا يستَقِلُّ بِمَعَاشِهِ ولا يستبِدُّ بمنافعه، بل هو مُفْتَقِرٌ في ذلك إلى غيره، وكان ذلك الغير إما مجتمعنا معه وإما مُبَايِناً عنه، والمنفعةُ التي يفتقر إليها إما حاضرةٌ وإما غائبةٌ، وكانت الإشارةُ موضوعةً لاختلافِ المنفعة وسَدِّ الخلَّة في الحاضر، وَوُضِعَت العبارةُ لِتَقُوم مقامَ ذلك في الغائب، فهذه حكمةُ الله تعالى في وَضْعِ العبارات الدالة على المعاني ) [14]

وإن كتب الفقه والأصول ملأى مِن العبارات التي تدلُّ على أن علم العمران البشري ( علم الاجتماع ) كان مُسمَّىً ليس له اسم يَخُصُّه، غير أنه أصبح بعد ابن خلدون علما لَهُ اسمٌ يُعرَفُ به، وقانون ينضبط به .

ولعلَّ مِن حُسْن الطالع لابن خلدون أن وَفَّرَ الله له بيئةً أعْطته فرصةً لَمْ تتيسَّر لغيره، وإلا لو كان عَيْشُهُ في باديةٍ قاحلة، أو في قرية نائية، لَمَا تيسَّرَ له طلب العلم ولَمَا رأينا منه نبوغاً، ولَمَا سَمِعنا عنه شيئاً .

 


 

[1] هود : 61 .

[2] إبراهيم : 32 .

[3] انظر:

      1-روشكا، ألكسندر- الإبداع العام والخاص - ترجمة: غسان عبد الحي أبو الفخر- عالم المعرفة-  العدد144- الكويت- 1989.

2-سايمنتن،  -العبقرية والإبداع والقيادة – ترجمة شاكر عبد الحميد- عالم المعرفة- العدد176- الكويت-  1993.

3-الظاهرة الإبداعية- عالم الفكر- العدد4- المجلد 15- الكويت- 1985.

[4]  سايمنتن،  -العبقرية والإبداع والقيادة – ترجمة شاكر عبد الحميد- عالم المعرفة- العدد176- الكويت-  1993.

[5] الذوادي، محمود : أضواء جديدة على محددات العقل العمراني الخلدوني،تونس، مركز النشر الجامعي، 2003 ، ص65 .

[6] Toynbee,A.1965,The study of History, London, Oxford University Press,P372.

[7] Y. Lacoste,1998, Ibn Khaldoun, Naissance, de l'histoire, passé du Tiers Monde. Paris, La Decouverte / Poche

[8] محمد عابد الجابري:  العصبية والدولة ، معالم النظرية الخلدونية في التاريخ الإسلامي، بيروت : دار الطليعة، ط3، 1982م .

[9]  وهو ما يتَّفق مع بعض البحثين في ظاهرة الإبداع وربطهم الإبداع بالذَّات ، أو بالإلهام كما يقول أفلاطون.

[10] وأقواله مُعتدٌّ بها عند الفقهاء، فقد جاء في منح الجليل شرح مختصر خليل في باب باب في أحكام الشهادة عن حكم الاشتغال بعِلْمِ الْكِيمْيَاءِ ( وَرَجَّحَ أَبُو زَيْدِ ابْنُ خَلْدُونَ أَنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ وُجُودِهَا, فَانْقِلابُ الأَعْيَانِ فِيهَا مِنْ السِّحْرِيَّاتِ لا مِنْ الطِّبِّيَّاتِ )

[11]  والنظر في الاختلاف في الروايات عليه مدار العِلَّة التي قد تقدح في صحَّة الخبر، كما معروف عند علماء المصطلح .

[12]  أي علماء فنِّ مصطلح الحديث .

[13] وقد فصَّل القول في ذلك في الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب: ص46 .

 

[14] ابن العربي، أبو بكر المحصول في أصول الفقه، بيروت ، دار ابن حزم، 2003 ، ص4 .

 

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس