exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


موقف ابن خلدون من علمي الكلام والتصوف

د. ساعد خميسي جامعة منتوري، قسنطينة

مقدمة

تنطلق هذه الدراسة من فكرتين تبرران موقف صاحب "المقدمة" و" شفاء السائل لتهذيب المسائل" من علم الكلام ومن التصوف، كما تبرران الجمع بينهما في دراسة واحدة.

يتمثل المنطلق الأول في المنزلة التي وضع فيها "مالك بن نبي"(1905-1974) ابن خلدون، ضمن تفسيره الروحي والدوري[1]  للحضارة وللتاريخ، حيث عده خلاصة الحضارة الإسلامية، وآخر حلقة في سلسلة ازدهارها، لتأتي بعده سلسلة النزول والاضمحلال والخروج عن دورة الحضارة والدخول في الليل الطويل للتاريخ. وهي المنزلة التي تعكس موقف ابن خلدون من علم الكلام ومن التصوف باعتبارهما من العلوم الحادثة. فالملّة بطاقتها الروحية هي المولدة للحضارة والدافعة لها دفعة أولى، حسب مالك بن نبي، والتي تجسدت في الحضارة الإسلامية انطلاقا من نزول الوحي إلى غاية معركة صفين. ثم جاءت بعدها مرحلة العقل التي امتدت في الحضارة نفسها من معركة صفين إلى عهد ابن خلدون« الذي أضاءت عبقريته غروب الحضارة الإسلامية في نهايتها»[2]. ثم نزل المنحنى البياني لمسيرة الحضارة في مرحلة سمّاها "بن نبي": "مرحلة الغريزة" لتنغمس تدريجيا في لجج التخلف والتبعية لحضارة الغير.

وأما المنطلق الثاني فهو عبارة عن قول لسيد الطائفة الجنيد، استدل به ابن خلدون في خاتمة الفصل الذي خصه لعلم الكلام في "المقدمة"، ويمهد في الآن نفسه لما سيأتي في الفصل الموالي الخاص بالتصوف، حيث يورد ابن خلدون هذا النص بقوله:« ولقد سئل الجنيد رحمه الله عن قوم مر بهم بعض المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص، فقال: نفيُ العيبِ حيث يستحيلُ العيبُ عيبٌ.»[3] فالذي يفهم من هذا النص أن البديل عن العقل في معرفة الحق وتوحيده هو الكشف مع النص لا العقل. ولكن لا يعني هذا أن كل كشف دال على علم يقيني، كما إن منهج العقل ليس مرفوضا على الإطلاق. وهذا من مبررات جمع هذه المداخلة لموقف ابن خلدون من علمين، يرفض فيهما أمورا ويقبل بأخرى، وقد يأتي الواحد منهما بديلا عن الثاني. وأما باقي المبررات فنوجزها على النحو الآتي.

من مبررات الجمع بين علم الكلام والتصوف في الحديث عن موقف ابن خلدون منهما:

لقد عدّ ابن خلدون كلا من علم الكلام والتصوف من العلوم الحادثة في الملة، وإن لم يذكر التصوف كعلم نقلي أو شرعي[4] غير أن وضعهما متتاليين في "المقدمة" بما يوحي بأن التصوف قد يعوض علم الكلام، كما يوحي بتداخل بينهما يكمن في ما يعنى به كل علم وهو الباطن والأصول، في مقابل الظاهر الذي هو من مهمة الفقيه المعني بالفروع؛ بمعنى أن التصوف وعلم الكلام يهمهما جانب التصورات في الدين، أو الجانب القلبي، في مقابل اهتمام الفقه بالجانب العملي. ويُعبر عن كل هذا بثنائية ظاهر الدين وباطنه، أو ثنائية الشريعة والحقيقة. فالتصوف وعلم الكلام همهما الحقيقة، والاعتقاد الصحيح بها.ولكن مثل هذا الهم المشترك لا يعني أن العلاقة بين العلمين علاقة هوية، فالكلام ليس هو التصوف، فقد يحدث التداخل بينهما، ولكن يبقى لكل علم ما يتميز ويتفرد به.

 

وبناء عليه كيف نفسر موقف ابن خلدون من علمين في ظروف مكانية وزمانية بعيدة عن ظروف نشأتهما، خاصة وأن علم الكلام نضج لما كانت الحضارة الإسلامية في أوج عطاءاتها، وكانت الاختلافات الكلامية بالرغم من حدتها أحيانا تعكس مستوى راق من التفكير وتهدف إلى الإقناع بالحجة والبرهان، على اختلاف تنوع البراهين وتعددها والتي يصفها الفارابي ببراعة في إحصاء العلوم. في حين يحكم ابن خلدون بعد كل هذا بزمن طويل بأن علم الكلام فقد مبررات وجوده. ولا يتخذ الموقف نفسه من التصوف، بالرغم من أنه شكل منذ نشأته جدلا واسعا حول مشروعيته ومدى أصالته، كما يطرح تساؤلا حول حقيقته هل يعبر عن قمة فكر وكمال المسالك النظرية والعملية، أم يعبر عن هروب عن الواقع وارتماء في أحضان السلبية والاستسلام، وبالأحرى هل هو ظاهرة سلبية أم إيجابية في المجتمع؟ وهل يعكس تواجده في عهد ابن خلدون تمسكا بالدين أم تخلي عن العقل وعن مقاليد الحضارة؟

ومن الأمور التي تستدعي الحديث عن العلمين مع وموقف ابن خلدون منهما هو أهمية الغزالي ومنزلته في الغرب الإسلامي، إذ يعتبر أبو حامد سببا جوهريا في تداخل علم الكلام بالتصوف، نظرا لأثره الكبير الذي كان ولا يزال على عقيدة المغاربة وعلى تجاربهم الصوفية، كما له الأثر في رفضهما لتعلقهما بالفلسفة لرفضه هو الفلسفة والحكم على أصحابها بالكفر والخطأ خاصة في الإلهيات. لهذا كانت تجربة الغزالي الصوفية دوما مساوقة لآرائه العقدية.

بالرغم من وصول المذهب الأشعري المغرب الإسلامي في وقت مبكر إلا أن ذيوعه من خلال الغزالي كان أكبر وأكثر تأثيرا، والسبب قد يكون حملة المرابطين عليه مما ولد نتيجة عكسية من جهة، وظهور شخصيات مغاربية مؤثرة كانت مشبعة بفكر الغزالي وحاملة في الآن نفسه لتجربته الصوفية، أمثال: أبي بكر ابن العربي المعافري والمهدي بن تومرت وأبي مدين شعيب، من جهة ثانية. ولهذا كله حيث كان التصوف بالمغرب كانت العقيدة الأشعرية ممثلة بفكر الغزالي وتجربته، لكن بنسب متفاوتة من شخص لآخر، فأثر الغزالي العقدي كان بارزا بشكل واضح في ابن العربي الفقيه وابن تومرت في حين الأثر الصوفي كان أظهر عند أبي مدين شعيب و من بعده ابن العربي الصوفي، ولو أن الجميع ساهم في عودة الغزالي إلى المغرب الإسلامي بقوة، ولم تفلح حملة ابن رشد بتهافت التهافت في الإنقاص من قيمة حجة الإسلام بالرغم مما أحدثته من أثر وقد يكون ذلك الأثر واضحا إلى حد ما في فكر ابن خلدون الجامع بين عقيدة أشعرية ومذهب مالكي مفعم بعقلانية رشدية وأخرى سينوية.

لقد أراد ابن خلدون أن يكون غزاليا في المغرب بعقيدته الأشعرية، وبتصوفه السني، و بنقده للفلاسفة، ولكن منهجه في تفسيره للوقائع ولبعض الأفعال تفسيرا عقليا ينم عن أثر سينوي رشدي، وقد يكون سينويا أكثر لما يميز فلسفة ابن سينا المفتوحة على التصوف خلافا لفلسفة ابن رشد المنتصرة للعقل على حساب الكشف. ويعكس كل هذا تداخلا لا يمكن إنكاره بين مختلف العلوم السائدة في الحضارة الإسلامية وبصفة خاصة بين الكلام والتصوف والفلسفة، بالرغم من أن تبرير الوجه الرافض من ابن خلدون للكلام وللتصوف بسبب علاقتهما بالفلسفة.

لهذا هناك من ذهب إلى أن القرون الهجرية الثلاثة: السابع والثامن والتاسع ميزها تداخل وتعايش العلوم الدينية والعقلية. فلقد كان الصوفية «من المشتغلين بعلوم الحديث والأصلين والأمور العقلية والخلافيات الفقهية جميعا...وهذه المعايشة السلمية بين التصوف والعلوم العقلية والدراسات الفقهية في الشمال الإفريقي، إبان هذه القرون الثلاثة، مثال طيب يستدل به على أن الحياة العقلية الروحية كل لا يتجزأ. وعلى أن علوم الحقيقة لا تتنافى بالضرورة مع علوم الشريعة، وعلى أن علوم الباطن متممة لعلوم الظاهر. ولا تفسير في رأيي لهذه المعايشة السلمية بين التصوف والفقه و المعقول والمنقول عند رجال هذه القرون إلا إذا أرجعناها إلى سببين: قوة الروح الدينية عندهم من ناحية، وعدم غلبة الجدل عندهم من ناحية ثانية»[5] 

ثم إن من مبررات جمعنا بين الكلام والتصوف ههنا هو الرابط الفلسفي الذي يجمعهما وهو مبرر رفض ابن خلدون لهما، ثم الرابط الديني الأصيل أو العقيدة الصحيحة التي تجمعهما وهو مبرر قبول ابن خلدون لهما . إن موقفه في نهاية المطاف من علم الكلام ومن التصوف تعكسه أصالة ونقاوة العقيدة وبدعة وضلال الفلسفة وعقائد الباطنية. وهو الأمر الجامع لعلم الكلام بالتصوف ههنا كما أنه الأمر الذي يعكس انتماء ابن خلدون العقدي للأشاعرة، من جهة، ومنصب الفتيا وقربه من السلطان من جهة أخرى، كما يعكس سعة إطلاع الرجل على العلوم التي سادت الحضارة الإسلامية وأصولها أيضا، ومع هذه السعة اضطراب في المواقف لتعدد المعارف واختلافها باختلاف الظروف والأحداث التي عاشها ابن خلدون مع الكم الهائل من الوقائع التي أرخ لها وعمل على تصحيحها وتوخي العقلانية في ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج منها.

وفي الأخير، وبالنظر إلى تواجد ابن خلدون في آخر عربة في قطار الحضارة الإسلامية هل يمكن اعتبار التصوف من وجه ما بأنه نهاية الكلام والفلسفة بحيث يقدم كحلول قطعية يجب التسليم بها دون براهين بحجة عجز العقل وكثرة خطأِه كما أسس لذلك الغزالي؟ وإن كان مثل هذا الكلام يخالفه عبد الوهاب الشعراني[6] (898هـ/1493م-973هـ/1565م) التلميذ غير المباشر لابن خلدون، صاحب كتاب اليواقيت والجواهر، وهو كتاب وإن ألفه في الدفاع عن ابن العربي الصوفي، ردا على هجمات الفقهاء عليه، بما فيهم ابن خلدون، سواء في المقدمة أو في "الشفاء"، غير أنه عمل فيه على البرهنة على أن النظر لا يعارضه الكشف، يقول الشعراني عن مؤلفه:« هذا كتاب ألفته في علم العقائد...حاولت فيه المطابقة بين عقائد أهل الكشف وعقائد أهل الفكر...فقصدت بيان وجه الجمع بينهما لتأييد كلام أهل كل دائرة بالأخرى. وهذا أمر لم أر أحدا سبقني إليه.»[7] فما هو موقف ابن خلدون من علم الكلام؟ وكيف كان ذلك الموقف أساسا لموقفه من التصوف؟

موقف ابن خلدون من علم الكلام:

خصّ ابن خلدون علم الكلام بفصل في "المقدمة" حدد فيه مفهومه وموضوعاته ومنهجه وأهم شخصياته ثم ضرورة وجوده، وخلص في الأخير إلى محاولة البرهنة على أن هذا العلم أصبح في عهده فاقدا لمبررات وجوده، بل وجوده في الأصل اضطراري فقط.

فلقد ضُبِط مفهوم علم الكلام في المقدمة بأنه: « علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية و الرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد. »[8]  وفي موضع آخر من "مقدمته" قال ابن خلدون محددا منهج وموضوع علم الكلام فقال:« بالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك.»[9]

واضح من هذا التعريف النزعة السنية الأشعرية لابن خلدون والاعتقاد الجازم بصحة عقائد أصحابها، في مقابل خطأ عقائد مخالفيها وعدهم من المبتدعة الذين ما استحدث علم الكلام في الملة إلا لمواجهتهم وردهم إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، مستعملين في ذلك وكما يبدو من التعريف المنهج العقلي، وبهذا المعنى يصبح خصوم الأشاعرة وحججهم ليست من علم الكلام بل هي عقائد مبتدعة يجب التخلي عنها.

ولقد أخذ ابن خلدون بتعريف الغزالي لعلم الكلام حتى كاد أن يكون بنفس العبارات، حيث جاء في تعريف الغزالي لعلم الكلام قوله:« «حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها من تشويش أهل البدعة.»[10] وما علماء الكلام إلا طائفة أنشأها الله «وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة فمنه نشأ علم الكلام وأهله»[11] ولم يكن ابن خلدون السباق من المغاربة في الأخذ بتعريف الغزالي حرفيا لعلم الكلام فلقد ذهب ابن العربي الصوفي المذهب نفسه عندما تحدث عن مفهوم علم الكلام وعن ضرورة وجوده، وكيف تكفل علماء الأشعرية بالذود عن عقيدة التوحيد عقيدة أهل السنة والجماعة فقال:« «فمهما برز في ميدان المجادلة بدعي برز له أشعري، أو من كان من أصحاب النظر. ولم يقتصروا على السيف. رغبة منهم وحرصا على أن يردوا واحدا إلى الإيمان، والانتظام في سلك أمة محمد g بالبرهان. إذ الذي كان يأتي بالأمر المعجز على صدق دعواه، فقد فقد، وهو الرسول – عليه السلام.»[12] ويقول كذلك محددا مواضيع علم الكلام ومنهجه:«وعلماء هذا العلم رضي الله عنهم ما وضعوه وصنفوا فيه ما صنفوا ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله، وإنما وضعوه إرداعا للخصوم،الذين جحدوا الإله أو الصفات، أو بعض الصفات، أو الرسالة، أو رسالة محمد g خاصة، أو حدوث العالم، أو إعادة إلى الجسام بعد الموت، أو الحشر والنشر، وما يتعلق بهذا الصنف... فطلب علماء الكلام إقامة الأدلة عليهم، على الطريقة التي زعموا أنها أدلتهم إلى إبطال ما ادعينا صحته خاصة. حتى لا يشوشوا على العوام عقائدهم.»[13]

من خلال تعريف ابن خلدون لعلم الكلام المأخوذ عن الغزالي و المتخذ لحجة الإسلام نموذجا عن العالم الموفق في الدفاع عن عقيدة السلف، لم يكتف من تضييق دائرة علم الكلام من حيث الموضوع والمنهج، بل ذهب إلى أنه علم ما كان ليكون بين المسلمين، لاعتماده وسيلة عاجزة على معرفة عقيدة التوحيد معرفة تامة، فهو غير ضروري، ومن الأفضل التخلي عنه باعتماد النص أو الكشف، لأن الكشف هو علم بالنص وممارسته سلوكا، أو هو أعلى درجات المسلم الذي أسلم وآمن وبلغ مقام الإحسان[14]. ويبدو هذا الرفض واضحا من خلال النقد المباشر لاستعمال العقل لبلوغ التوحيد باعتماد مبدأ العلية الأرسطي.

وللبرهنة على عجز العقل في الوصول إلى المراد من الاعتقاد الصحيح، قدم ابن خلدون مثالا على استعمال النظر في الحجاج على جوهر العقائد الإيمانية ضمن "علم التوحيد"، ومفاد ذلك أن الحوادث سواء ذوات أو أفعال بشرية أو حيوانية  لها أسباب واقعة في مستقر العادة، وكل سبب هو أيضا حادث له سبب نتج عنه، حتى تنتهي السلسلة إلى مسبب الأسباب. والإنسان عاجز بما له من أدوات إدراك تتعلق بمحسوس أو مسموع وسائر المدركات التي لا تحيط بكل الأسباب ومسبباتها، خاصة وأن هذه الأسباب في من الظواهر الكثيرة بما يعجز الإنسان على حصرها وعدها، وفيها الأكثر مما لا يدرك حسا وهو في الغالب أحاسيس وتصورات متشعبة، فلا يحيط بالأسباب إلا خالقها، لهذا على الانسان إذا أراد البرهنة على التوحيد أن يلجأ إلى الإله الواحد مباشرة[15]. ولم يكتف ابن خلدون بالنهي على هذا الدليل الفلسفي بل حرمه ودعا إلى توحيد الله توحيدا مباشرا كما نص على ذلك الوحي، مستدلا  بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ*﴾[16]

وكان في ذلك ابن خلدون محاكيا لما قاله ابن العربي الصوفي عن الأدلة العقلية القاصرة على إدراك التوحيد، بل كان أكثر تشدد منه، فصاحب الفتوحات المكية ذهب أيضا وبرؤية غزالية واضحة تهدف إلى إلجام العوام عن علم الكلام إلى تقديم الحجج التي تجعل العامة من الناس في غنى عنه، بل تجعل المسلم بوجه عام في حلٍّ من الخوض في المسائل الكلامية أو اعتماد النظر للتبرير والتعليل العقليين على صحة التصورات العقدية؛ لأن المسلم يتلقى عقيدته من النص قرآنا وسنة معتقدا بصحتهما وبيقينية معرفتهما، ومعتقدا بأن النص الذي يبلغه بتواتر لا تجريح ولا قدح في صحته، فإذا كان متيقنا من كل ذلك مصدقا بما جاء في ظاهر عباراته، فلا مجال لأدنى ريب. وعليه فلا حاجة له إلى الأدلة العقلية!، لأن العقل دلّ على أن القرآن كلام الله وأن الرسولgهو المبعوث إلى أمته بالحق. وعن عدم حاجة المسلم المؤمن بما جاء في القرآن و السنة إلى علم الكلام، وللتدليل على مشروعية ما ذهب إليه من موقف حائل دون اشتغال العامة من المسلمين بعلم الكلام استدل ابن العربي بما ورد عن الرسولg لما سأله بعض اليهود أن ينسب لهم ربه نزلت سورة الإخلاص[17]، فاثبتت وجود الله ونفت عنه العدد وأثبتت الأحدية له، كما نزهته عن التجسيم وعلى أن يكون له والد وولد، ونفت عنه الصاحب و الشريك، وبعد ما جاء في سورة الإخلاص  من تنزيه يستغرب ابن العربي، كما يفعل من بعده ابن خلدون من أن « يطلب صاحب الدليل العقلي البرهان على صحة هذه المعاني بالعقل و قد دل على صحة هذا اللفظ.»[18]

ويذهب ابن خلدون في موقفه الرافض لعلم الكلام بالرغم من ضرورته الظرفية إلى أن هذا العلم وباعتماده العقل وتماديه في ذلك اتجه أصحابه من النظار المتأخرين لإلى الخوض في مبحث الإلهيات والطبيعيات وأصبح الكلام يشمل موضوعات مثل الماهيات والوحدة والكثرة والإمكان، حتى اختلط علم الكلام بالفلسفة فانحرف عن الغرض الذي وجد لأجله، يقول ابن خلدون في هذا الصدد:« ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ودونوا فيها ورد عليهم الغزالي ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائلة بمسائلها فصارت كأنها فن واحد ... وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوة بها، كأن الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد، والتبس ذلك على الناس وهو صواب؛ لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعويل عليه... فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره.»[19]

كل هذا الرفض لعلم الكلام لارتباطه بالفلسفة ولاعتماد العقل في بلوغ التوحيد، قد يكون ممهدا من ابن خلدون، كما كان عند ابن العربي لاعتماد "الكشف": المنهج الصوفي، ولكن قبل ذلك يجب اعتماد النص لأنه من صاحب التوحيد نفسه، ولا أحد أعرف بالله من الله. ولكن هذا لا يعني أن ابن خلدون يرفض العقل مطلقا فهو فيلسوف التاريخ الذي قوم فعل التأريخ بإخضاعه لمعيار العقل، فالعقل معيار صحيح لا يخطئ في نظر ابن خلدون ولكن فيما هو ميسر له، وهنا يبدو وبوضوح المنحى الأشعري الغزالي لفكر ابن خلدون عند الحديث عن حد للعقول تقف عنده، قبل ذلك عند الحديث عن الربط بين الحوادث والأسباب بمقتضى العادة لا بمقتضى الوجوب و التلازم، أو كما يعرف بقانون العلية وحتميته. وهو ما عبر عنه بقوله بأن الحوادث لها «أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة»[20]

فالعقل إذن هو القسطاس المستقيم فيما وضع له، و"ميزان الذهب لا نزن به الجبال"، يقول ابن خلدون عن دور العقل في المعرفة :« العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته.»[21]

لم يكتف ابن خلدون بجعل علم الكلام علما حادثا لأجل الدفاع عن عقيدة السلف ضد المبتدعة، بل جعله بمثابة المهمة المنتهية، لأن الدفاع عن العقيدة تم التكفل به من علماء أشاعرة أمثال الجويني[22] (419/1028-478/1085) و الغزالي وغيرهما، لهذا قال:« وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا الأدلة إنما احتاجوا حين دافعوا وانصرفوا وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزَّه البارئ عن كثير إيهامه وإطلاقه»[23] وهو فيما يبدو يعكس واقعا زال فيه التحدي العقدي لضعف المسلمين عامة؛ لأن التاريخ يثبت أن عصر ابن خلدون هو عصر الاختلافات و كثرة البدع والفتن التي تحتاج إلى علماء يدافعون عن العقيدة بصفائها الأول، وهو الواقع نفسه الذي ربما يبرر وجود علماء متشددين في ضرورة التمسك بالنص و بظاهره ومحاربة كل أشكال البدع دون التفرقة بين المستحسن منها والمستهجن؛ لأن في اعتقادهم كل بدعة ضلالة. ولكن مثل هذا الموقف من علم الكلام يثير الاستغراب عند مطالعة كتاب ابن خلدون:"لباب المحصل في أصول الدين"  مما قد يشكك في نسبة الكتاب إليه، أو على الأقل يؤكد ما قاله محقق الكتاب من أن ابن خلدون كتبه في وقت مبكر من حياته[24]، بمعنى أنه ثمرة تحصيله العلمي، وتجسيدا لسعة الإطلاع؛ لهذا جاء ليختصر كتاب المحصل للرازي ولتلخيص المحصل لنصير الدين الطوسي، والجمع بين الرازي والطوسي مثار للسؤال عن علاقة ابن خلدون المنتصر للأشعرية بنصير الدين الطوسي؟

أما ما رأيناه من حصر لعلم الكلام في أنه جاء ليدافع عن مذهب بعينه دون سائر المذاهب، أو اعتبار سائر المذاهب خارج دائرة علم الكلام أو أن هذا العلم وجد لمواجهة انحرافات باقي المذاهب الكلامية، كل هذا جعل منه تعريفا ذي دائرة ضيقة لا يرقى إلى شمولية تعريف أبي نصر الفارابي لهذا العلم، حيث قال:«صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملة وتزييف. ما خالفها بالأقاويل.»[25] ولا غرابة في ذلك لأن الفارابي ما خص بلقب المعلم الثاني إلا لضبطه مفهوم علم الكلام وسائر العلوم السائدة في عصره وتحديد معالمها و مجالاتها. وقد جاء تعريف الفارابي في ظاهره خاليا من التعصب لمذهب بعينه، كما شمل الدفاع عن الدين أصولا وفروعا، ليس بمعنى الخلط بين علمي الكلام و أصول الفقه، وإنما عالم الكلام يرمي إلى الدفاع عن الإسلام معتقدا وممارسة، فهو يذود عن الفقه وعن اجتهادات الفقيه بما أنها جزء من الدين دون أن يتدخل في الاجتهاد، وإذا فعل ذلك كان فقيها من حيث اجتهاده لا من حيث نصرته له. ومثل هذا الجمع بين الفقه والكلام هو نفسه الجمع بين الفقه والتصوف عند ابن خلدون. وبهذا تظهر النزعة الفقهية عند ابن خلدون كما ظهرت النزعة الفلسفية عند الفارابي.

 و تكمن شمولية تعريف الفارابي لعلم التوحيد أيضا، في أنه لم يحدد منهجا بعينه أو منهجين للدفاع عن الدين عقيدة وشريعة، وإنما أبقى المجال مفتوحا لاستخدام أي وسيلة كلامية يرى صاحبها أنها تؤدي الغرض الذي من أجله وجد هذا العلم، وقد أحصى لنا الفارابي جملة من الطرق التي يتبعها، أو يتبع بعضها علماء الكلام على اختلافهم في كتابه " إحصاء العلوم" بدءا بالنص قرآنا وسنة إلى العقل ثم إلى الجمع بينهما إلى غير ذلك من المناهج وصولا حتى إلى إتباع أسلوب الكذب إذا كان في ذلك نصرة للدين بوجه ما. بينما يكتفي ابن خلدون بتحديد منهج واحد ولا ضرورة له شرعية مادام النص فيه الغنية في معرفة التوحيد، ومقام الإحسان كفيل بجعل صاحبه متيقنا مطمئنا سعيدا لأنه مقام النجاة وهو التصوف بعينه، فما هو موقف ابن خلدون من علم الباطن؟

من علم الكلام إلى التصوف:

يخصص ابن خلون الفصلين العاشر والحادي عشر لكل من علم الكلام والتصوف على التوالي بعد الفصل التاسع المخصص ل: لأصول الفقه وقبل الفصل الثاني عشر المخصص ل:علم تعبير الرؤيا، والذي له صلة وطيدة بالتصوف إن لم يكن من ثمار المسلك الصوفي. فلقد رتب ابن خلدون أصول الفقه أولا بالرغم من أن علم الكلام أسبق من حيث اهتمامه بأصول الدين، وهذا يعكس شخصية ابن خلدون الفقهية المواجهة والمقومة لكل من علم الكلام والتصوف، بالرغم من أن موقفه أكثر قبولا للتصوف الذي لم يخالطه نظر فلسفي وفكر باطني شيعي. وهو في ذلك يحذو حذو الغزالي في أشعريته وفي تصديه للتشيع، مع عقلانية وصرامة الفقيه المالكي، وواقعية المؤرخ المدقق والمحقق في ما يروى من وقائع تاريخية، وأنفة الخبير بشؤون السياسة المعتقد بفقر الحكام والملوك لسداد رأيه وحسن تدبيره بما يناط له من مسؤوليات.

لقد عد ابن خلدون التصوف كعلم الكلام  من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وضبط مبررات حدوثه، فالتصوف عنده هو:« طريقة الحق والهداية عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين. وأصله عكوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن زخرف الدنيا، وهو زهد في لذة المال والجاه والانفراد عن الخلق للعبادة. وذلك عاما في الصحابة والسلف.»[26]  

إن هذا الوصف الخلدوني للتصوف مع تأصيله لا ينسجم إلى حد ما مع فكرة أنه حادث في الملة، والحدوث يؤكده حديث ابن خلدون عن مبررات ظهور التصوف حيث قال:« لما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية.»[27]  ويفصل ابن خلدون في هذه المبررات أكثر في "شفاء السائل" ويرتبها على الشكل الذي أدى إلى حركة زهد فيما بعد تطورت إلى التصوف بفعل عوامل  منها: كثرة الفرق الكلامية وما صاحبها من بدع، واستعمل  ابن خلدون في تعليله لظهور التصوف عبارات مماثلة لما جاء في المقدمة فيقول: « ثم اختلف الناس ، وتباينت المراتب، وفشا الميل عن الجادة، والخروج عن الاستقامة...وشغل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة  حسبما طالبهم بذلك منصب الفتيا وهداية الجمهور، فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد...ثم طرقت آفة البدع في المعتقدات، وتداعى العبادة والزهد معتزلي ورفضي، وخارجي...فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسموا بالصوفية. »[28]

بعد أن ضبط ابن خلدون مفهوم التصوف ومبررات ظهوره ناقش الاشتقاق اللغوي لكلمة تصوف وصوفي وأدلى بدوله فيها، نظرا لما أثارته من اختلاف في ضبط الاشتقاق الأصيل، والذي أفاض فيه كل من القشيري في رسالته، والهجويري(ت 465هـ/1073م) في: "كشف المحجوب"[29]، وانطلاقا من رأي القشيري الناقد للاشتقاقات اللغوية وما انتهى إليه من أن "التصوف" مجرد لقب، وهو رأي تلميذه: الهجويري أيضا، يذهب ابن خلدون في المقدمة"إلى الأخذ بمعنى أن التصوف مشتق من الصوف؛ لأن الصوفية آثروا في زهدهم لبس الخشن من الصوف و«مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب»[30]. في حين ذهب في الشفاء مذهب القشيري وقال بعد نقده لباقي الاشتقاقات: «فلم يبق إلا أنه لقب وضع لهذه الطائفة علما يتميزون به ؛ ثم تصرفوا في ذلك اللقب بالاشتقاق منه، فقيل متصوف، وصوفي، والطريقة تصوف، والجماعة متصوفون وصوفيون.»[31]

ومن ضبط مفهوم التصوف لغة واصطلاحا، والوقوف على عوامل نشأة التصوف وكيفية تطوره من حال الزهد، بما ينم عن العارف بحركية المجتمع وظواهره، راح ابن خلدون يكشف عن العالم بالنفس، وبوسائل المعرفة ومصادرها فقد لنا تفسيرا علميا مؤسسا على نظرية في المعرفة ، فذهب إلى أن الإنسان يدرك علوما ويدرك أحوالا، علوما متأرجحة بين اليقين والشك وأحوالا بين متضادات الحزن والفرح، الاضطراب واليقين، وهما ثنائية العواطف المميزة للإنسان، والعلاقة بين المدركين تكاملية يكون أحيانا الجانب المعرفي مترتبا عن النفسي وأحيانا العكس هو الصحيح. ويتدرج المريد في التصوف في تلك الأحوال، كلما رسخ في نفسه حال واستقر فيه كان له مقاما، ثم يترقى في المقامات ونفسه يطرأ عليها من الأحوال المتباينة حتى يبلغ درجة المعرفة والتوحيد وهي الغاية المنشودة والمحققة للسعادة، يقول ابن خلدون في هذا الصدد: «وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا بد وان تنشأ له عن كل مجاهد حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحال إما إن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات ولا يزال المريد يرتقي من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة به للسعادة »[32]

ولكي يصل المريد إلى هذه النتيجة لابد من مجاهدة ومحاسبة النفس ومن رياضة شاقة تمكنه من التمييز بين "الخواطر" وكل ما يرد على القلب من "هواجس" و"بواعث" وسائر الأحوال والآداب التي اختص الصوفية بها، ولا يقدر على التعبير عليها ووصفها إلا هم؛ لأن لهم لغة خاصة اصطلحوا عليها وميزت علمهم عن سائر العلوم، وخاصة عن الفقه، فعلمهم شرعي كعلم الفقه، إلا أنهم اختصوا بالباطن وبعلم مجاهدة النفس وكيفية ترقيها في المقامات وتقلبها في الأحوال. في حين علم الشريعة خاص بالفقهاء المهتمين بالفتيا في الأحكام العامة والعبادات والعادات والمعاملات[33].

لا يجعل ابن خلدون مثل هذا لتمييز بين الفقيه والمتصوف نهائيا وقطعيا، حتى أنه يخالف في ذلك رأي الغزالي، ويتبين لنا ذلك من عرض ابن خلدون لرأي الغزالي في التفرقة بين الفقه والتصوف، والذي خلص، كما يورده ابن خلدون، إلى القول بأن «جميع نظر الفقيه مرتبط بالدنيا التي بها صلاح طريق الآخرة، فإن تكلم في الإثم، وصفات القلب، وأحكام الآخرة، فليس من فنه»[34] وهنا يعترض ابن خلدون على رأي الغزالي وعلى غير العادة لأن الأمر يتعلق به شخصيا فهو الفقيه المقرب دوما من السلطان، والمهتم بالفتيا وبظاهر الأعمال، لهذا خالف التلميذ أستاذه وقال بأن الفقيه لا يقتصر على علم الظاهر، بل قد يجمع العلمين الظاهر والباطن معا، وهو حال الصحابة، فيقول معقبا على نص الغزالي المميز لمهمة الفقيه عن عمل الصوفي:« وانا أقول: هذا كلام ليس على إطلاقه، ونظر الفقيه لم يرتبط بالدنيا مجردة لأنه دنيوي، بل هنا أمر آخر هو أليق بمناصبهم»[35]

وعند شرحه لكيفية إمكانية الجمع بين عمل الفقيه المهتم بالفروع وبإصلاح شؤون الدنيا وعمل الصوفي المعتني بنظافة وطهر القلب المستعد للآخرة،أشار ابن خلدون إلى حاجة السلطان إلى الفقيه، مما يدل على أن الرجل كان يعلي من شأن نفسه فلقد كان ملكا دون تتويج لحاجة الملوك الماسة إليه، ولو أنه في نصوصه يبدي ولاءه لهم ويتفنن في الإشادة بما ينعمون به عليه، غير أننا ندرك في كل ذلك بأن السلطان هو الفقير إلى الفقيه، ومن ثمة فإن حاجة السلطان لابن خلدون كانت حيثما حل وارتحل، ويدرك هذا الأمر في كتابه المدون لسيرة حياته[36] والتي يحدد لنا فيها مراحل تعليمه وقائمة أساتذته في علوم المنقول والمعقول، مع تركيز شديد على الفقه المالكي الذي يبدو أنه تلقاه من عدد كبير من الأساتذة، ويليه علوم اللغة والعلوم العقلية، ومن العلوم التي تعلمها وحذق فيها الرياضيات والمنطق. وفي هذا الكتاب ندرك أن بن خلدون الفقيه والرياضي والمؤرخ المقرب من السلطان أبدى رغبة في ممارسة التصوف، وقد يكون حاول بالفعل، غير أن شخصيته البارعة في علم الظاهر، وتعلقه بالسلطان وتعوده على الجاه والمنزلة المرموقة في كل مكان يحل فيه، بالرغم من بعض المتاعب التي تعرض لها بسبب ولاءاته السياسية وعلاقاته بالحكام، كل هذا حال دون انقطاعه التام والفعلي للتصوف والخلوة والترقي في مقامات الصوفية، ولقد عبر عن مثل هذه العوائق في مواضع كثيرة منها قوله:«...وأقمت تلك الليلة في الاعتقال وعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبي مدين ، ونزلت بجواره مؤثرا للتخلي والانقطاع للعلم لو تركت له»[37] وفي موضع آخر يقول بما يشبه هذا الموقف ويثبت فكرة حاجة السلطان إلى الفقيه عموما وإلى ابن خلدون على وجه الخصوص: « ولما دخل السلطان عبد العزيز تلمسان، واستولى عليها ، وبلغ خبره إلى أبي حمو،...ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطد أمره، ... وشفاء نفسه من عدوه،... فاستدعاني من خلوتي بالعباد عند رباط الولي أبي مدين، وأنا قد أخذت في تدريس العلم، واعتزمت على الانقطاع؛ فآنسني وقربني...»[38] واستمرت هذه الموانع مع انشغاله بالتدريس في الخوانق وتوليه القضاء على مذهب الإمام مالك خمس مرات، آخرها في نهاية سنة 807هـ، بما يدل على أن ابن خلدون درس التصوف وألف فيه لكن لم يمارسه ممارسة تجعلنا نضعه في خانة المتصوفة، ناهيك على ما يرويه من خلافات مع صوفية عصره من أصحاب الزوايا والذي كان متشددا في تعامله معه مما سبب له  متاعب مع السلطان. وبالرغم من كل هذا يبدو أن ابن خلدون وهو يجمع بين الفقيه والصوفي من حيث مراعاة أحكام الظاهر وصفاء الباطن، يضاف إلى هذا سعة علمه وتمكنه من علوم عصره، حتى تلك التي اختص بها الصوفية وتميزوا بها عن السحرة وأصحاب علم الزايرجة وعلم الحروف، كل هذا يدفع به إلى التلميح بأنه الجامع بين العلوم العقلية والنقلية كما كان أساتذته جامعين لها، بل وتفوق عليهم.

من خلال تحديده لمهمة الفقيه الأولى ثم إمكانية جمعه بين الفقه والتصوف،جمعا يدل على مقام الإحسان عند الصوفية، وهو مقام يصل إليه العارف بعد إسلام ثم إيمان فإحسان، فعن كل هذا قال ابن خلدون:«...وذلك أن الشريعة لما انقسم حاملوها ...إلى أهل فتيا وشورى يستعين بهم السلطان والكافة على إمضاء أحكام الله الظاهرة في خلقه، وإلى عباد زهاد اشتغلوا بما يخصهم في أنفسهم من أحكام الله؛ وقد يكون الفقيه حاملا للفقهين معا.»[39] وأكمل أحوال الإتيان بالتكاليف الشرعية اتفاق الباطن والظاهر مع المراقبة في جميع العمل حتى لا تتخلل غيبة بوجه. وهو المعبر عمه بمقام الإحسان. أما المقامان الآخران وهما مقام الإسلام ومقام الإيمان، فالأول:«العمل من حيث ظاهره في قبوله وسقوط التكليف به أو في رده؛ وأما الثاني فهو اتفاق الظاهر والباطن في أداء العبادة، مع تخلل الغيبة وفي هذا رجاء النجاة.»[40] بينما النجاة كل النجاة في مقام الإحسان.

وكما دون الفقهاء والمفسرون علومهم كذلك فعل الصوفية، حسب ابن خلدون، فكتبوا في الورع ومحاسبة النفس كما فعل القشيري والسهروردي والغزالي «وصار علم التصرف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك...»[41] وفي هذه التدوين عرف الصوفية ببعض ما يتلقونه كشفا من حقائق عمل ابن خلدون على تفسيرها وعقلنتها، فقال بأن الكشف هو إطلاع على عوالم من أمر الله؛ وذلك برجوح الروح من الحس الظاهر إلى الباطن يضعف الحس وتتقوى الروح أكثر بالذكر وتنكشف للنفس حقائق وتطلع على علوم لا يدركها من لم يجاهد نفسه. ومن جملة ما تطلع عليه النفس عند حصول المكاشفة إدراك الوقائع قبل وقوعها، وهنا يتشابه وصف ابن خلدون مع وصف ابن سينا للعارف الذي تتحقق له الاشراقات[42]، ويلتقيان في محاولة عقلنة الخارق للعادة، وهذا أمر ليس غريبا على ابن سينا صاحب الحكمة المشرقية والتصوف الفلسفي، ناهيك عن براعته في علم النفس. وهو التقاء إذا أضيف إليه علاقة ابن خلدون بنصير الدين الطوسي، لا يدل على سعة إطلاع فحسب، بل يدل على أن في شخصية ابن خلدون العلمية ما يجمع التراث الإسلامي بتعدد مذاهبه، مهما كانت النزعة الأشعرية هي الغالبة، وقد يكون لمذهب ابن تومرت الأثر غير المباشر.

 لم يقف ابن خلدون عند محاولة تفسير ما قد يدركه الصوفي من حقائق غيبية وإنما تعدى ذلك إلى الحديث عن ممارسات خارقة للعادة وعن تصرف للعارف في الموجودات بهمته وقوى نفسه والعظيم من العارفين من يخفي ما يقع له أو ما تمكن من فعله إلا إذا طلب منه الإخبار، و إلا عد ذلك من المحن التي يتعرض لها ويجب أن يتعوذ بالله منها[43]  وهنا يلتقي كذلك ابن خلدون مع الصوفية الذين يعدون الكرامات امتحانات أول الطريق لا ثمارا للتجربة الصوفية، بل قد تكون عرقلة لمسيرة الترقي في سلم العرفان،  ويحاول ابن خلدون أن يبرر ويفسر حدوث الكرامات للصوفي على إنها ليست بدعة بل لقد كان « كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم»[44]

إن حصول الكشف على حقيقته لا الوهمي ولا المحدود يتطلب استقامة وقلبا مجلوا لا تشوبه شائبة كالمرآة المجلوة المستقيمة لا المشوبة ولا المحدودبة ولا المقعرة، فمثال القلب المستعد لقبول الحقائق الكشفية كالمرآة « الصقيلة إذا كانت محدبة أو مقعرة وحوذي بها جهة المرئي فإنه يشكل فيه معوجا على غير صورته وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال»[45].

من لا يشارك الصوفية في رياضتهم واستقامتهم ومن ثم كشوفاتهم وما يدركونه لا يستطيع أن يدرك أذواقهم ولا الشعور بأحوالهم ولا الإحساس بما يدركونه لهذا انقسم الناس تجاههم بين منكر عليهم وبين مسلم لهم وهم في ذلك غير قادرين على البرهنة على ما يحصل لهم من تجارب ذاتية يصعب وصفها بدقة للسامع، ولهذا يعتقد ابن خلدون أن من رام من المتصوفة وصف ما أدركه من الوجود وترتيب حقائقه على النحو الذي أعطاه إياها الكشف خانته العبارة وما قدم إلا الغامض[46] ويضرب مثالا عن الغموض والفكر الغريب بشرح "الفرغاني" لقصيدة "ابن الفارض" وخاصة ما جاء في ديباجة الشرح عندما تحدث عن كيفية صدور الوجود من خلال التجلي الإلهي ، ومن خلال أفكار عن "الأحدية" و"الوحدانية" و"وحدة الذات الإلهية" وما يتعلق بذلك من أفكار عن "الهباء" وعن "الحقيقة المحمدية" وما يليها من حديث عن "تركيب" وعن "فتق" ثم "رتق". وكلها تجليات إلهية.

يعتبر ابن خلدون أفكار الصوفية في التجلي وفي كيفية صدور الموجودات عن الواحد الأحد بأنها تمجها العقول لبعدها عن نظم الأدلة ولارتباطها بالمكاشفة والوجدان، وربما كانت مرفوضة من ظاهر الشرع، وفي هذا الصدد قال ابن خلدون:« وهو كلام لا يقتدر أهل النظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه ولغلاقه وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل وربما أنكر بظاهر الشرع هذا الترتيب»[47] وهنا يبدو أن ابن خلدون لا يعارض كل المعارضة فكرة الخلق بالتجلي ولا يعتبرها ضد الشرع تماما ، بل يجعلها من علم الكشف غير المبرر منطقيا، ولا تتلاءم مع ظاهر النص، بمعنى أنها قد تتلاءم مع باطنه أو مع الخاصة لا مع العامة . وهذا ما يؤكده الصوفية أنفسهم عندما يصرحون ببعض ما يعطيهم الكشف من حقائق وجودية أو معرفية.

ويضاف إلى فكرة التجلي فكرة أخرى من أهم ما يعيبه ابن خلدون عن التصوف في عصره وهي القول بوحدة الوجود ، وخاصة "الوحدة المطلقة" وخلاصتها في مفهوم ابن خلدون إن«القوة الإلهية [هي]التي انبتت في جميع الموجودات كلية وجزئية وجمعتها وأحاطت بها من كل وجه لا من جهة الظهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصورة ولا من  جهة المادة فالكل واحد وهو نفس الذات الإلهية وهي في الحقيقة واحدة بسيطة والاعتبار هو المفصل لها كالإنسانية مع الحيوانية ألا ترى أنها مندرجة فيها وكائنة بكونها...»[48] ولكن بالرغم من قول البعض بمثل هذه الوحدة المطلقة فإن المتأخرين من المتصوفة المحققين حسب ابن خلدون ينبهون إلى ضرورة التمييز بين مقامي "الجمع" و"الفرق"، وأن مقام "الجمع" قد يوهم القول بالوحدة، فهو عقبة في ترقي العارف في سلم العرفان بينما «مقام الفرق هو مقام العارف المحقق»[49]

إذن يوجد في المتصوفة المتأخرين حسب ابن خلدون من هم من المحققين لا يقولون بالوحدة وينشدون معرفة الحق، ومنهم من ذهب إلى القول بالحلول والوحدة مثل:" الهروي" في كتابه المقامات وابن العربي وابن سبعين والعفيف التلمساني  وابن الفارض والنجم الاسرائيلين وسلف هؤلاء حسب ابن خلدون كانوا مخالطين للإسماعيلية القائلين بالحلول  فاختلطت أفكارهم و امتزجت، ومنها قول الصوفية بالقطب والشيعة بالنقباء ،ويضرب ابن خلدون مثالا على ذلك بنص لابن سينا جاء فيه: «جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد »[50]. ومما يدل به ابن خلدون على علاقة التصوف بالتشيع عند المتأخرين من المتصوفة حديثهم عن توارث الخرقة في سلسلة تمتد إلى "علي بن أبي طالب"، رضي الله عنه، وهو بريء منهم لأنه لم يتميز عن الصحابة بلباس و لا بسلوك يجعله الحلقة الأولى في سلسلتهم ، حتى إنه – أي عليا- لم يكن أزهد من أبي بكر وعمر بعد الرسول i .

 ثم يبين ابن خلدون بأن الفقهاء ردوا على هؤلاء المتصوفة في نقاط أربع هي: سلوك ومعرفة  ثم ثمارهما من كرامات وخرق العوائد وأخيرا النص الصوفي بين الظاهر والباطن. والواقع أن هذه النقاط الأربعة تدافع على عموم الصوفية وتلتمس المشروعية في تصرفاتهم والأعذار في أقوالهم وشطحاتهم أكثر مما تذنبهم، وكأنها جاءت حصرا لآراء الفقهاء وردا عليها بالجملة، هذه النقاط هي[51]:

1-  المجاهدات : الأذواق والمواجد ومحاسبة النفس حتى تصير الأذواق مقاما.

2- الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب، مثل:الصفات الإلهية، العرش، الكرسي، الملائكة، الوحي، النبوة، الروح، وحقائق الموجودات الغيبية والحسية، وتركيب الأكوان في صدورها عن موجدها...

3- الكرامات والتصرف في العوالم والأكوان.

4- الشطحات  الصادرة عن "أئمة القوم" وما تطرحها من جدل حول فكرة الظاهر والباطن في النص الصوفي.

أما الأولى و الثانية فلا جدال حولهما، حسب ابن خلدون، فالمجاهدات ومحاسبة النفس من الأخلاق التي لا يختلف اثنان في جدواها، بل علاقتها بالتصوف وطيدة وأصيلة، وكأنه هنا يؤيد الغزالي في نسبة الأخلاق للصوفية...المنقذ 

بينما الثالثة – أي الكرامات - فهي في رأي ابن خلدون أمر واقع وعرفه مجتمع الصحابة ويخطئ من ينكر وجودها مثل الإسفرائيني وغيره، حتى أن إنكار الكرامة فيه مكابرة حسب ابن خلدون.وأما الثانية من كشف وما يعطيه للمكاشف له من حقائق علوية وغيبية فأكثرها مليء بالمتشابه الذي يجب التعامل معه بحذر شديد لأنه مشحون بالوجدان والأذواق التي لا يدرك حقيقتها إلا من كان له حظ في نيلها، لهذا يجب أن يترك كلامهم كما تُرك المتشابه، وإذا حدث وأن رزق أحد بفهم معنى قولهم بما يوافق ظاهر النص فتلك نعمة يحمد الله عليها. وهنا كأني به لم يبتعد أيضا عن نصيحة ابن سينا ومن بعده ابن العربي بضرورة عدم التسرع في النكران على العارف فيما يقول أو يقع له، لأن ذلك يفقدنا نعمتين نعمة نيل ما ناله أونعمة الاستمتاع على الأقل بوصف ما أدركه. ابن سينا أو ابن عربي.

وأما الشطحات وهي النقطة الرابعة التي يؤاخذ الفقهاء الصوفية عليها، فيلتمس فيها ابن خلدون العذر للصوفية ويبررها بأنهم في حالة يغيبون فيها عن وعيهم وعن عالم الحس، ويكونون فيها تحت سلطان ما ينعكس على قلوبهم المجلوة من واردات لا يجدون في التعبير عنها إلا ألفاظ وعبارات كالتي قالها البسطامي:« لا لإله إلا أنا سبحاني ما أعظم شأني» وهنا يلتقي ابن خلدون مع ابن العربي في الدفاع عن هذه الشطحة البسطامية، التي لا يجب أن يرددها إنسان في حال صحو وبعيد عن حال السكر أو الجذب ، ولهذا أفتلا الفقهاء حسب ابن خلدون بتحريم مثل هذه العبارات عند الصحو وعدم تكفير من يقولها في حال سكر صوفي ، وعلى كل من يردده أن يحملها على معانيها الباطنة لا الظاهرة الموهمة بالكفر وادعاء الألوهية. ولهذا حكم الفقهاء بقتل الحلاج لقوله لهذه العبارة وهو في حال صحو. هنا نلاحظ بالرغم من دفاعه عن الشطح الصوفي وعن البسطاني غير أن نزعته الفقهية لم تقف مع الصوفية الذين اعتقدوا بأن الحلاج قتل خطأ لأنه لم يكن في حال الصحو، بل وقف مع الفقهاء في حكمهم. فلقد قال: «وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه ولم يملكه الحال فمؤاخذ أيضا ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحالة والله أعلم»[52].

ويؤكد ابن خلدون موقفه هذا في شفاء السائل مما يزيل كل لبس في أدلة صحة نسبة الكتاب له، وفي الوقت نفسه يؤكد نصرته للفقهاء – أهل الظاهر- كما يخالف أهل الباطن الذين دافعوا عن الحلاج وعدوا قتله من الأخطاء المرتكبة في حق الصوفية، يقول ابن خلدون عن الحلاج في الشفاء:« ولقد قتل الحسين بن منصور الحلاج بفتوى أهل الشريعة، وقصارى اعتذار من يحسن الظن به منهم أنه سكر فباح بالسر فوجبت عقوبته، وإلا في الأغلب حقه التكفير.»[53]

 

مجمل القول أن التداخل بين علم الكلام والتصوف باعتبارهما من العلوم الحادثة في الملة دفع بابن خلدون أن يحكم عليهما بمنطق المالكي في الفروع،  الأشعري الغزالي في الأصول، لأن أشعرية حجة الإسلام صرحت بالانتصار للتصوف ولمنهج الكشف في مقابل محدودية العقل وعجزه خاصة في الإلهيات، غير أن ابن خلدون وإن برر وفسر تفسيرا عقليا سلوك المنهج الصوفي ونتائجه، فسعة علمه في المعقول والمنقول وواقعيته كرجل حنكته التجارب ومؤرخ تمكن من تمحيص التاريخ والتأسيس لفلسفته، كل هذا جعله لا يساير الصوفية في ما آل إليه علم الباطن، لارتباطه بما يخالف توجهه الفقهي والعقدي والسياسي. ولكن لا يرفض بذلك التصوف بالكلية بل يقر به وبمنهجه، بل ويجعله بديلا عن علم الكلام الذي حسب رأيه ما كان وجوده إلا ظرفيا، وهو حكم في الواقع يعكس ما آلت إليه الحضارة الإسلامية في عهده، حيث سكت الحوار والنقاش في العقائد، تلك العقائد التي كانت دوما تمثل أيديولوجيا الدول التي تقوم في ظل الحضارة الإسلامية. والسؤال الذي يمكن طرحه في أخر المطاف بالنظر إلى التداخل بين علمي الكلام والتصوف من منظور معين كالذي ينتمي إليه ابن خلدون والغزالي هل يمكن الحديث عن علم كلام صوفي؟ خاصة وأنا رأينا ابن خلدون يعقلن خرق العوائد، ويؤمن بإمكانية التصرف في الأكوان بعلم الحروف والزايرجة.

الهوامش:


 

[1] - يعدُّ "مالك بن نبي" "ابن خلدون" من أصحاب فكرة الدورة التاريخية، لكن بمصطلح الدولة لا مصطلح الحضارة، وفي هذا الصدد يقول عنه:«وأما ابن خلدون، فقد تمكن من قبل من اكتشاف منطق التاريخ مجرى أحداثه، فكان بهذا المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن هذا المنطق إذا لم نقل أنه قد قام بصياغته فعلا. فقد كان يمكن أن يكون أول من أتيح له أن يصوغ قانون الدورة التاريخية، لولا أن مصطلح عصره قد وقف به عند ناتج معين من منتوجات الحضارة ونعني به- الدولة- وليس عند الحضارة نفسها.»

- مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، ضمن سلسلة مشكلات الحضارة، دار الفكر، بيروت لبنان، 1979، ص.62.

[2] - المرجع نفسه، ص 53.

[3]- ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، د.ت. ص.517. ويورد النص نفسه القنوجي (صديق بن حسن) في: أبجد العلوم الوشى المرقوم في أحوال العلوم، تحقيق، عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1978م. ويورده كذلك المقري، وينسبه لأحد الصوفية دون أن تحديد لاسم  الجنيد.  –المقري التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب،  تحقيق تحقيق إحسان عباس،دار صادر، بيروت  1968م، ج5، ص286.

[4] - لقد ذهب الأستاذ أبو يعرب المرزوقي إلى أن ابن خلدون لم يصنف التصوف في "المقدمة" ضمن العلوم العقلية وهو بهذا المعنى جعله دخيلا على العلوم النقلية مثل الفلسفة، وكل هذا ليتماشى موقف ابن خلدون من التصوف الوارد في الشفاء مع ما جاء في المقدمة وليدل ذلك على يقينية نسبة كتاب الشفاء لابن خلدون. ولكن المتأمل في موقف ابن خلدون سواء في المقدمة أو في الشفاء لا يخرج التصوف من العلوم النقلية ولو أنه لم يورد في التصنيف العام  في الفصل المعنون بـ:"أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد" لأن المتأمل في السياق العام للفصول الموالية يدرك بأن التصوف من العلوم النقلية عند ابن خلدون، ولأنه لم يورده أيضا ضمن العلوم العقلية، من جهة، ولإنه أورده بعد علم الكلام وقبل تعبير الرؤيا وكلاهما من العلوم الشرعية، من جهة أخرى. كما إنه وبالنظر إلى المنهج المتبع في العلمين: الكلام والتصوف، أليس علم الكلام أحق بنسبته إلى العلوم العقلية؟! خاصة وأنه محدد في التعريف، ولو أنه غير منعدم في التصوف.

- ابن خلدون: شفاء السائل لتهذيب المسائل، مع دراسة تحليلية للعلاقة بين السلطان الروحي والسلطان السياسي، لأبي يعرب المرزوقي، الدار العربية للكتاب، 1991، ص 86.

[5]- يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1965م، ج1ص ص 297-298. 

[6] -  هو عبد الوهاب بن أحمد بن علي بن أحمد  بن علي،  زعم  أن نسبه يمتد إلى محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، ينتمي إلى عائلة صوفية هاجرت إلى مصر . بنى له القاضي محي الدين زاوية كانت تنافس الأزهر في القرن العاشر، تخرج منها العديد من متصوفة القرن العاشر.

 -  طه عبد الباقي سرور: التصوف الإسلامي والإمام الشعراني، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، 1981، ص ص 21،65.

[7] - الشعراني( عبد الوهاب): اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وبهامشه كتاب الكبريت الأحمر، مطبعة عباس بن عبد السلام شقرون، مصر، 1351هـ/ 1932م.ص 2.

[8] - ابن خلدون (عبد الرحمن): مقدمة ابن خلدون، دار القلم، بيروت، لبنان، ط5، 1984، ص 458.

[9]-  المصدر نفسه، ص 466.

[10] - الغزالي: المنقذ من الضلال، دراسة وتحقيق عبد الحليم محمود، دار المعارف، مصر، ط3، 1988، ص.336. 

[11] - الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق عبد الكريم المراق، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984ص 38.

[12] - ابن العربي: الفتوحات المكية، تحقيق عثمان يحي، الهيئة العامة للكتاب القاهرة، 1985،ج1، ص 157.

[13]-المرجع نفسه، ج1، ص ص 156-157.

[14]- شفاء السائل في تهذيب المسائل، تحقيق الطنجي، ص13.

[15]- المقدمة، ص ص 458-460

[16]- سورة الإخلاص.

  [17]- يؤكد الطبري في تفسيره لسورة الإخلاص أن سبب نزولها كما جاء في حديث نبوي عن قتادة قال جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا انسب لنا ربك فنزلت قل هو الله أحد حتى ختم السورة /- الطبري: جامع البيان، ج30، ص 343. ولكن ليست هذه الرواية الوحيدة الواردة في التفاسير عن سبب نزول سورة الإخلاص وإن كانت جميع الروايات متقاربة من حيث أنها سورة جاءت إجابة لتحد عقدي عن صفات الله، من قبل المشركين سواء كانوا يهود كما في الحديث الذي أورده الطبري أو كانوا من أهل الكتاب، دون تدقيق.

[18] - ابن العربي: الفتوحات المكية، ج1، ص ص 155-156.

[19]- المقدمة، ص 495.

[20]- المقدمة ص 458.

[21]- المصدر نفسه، ص 460.

[22] - هو أبو المعالي عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله...بن حيوية الجويني، نسبة إلى جوين ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، أشعري الأصول، شافعي الفروع، والده أبو محمد الجويني، شيخ الشافعية (المتوفى 438هـ/1046م)، درس على والده الفقه، وبرع فيه حتى خلفه في التدريس، ثم درس علم الأصول على أبي القاسم الإسكافي الإسفراييني، ثم سافر إلى بغداد، ثم إلى مكة والمدينة حيث جاور أربع سنوات يدرس بالحرم المكي و بالمسجد النبوي حتى لقب بإمام الحرمين، ولما عاد إلى نيسابور بنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية لمواجهة الفكر الإعتزالي و الشيعي، وبقي بها مدرسا وخطيبا مدة ثلاثين سنة، لم يزاحمه ولم ينافسه على المنبر أحد، وكان يحضر درسه قرابة الأربعمائة طالب، كان الغزالي أحدهم وهو الذي شهد له بالنبوغ، بل وبالتفوق حتى أنه كان أهلا لخلافته. ومن تصانيف الجويني: نهاية المطلب في دراية المذهب، الشامل في أصول الدين، البرهان في أصول الفقه، وتلخيص التقريب والإرشاد، والعقيدة النظامية و مدارك العقول، وكتاب تلخيص نهاية المطلب، وغياث الأمم في الإمامة، وغنية المسترشدين...

- ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج3،ص ص . 168، 170. وكذلك: - ابن كثير: البداية والنهاية، ج12، ص. 128.

[23] - المقدمة، ص 467

[24]- ابن خلدون: لباب المحصل في أصول الدين، تحقيق وتقديم، رفيق العجم، دار المشرق، بيروت، 1995م، ص ص 12،30.

[25] - الفارابي (أبو نصر ): إحصاء العلوم، تحقيق وتقديم عثمان أمين، القاهرة، ط3، 1968، ص 131.

[26]  - المقدمة، ص 467.

[27] - المصدر نفسه، ص467.

[28] - ابن خلدون: شفاء السائل لتهذيب المسائل، تحقيق الطنجي، ص 10.

[29]- الهجويري: كشف المحجوب،دراسة وتحقيق وترجمة د.إسعاد عبد الهادي قنديل،دار النهضة العربية للطباعة والنشر،بيروت،1980، ص 230

[30] - المقدمة، ص467.

[31] - شفاء السائل لتهذيب المسائل، تحقيق الطنجي،ص 18.

[32] - المقدمة، ص 468.

[33] -لمصدر نفسه، ص 469.

34- شفاء السائل لتهذيب المسائل، تحقيق الطنجي، ص 13

35-المصدر نفسه، ص 13

[36]-ا بن خلدون: التعريف بابن خلدون ورحلته غربا و شرقا، تحقيق وتعليق محمد بن تاويت الطنجي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1370هـ/1951م

[37] - المصدر نفسه، ص 134

[38] - المصدر نفسه، ص135

28- شفاء السائل، ص 13

29- المصدر نفسه، ص ص  14-15

[41] - المقدمة، ص 469