exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


شرعية التصوف لدى ابن خلدون

أ.د.عبد الملك منصور المصعبي

تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذا البحث حول دراسة منزلة التصوف في فكر ابن خلدون، من جهة الموقف النظري المعرفي الخالص الذي يصدر عنه ابن خلدون في جل مؤلفاته وكذلك من منطلق الموقف الشرعي الديني إذ أن ابن خلدون يجنح في عديد المسائل والقضايا إلى المدونة الشرعية الدينية الفقهية المالكية أو الأشعرية الكلامية لفصل القول في مسائل أو ظواهر حدث ظهورها وشكلت محل خلاف ديني.

إن موسوعية ابن خلدون جعلت نظره في العلوم الدينية والعقلية والفنون والظواهر الاجتماعية متعدد الينابيع النظرية ومنطلقات المعالجة التي هي معرفية عقلية ذات منحى اجتماعي وتاريخي ودينية وشرعية ذات مرجعية كلامية أو فقهية.

ويبدو أن مقاربة منزلة "علم التصوف" لدى ابن خلدون يستوجب تظافر الحجة العقلية النظرية مع الإحاطة بالدليل الشرعي، ومعرفة الفكر الصوفي وما يرتبط به من ممارسات وسلوكات ومكاشفات وأقول رامزة.

وأول ما تجدر الإشارة إليه هو أن ما ميز القراءة الخلدونية لعلم التصوف أنها نظرت في إشكاليته من جهة علاقته بعلوم أخرى تـشاطره أصوله وأهــدافه أو موضوعاته وأغراضه كالفلسفة والكلام والفقه والأخلاق والسحر وصناعة الكيمياء من هنا تبدو قراءة صورة "علم التصوف" في الفكر الخلدوني مسألة إشكالية ودقيقة للغاية، مثلما أن بحث منزلة التصوف بين سائر العلوم الشرعية من وجهة نظر بن خلدون إشكالية على غاية من التعقيد ومتعددة الأطراف كذلك، فالتصوف قد أفرد بفصل في المقدمة، واستوجب الأمر بعد ذلك أن ألف ابن خلدون كتابا خاص هو "شفاء السائل لتهذيب المسائل"(1) وهوعبارة عن جواب سؤال ورد على ابن خلدون من أرض العدوتين "المغرب، والأندلس" والصلة قائمة بين الأثرين : "المقدمة" و"شفاء السائل" في اللغة ومنحى المعالجة، وفي الفكرة والأبعاد.

وعليه سنتبع في هذه المقاربة -بهدف بلوغ مقصدنا المتمثل في معرفة صورة الفكر الصوفي في مدونة ابن خلدون، ومنزلة علم التصوف بين سائر العلوم الشرعية-خطة منهجية تشتمل على عناصر ثلاثة رئيسية يرتبط كل منها بالآخر. أولها طبيعة البناء النظري للعلوم في مقدمة ابن خلدون ومؤلفاته الأخرى، العنصر الثاني علاقة التصوف ووضعه بين سائر هذه العلوم، العنصر الثالث: علم التصوف من منظور فقه الشريعة : من خلال بيان ما يجوز في ذلك، وما يجب التوقف عنده أو رفضه في نظريات الصوفية وتصوراتهم.

البناء النظري للعلم والتعلم وسائل اكتساب المعرفة في فكر ابن خلدون

كما هو معلوم ارتبطت جل الدراسات الخلدونية والقراءات العلمية المنجزة حول النسق الفكري لعبد الرحمن بن خلدون ببيان دوره المحوري في التأسيس لعلم التاريخ في علاقته بعلم الاجتماع هذا العلم المصطلح عليه في "المقدمة" بـ"علم العمران البشري"(2) ، ومن منطلق علم التاريخ نظر ابن خلدون في سائر تاريخ العلوم العقلية والدينية والفنون والصنائع والمذاهب وأنظمة الحكم والسياسة التي عرفتها سائر الدول والإمارات العربية إلى حدود ق 8 هـ/14م، وهذا يعني أن ابن خلدون يتناول قضايا الفكر والمعرفة وعلوم الدين من منطلق طبيعة المعطيات  والمبادئ التي يوفرها علم التاريخ أي أنه وفق معايير أكاديمية معاصرة يتخذ من "الفكر التاريخي" أو "النقد التاريخي" قاعدة معرفية ونظرية للحسم في قضايا العلوم والمعارف والفنون. إنه من خلال النقد الذي وجهه للطرائق التقليدية النقلية في تدوين الأخبار والأحداث والعلوم أسس لذلك المنهج العلمي القائم على البحث المستمر عن مطابقة الخبر للواقع، وابن خلدون في تعامله مع الرصيد المعرفي والحضاري العربي الإسلامي السابق عليه لم يعمل على إقامة قطعية مع هذا الرصيد في تأسيسه للعلم الجديد إنما نجده يوسع في الأفق المعرفي لهذا التراث، ويوسع في إشكاليته، فهو يرتكز في ذلك إلى قاعدة علمية تتمثل في انه إذا كانت هناك كتلة من الأخبار حول أحوال الناس" يحتفظ بها المجتمع باستمرار في الوعي الجماعي العام، يكون رهان النظر العلمي الواجب اكتسابه يمر عبر السؤال الأساسي كيف يمكن ضمان مراقبة هذه الأخبار، ومعرفة مدى معقوليتها في  الواقع (حقيقتها)، وهو في ذلك لا يتجاوز أو يتخلى عن أي طريق من طرق التي شاع الاعتماد عليها قبله بل أنه يضيف إلى تلك الطرق منهجا وطريقا جديدا(3).

ومن هذا المنطق تمثلت خصوصية ابن خلدون في انه صاحب نظرية علم التاريخ المتوافق مع علم الاجتماع-علم العمران- والمتأثر به والإنسان في نظر ابن خلدون ابن محيطه، ومحيطه هذا متأثر بنواميس الحياة المتعددة التي تتحكم بالظواهر الاجتماعية وأنها تؤثر على مجرى الحوادث الاجتماعية بنظام وضمن مخطط معين يصبح من الضروري على علماء الاجتماع أن يدرسوا هذه النواميس ليفهموا مجريات الأمور المحيطة بهم والتي تعيشها الجماعات لا الأفراد، لأن الفرد يتأثر بمحيطه، وبسياق زمنه، وهذا ما سمّاه "الاجتماع الإنساني" أي علم العمران، الذي يعتبر علم السياسة والاقتصاد والجغرافية والمعرفة (الثقافة) من مقوماته، وعناصره، أي كل ما يتعلق بالإنسان. وعلى ضوء معرفة المؤرخ وتحليله لهذه العناصر وتحولاتها، تتحدد قيمة المؤرخ.

وهكذا اعتبر ابن خلدون التاريخ فنا متلازما مع وجود الإنسان وتقدم الحضارة، تتداوله الأمم والأجيال وتتطلع إلى معرفته الناس كل الناس، لكنه ليس أحداثا بالمطلق بل له قواعد وأحكام، وثوابت وتحولات تتوافق مع التحولات العمرانية : "أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول...وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها، دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد من علومها خليق" (4).

وبعد أن تحدث ابن خلدون عن علم التاريخ، أكد على ارتباطه بعلم الاجتماع (العمران) : فللعمران طبائع في أحواله (أحوال علم التاريخ) ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثــار..." وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال" (5)

اعتبر ابن خلدون ان قيمة المؤرخ العلمية، أو مقدرته مرتبطة بفكره وبتغيرات أحوال البلاد والعباد يقول في ذلك: "وإذا تبدلت الأحوال جملة كأنما تبدّل الخلق من أصله، وتحوّل العالم بأسره، وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة وعالم محدث، فاحتاج لهذا العهد من يدوّن أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدّلت لأهلها..." (6).

ويلخص ابن خلدون فلسفته هذه بقوله: "أعلم بأن حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيّات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال..."(7).وإن انقلاب أحوال البلاد يأتي نتيجة لكوارث طبيعية كالطاعون مثلا، أو قد تتغير الأحوال، أو الدول عندما تشيخ، في وقت هرمها، فيضعف سلطانها وينتقص عمران أرضها بانتقاص البشر فيها الخ... وهكذا تتبدل الأحوال جملة قيتبدّل الخلق بطبيعة الحال (7).

لقد تطرق ابن خلدون إلى جوانب من نظرية المعرفة وبحث في أدواتها بين سائر العلوم النقلية والعقلية والتصوف وذلك في سياق دراسته لوضع العلوم والمعارف وطرائق تعليمها في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو ينظر في ذلك من منطلق أسس له وهو علم الاجتماع الإنساني" أو "علم العمران البشري" وعليه لم ينظر في ماهية التربية والعقيدة أو الأخلاق الدينية من جهة كونه فيلسوفا أو عالم أخلاق وإنما باعتباره مؤرخا و"عالم اجتماع" ينتمي إلى منظومة دينية وعقدية معينة هي الإسلام عامّة و"السنة الأشعرية" (*)على نحو أدق.

ولما كان التصوف من جهة كونه ظاهرة اجتماعية أخلاقية دينية روحية تقوم أحيانا على جدلية الشيخ والمريد وتراتب العلاقة بينهما فهي تعتبر في نظر ابن خلدون شكلا من أشكال التعليم، وهي بالتالي تزاحم أنظمة أخرى في التعليم كالتي شاعت عند الفقهاء وأهل الظاهر من علماء الرّسوم الذين يهتمون بالتلقين والحفظ والتزام  التفصيل في دقائق طقوس الأعمال الظاهرة، يحكمهم في ذلك قول بعضهم من "ازداد حفظه عظم علمه"، وهؤلاء خصومتهم الأساسية مع "علم التصوف" وطرائق أهله في المعرفة أن نيل مراتب اليقين وأعلى درجات المعرفة يكون بالإلهام وكشفا مباشرا من الله للعارف المقرّب، لكن قبل الخوض في هذه المسألة من جهة النظر الفلسفي التاريخي والشرعي الديني من منظور ابن خلدون، يجدر أن نشير إلى التحليلات التي يخصصها ابن خلدون للتعليم في عرضه الموسوعي حول العلوم، إذ نجده يتطرق من خلال ذلك إلى معالجة مشكلة نظرية المعرفة، وإلى دراسة للأسس الاجتماعية التاريخية والابستمولوجية للتطور العلمي، ومن هذا المنطلق يصنف العلوم إلى عقلانية تلك التي يمكن للإنسان أن يفهمها بطبيعة فكره"(8)،  وتقليدية "تلك القائمة على السلطان"، والسلطان هنا بمعني معلم التلقين ويلاحظ ابن خلدون كيف أن علم البشر "هو حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد أن لا تكون حاصلة"(9).

وفي نظر ابن خلدون يولد الإنسان مجردا من كل معرفة، ولا يشكل آنذاك إلا "مادّة أولية" فتتشكل شخصيته فيما بعد" بفضل المعرفة التي يكتسبها عبر أعضائه"، ولما كان الإنسان جاهلا بطبعه، فإنه لا يصبح إنسانا إلا بواسطة المعرفة، وفي هذا المجال نجد ابن خلدون يميز بين ثلاثة أنماط من المعرفة تتناسب مع ثلاث "درجات فكرية" : معرفة تطبيقه، ناتجة عن "العقل المميز" تسمح له بالتصرف في العالم بكيفية منتظمة. معرفة أخلاقية نفسية تتعلق بما  يجب فعله أو ما يجب تركه، وما  هو حسن أو سيئ، ويكتسبها بفضل عقله التجريبي، وتوجهه في علاقته بالآخرين، وأخيرا معرفة نظرية تخص كل ما هو موجود في العالم، ويحصل عليها من خلال استخدام "عقله التأملي" (10). وهذه المعرفة الأخيرة هي التي تضمن له لوحدها إمكان بلوغ كمال روحه (11).

التصرف ووضعه بين سائر العلوم

انطلاقا مما تقدم أمكن أن نخلص إلى القول إن المعرفة سواء كانت عقلية تأملية ومثالها الفلسفة وثمارها مباحث الفلاسفة في الميتافيزيقا (الإلهيات) او صوفية ذوقية فهي كسبية، وهي ظاهرة تالية لتطوّر المجتمع الإنساني، ويسعى ابن خلدون في "المقدمة السادسة" من الباب الأول من "المقدمة" إلى بيان حقيقة المعرفة بالغيب مع  تحديد تمايزها عن علوم الكهانة والسحر وعلم الطلسمات وأسرار الحروف، وهي علوم سرية وسحرية وسيمائية ازدهر تداولها في عصر ابن خلدون (12)، وفي العصور الوسيطة عامة.

وهذا يعني أن كل من المعرفة الفلسفية والصوفية يتنزل في سياق التطور التاريخي والثقافي والذهني للمجتمع وتاريخية المعرفة الفلسفية والصوفية هي تاريخية انتقال المجتمع من المعرفة الفطرية (الكهانة والشعوذة والسحر والنبوة) إلى المعرفة المكتسبة متمثلة في العلوم العقلية والنقلية وذروتهما الفلسفة  والتصوف(13) ولعلّه ومن هذا المنطلق بالذات تتحدد إشكالية التصوف في النسق الخلدوني من جهة علاقته بالدين والفلسفة على السواء فلئن كانت الفلسفة تندرج من ضمن "العلوم العارضة في العمران"(14)، وبراهين الفلاسفة وعلمهم غير واف بمقاصدهم التي حوموا حولها (15) لعجز العقل عن إدراك حقائق الوجود في كليتها بذاته وابن خلدون في هذا موافق للغزالي (16)، فإن التصوف من العلوم الحادثة في الملة التي تستند إلى أصول العقيدة وتعاليم الشريعة، وإن كان ينحو منحى الفلسفة في طلب حقائق المعارف والمدارك العليا، يقول ابن خلدون في المقدمة : "هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، واصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله  تعالى، والأعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة"(17)، ويعطي ابن خلدون للتصوف في بداياته الأولى، وعلى النحو الذي تمت الإشارة إليه من خلال تعريفه هو شرعية، ويظهر ذلك من قوله وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف (18)، ويرصد بعد ذلك طبيعة السياق التاريخي والاجتماعي الذي أدى إلى ظهور الصوفية وتميزهم اجتماعيا وثقافيا حيث يقول : "فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة"(19)، ويكاد نفس الموقف يقرره ابن خلدون في كتابه في الفصل الأول من كتابه "شفاء السائل" حيث يستدل على شرعية التصوف "والاهتمام بأعمال الباطن أكثر من أعمال الظاهر ومراقبة النفس" (20) بالشريعة وأقول النبي محمد (ص) الذي نبه إلى أن شأن الأعمال الباطنة أهم لأن الباطن أصل الاستقامة"(21)، ويذكر كيف أن هذا كان للصحابة عادة راسخة ذلك انه " بعد أن شرح الله صدورهم..للإسلام... صرفوا الاهتمام إلى أعمال الباطن أكثر من أعمال الظاهر" (22).

ويعتمد نفس التمشي المنهجي الذي اتبعه في "المقدمة" للاستدلال على نشأة التصوف وتشكّله في فئة هم الصوفية وفي تيار معرفي أخلاقي اصطلح عليه "بالتصوف" يتضح ذلك من خلال نص هذا القول :".....ثم لما درج الصحابة رضوان الله عليه، وجاء العصر التالي لعصرهم تلقى أهله هدي الصحابة مباشرة تلقينا وتعليما، وقيل لهم : التابعون، ثم قيل لأهل العصر الذي بعدهم أتباع التابعين. ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، وفشا الميل عن الجادّة، والخروج عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها، وأقبل الجم الغفير على صلاح الأعمال البدنية، والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه، وشغل الفقهاء بما تعمّ به البلوى من أحكام المعاملات، والعبادات الظاهرة حسبما طالبهم بذلك منصب الفتيا، وهداية الجهور، فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعباد وطلاب الآخرة، منقطعين إلى الله، قابضين على أديانهم... انفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب" المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة وسمو بالمتصوفة" ويحــدّد ابن خــلدون تاريخ ذلك متبعا ما ذهب إليه القشيري (ت 465هـ) في قوله و"اشتهر هـذا الاسم قريب المائـتين من الهجرة" (23).

وقد توقف ابن خلدون تأثرا بالقشيري في نسبة اشتقاق اسم "التصوف والصوفية" و"المتصوفة" إلى التصوف، فقول القشيري الذي يورده ابن خلدون هنا وهو : لا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب، ومن قال اشتقاقه من الصفاء أو من الصفة، فبعيد من جهة القياس اللغوي، كذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا به" (24).

وهكذا يحدد ابن خلدون معالم طريق أهل التصوف في العبادة والمعرفة والأخلاق، ويسعى إلى إقامة فروقات بينة تميّزهم عن أهل الشريعة من الفقهاء، وأهل الفتيا وكذلك عن أهل النظر من متأخري المتكلمين (25) والفلاسفة، "إذ الصوفية يولون أهمية للقيام بالمجاهدة الروحية ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها...، وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق، وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك" (26) ويستنتج ابن خلدون قائلا: "إن هذه المجاهدة  والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحسّ، والإطلاع من أمر الله، ليس لصاحب الحس إدراك شيء" منها"(27) وهذا يعني أن المعرفة الصوفية أعلى درجة من المعرفة الحسية ومثالها المعرفة التجريبية، وهكذا يرتقي هذا العلم الذوقي الذي للصوفية إلى أن يصير تلقيا للمواهب الربانية، والعلوم اللدنية والفتح الإلهي، وتكون عند هذا ذات العارف الصوفي في الأفق الأعلى، أفق الملائكة" (28) ويذكر ابن خلدون "أن هذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم"(29).

إن أبرز ما يمكن أن نستنتجه بخصوص موقف ابن خلدون من التصوف في "المقدمة" أنه يعترف إلى حد بوجاهة هذا الطريق وبشرعية انتسابه إلى العلوم الإسلامية ويعترف بثمراته ممثلة "بالكشف" و"العلوم اللدنية" و"الفتح الإلهي" و"كشف حجاب الحسّ"، ولم يظهر لديه الميل إلى حسم القول في أمر التصوف، وما يتصل به من أسرار ومكاشفات، ويكتفي بالإشارة إلى القضايا التي ظهرت عن منهج الكشف، واختلاف أهل الفتيا من الفقهاء حول ذلك، يقول ولما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية، وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي وأمثال ذلك، وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك، وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلم لهم" (30) ويشير ابن خلدون إلى صعوبة حسم هذا الأمر، عقليّا، حينما يقول "وليس البرهان والدليل بنافع في هذا الطريق ردّا أو قبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات"(31)، كما يكتفي بتسجيل استغرابه وتوقفه من حسم القول بخصوص أراء صوفية "الوحدة المطلقة" وعلى رأسهم ابن سبعين (ت 669هـ) أو صوفية أهل "النور والتجلّي" وعلى رأسهم محي الدين بن عربي، كما يشير إلى أن القول بالاتحاد والحلول لدى بعض صوفية وحدة الشهود، هو عين ما تدعيه النصارى في المسيح" (32) وتقول به "الإمامية من الشيعة في الأئمة" (33).

الشيخ والمريد وإشكالية الشرعية الدينية

غير أنه لما صار التصوف طريقة ومنهج حياة وتربية روحية ونفسية وطرحت مسألة الشيخ، وضرورته في هذه الطريقة لكونه شرط حصول كمالات الطريق واختلف القوم في ما بينهم مع الفقهاء إلى حد التراشق بالتهم، كانت إجابة ابن خلدون في "شفاء السائل" بعد أن وفدت عليه الرسالة المغربية يستشيره فيها أهل المغرب والأندلس (العدوتين) حاسمة، ونظر في الأمر على وجه التدقيق من الناحية النظرية والاجتماعية التاريخية ومن الناحية الدينية الشرعية على وجه التدقيق.

وبما من شأنه أن يدرأ الخلاف الناشئ "بين الطائفتين وقد انطلق ابن خلدون في ذلك من تقسيم أطوار الطريق الصوفي، ومدارات مجاهدات أهل التصوف إلى ثلاث مجاهدات ليبين الحكم الشرعي وأصوله في حق كل مجاهدة :

فأما المجاهدة الأولى : فهي فرض عين على كل مكلف، إذ الواجب على كل مسلم أن يتقي عذاب الله بالوقوف عند حدوده، ويعلم أن :"ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الكافرون"(34) "هم الفاسقون")(35) .

وأما المجاهدة الثانية : فهي في نظر ابن خلدون مشروعة في حق الأمة، فرض عين في حق الأنبياء، صلوات الله عليهم، ومأخذها من الشريعة ظاهر، وذلك أن الشارع لما كان حريصا على النجاة، وكان في الحكمة الشرعية والعادية أن دفع المضار مقدم على جلب المنافع، أهاب بالكافة إلى الدخول فيما ينجيهم من الهلاك، ويأخذ بحجزاتهم عن النار، وهذه هي الأحكام العامة للمكلفين، ونبه الخواص بهديه وطريقه ونعت بيانه، للنعيم والشقاء على تفاوت الدرجات، وتباين المنازل في السعادة، وأن الصديقــين والشهداء والصالحين لهم سعادة أخرى أعلى من النجاة، وطريقها الاستقامة : "صــراط الذين أنعمت عليهم" (الفاتحة1/6). وأن أعلى مراتب هذه السعادة هو النظر إلى وجه الله (36).

أما مجاهدة الكشف فأمر إشكالي في نظر ابن خلدون إذ يقول : فالذي نراه أنها محظورة حظر الكراهية أو تزيد، قال الله تعالى : "وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون" (الحديد : 57/27). وهذه المجاهدة رهبانية، إذ تفسير الرهبانية عند أهل الأثر أنها رفض النساء واتخاذ الصوامع، ثم بين تعالى أن هذه الرهبانية لم يكتبها عليهم، وإنما قصدوا بها ابتغاء رضوان الله، ثم لم يرعوها حق رعايتها، فقال تعالى في حقهم : "وكثير منهم فاسقون" (الحديد 57/27)، نعيا لهم وذما لهم في ارتكاب الرهبانية وعدم توفيتها حقها من الرعاية. قال القاضي أبو محمد ابن عطية: وفي هذا  التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل، وأنه يلزمه أن يرعاه حق رعايته (37).

وهكذا يخلص ابن خلدون إلى تقرير نص فتوى واضحة، وذات منحى عملي اجتماعي بخصوص التصوف، ونتائجه مع بيان مدى الالتباس الذي قد يحصل بين أقوال الصوفية ومكاشفتهم وما خص به الله أنبيائه يقول ابن خلدون : "وأعلم أن الخوض في هذا الفن من الأفعال محظور من وجوه. أولها : العبارة عن تلك المعاني والمدارك المنكشفة من عالم الملكوت متعذرة لا بل مفقودة لأن ألفاظ التخاطب في كل لغة من اللغات إنما وضعت لمعان متعارفة من محسوس أو متخيل أو معقول تعرفه الكافة إذ اللغات تواضع واصطلاح، فلا توضع إلا للمعروف المتعاهد. فأما ما ينفرد بإدراكه الواحد في الأعصار والأجيال فلم توضع له. ولا يصح أيضا التجوز بهذه الألفاظ على طريق المجاز، إذ التجوز إنما يكون بعد مراعاة معنى مشترك أو نسبة، ولا نسبة بوجه بين عالم الملكوت وعالم الملك. فكيف يتكلم بما لا يفهم فضلا عن أن يودع الكتب وأن صاروا إلى ضرب الأمثال والقنوع بالإجمال فسبيل مبهم. وثانيها أن الأنبياء صلوات الله عليهم هم أهل المكاشفة والمشاهدة بالأصل، إذ هي لهم جبلة وطبيعة. واللمحة التي تحصل لغيرهم من ولي أو صديق هي بتكلف واكتساب وإطلاع النبي على أحوال الملكوت أكمل من إطلاع العارف والولي، بل لا نسبة بينهما. وهم قادرون على التعبير عن ذلك بإمداد الله إياهم بنوره. ومع هذا فلم ينقل ذلك (عنهم). وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الروح فقال "قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (38).

الهوامش

1)                    أول من بادر إلى تحقيق هذا الكتاب هو محمد بن تاويت الطنجي وصدر سنة 1958 ط استنبول، وأعاد نشره الأب خليفة، المطبعة الكاثوليكية لبنان،1959

2)                    للمقدمة طبعات عديدة أبرزها التي صدرت بتحقيق على عبد الواحد وافي، 3 أجزاء، لكننا سنعتمد، ط، دار صادر بيروت.

3)                    انظر المقدمة، صص 403-423.

4)                    المقدمة، ص 97، وانظر عبد السلام السدادي، ابن خلدون من منظور آخر ترجمة محمد الهلالي، وبشرة الفكيكي، دار توبقال للنشر الدار البيضاء المغرب 200، ص 116-117.

5)                    انظر زاهية قدورة، إسهام الفكر الخلدوني في إدراك التاريخ وعلم الاجتماع من خلال المقدمة وتاريخ ابن خلدون ضمن أعمال الملتقى الدولي الثاني عن ابن خلدون، المركز الوطني للدراسات التاريخية الجزائر، يوليو 1986، ص 21-34.

6)                    زاهية قدروة، المرجع السابق، ص 22.

7)                    المقدمة، ص 28 ( قواعد في التاريخ )

7)زاهية قدورة ، ص 22

*)ورد في كتب علم الكلام يعد التيار الأشعري نسبة إلى مؤسسة أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ) أحد أبرز اتجاهات المذهب السني التي تقول بضرورة إعمال المنطق والأدلة العقلية في صياغة علم التوحيد (مبادئ العقيدة الدينية) والدفاع عنه في وجه المنكرين، ويقوم هذا المذهب على التوسط بين قول المعتزلة في إعمال العقل، ورفض الحنابلة والسلفية لذلك ومع التأكيد على الخوض النظري في قضايا العقيدة، مع إثبات الصفات للذات الإلهية والقول بالكسب في ما يتعلق بمشكلة أفعال العباد..

8)                    المقدمة، ص 319.

9)                    المقدمة، ص 321.

10)                م.ن،ص.ن.

11)                عبد السلام الشدادي، ابن خلدون من منظور آخر، ص 78.

12)                المقدمة، ص 422

13)                أبو يعرب المرزوقي، دراسة تحليلية للعلاقة بين السلطان الروحي والسلطان السياسي "شفاء السائل لتهذيب المسائل" الدار العربية للكتاب ليبيا، تونس، 1991، ص 85.

14)                المقدمة، ص 415.

15)                المقدمة، ص 418.

16)                يقول (ابن خلدون من أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب (لسان الدين) فإنها إن وقع فيها مخالفة لاصطلاح القديم (في ما يتعلق بعلم الكلام) فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع" المقدمة ص 346، وفي مواضع كثيرة من المقدمة و"شفاء السائل" نجد ابن خلدون يؤيد حجج الغزالي، ويعتبره مصيبا في النقد الذي وجهه إلى الفلاسفة مع الاحتفاظ بالمنطق باعتباره آلية نظرية تعصم الذهن من الوقوع في الخطإ أو التناقض، وقد حدد الغزالي في كتابه القسطاس المستقيم، ط، دار المعارف مصر شروط نجاعة إدخال الفلسفة في الإسلام في ما يتعلق بمشكل المعرفة.

17)                المقدمة، ص 356-357.

18)                م.ن،ص.ن.

19)                م.ن،ص.ن.

20)                ابن خلدون، شفاء السائل، ص 39-40.

21)                م.ن،ص 40.

22)                م.ن.ص 41.

23)                م.ن، ص 44، وفي "الرسالة" ورد قول القشيري: واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة" الرسالة القشيرية، ص 71.

24)                المقدمة، ص 357، الرسالة القشيرية، ط. دار الجيل بيروت، (د.ت)، ص 361.

25)                كما هو معلوم يميز ابن خلدون بين طريقة المتقدمين من الفلاسفة حيث يكون علم الكلام، هو علم التوحيد الذي يقوم على الدفاع عن العقائد الإيمانية من خلال الأدلة والبراهين العقلية، وطريقة متأخري المتكلمين حيث استخدام قوانين المنطق ومقولاته ومبادئ "الفلسفة واعتبار  مبحث "دقيق الكلام" مقدمة للخوض في "جليل الكلام" (انظر المقدمة الفصل العاشر في علم الكلام 339).

26)                المقدمة، ص 358.

27)                م.ن، ص.ن.

28)                 م.ن، ص.ن.

29)                م.ن، ص.ن.

30)                م.ن، ص 359.

31)                م.ن، ص.359.

32)                م.ن، ص 360.

33)                م.ن، ص 360.

34)                شفاء السائل، ص 95.

35)                م.ن، ص.ن.

36)                م.ن، ص 96.

37)                شفاء السائل، ص 96.

38)                شفاء السائل، ص 103-104.

 

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس