exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


 مكانة ابن خلدون في الفكر العربي المعاصر

محمد المزوغي

التاريخ هو علم مِن اختصاص المؤرّخ وهو ليس بهواية لكلّ واحد من الناس أن يتكلّم فيه كما يشتهي وأن يقول ما اتفق ورغب. التاريخ علم له قواعد ومبادئ نظرية ومناهج تحكم كتابته وتسيّر إنتاجه. هدف المؤرّخ هو سرد الأحداث وتمحيصها بنقد الزائف منها ثمّ تقديمها للقارئ على أنها تعكس بالفعل الوقائع كما حدثت في الماضي. المؤرّخ له مهمّة خطيرة وهامّة وخطرها يكمن في أن أي زيغ أو انزياح عن قول الوقائع قد يتضخّم ويصل إلى حدّ قلب مسار الأحداث هذا إن لم يُحرّفها، وعمل المؤرّخ هو أمر هامّ لأنه يقدّم للأجيال اللاحقة وصفا لما جدّ من أحداث ماضية قد تكون لهم درسا في المستقبل وقد تعطيهم أيضا نظرة تعكس الصورة الواقعية التي كان عليه القدماء، أو ما سبقنا من الأجيال القريبة العهد، من فضيلة أو رذيلة.

العلم الكلي والعلم الجزئي:

التاريخ حسب أرسطو هو أقلّ تفلسفا من الشعر، ذلك لأن عمل الشاعر هو ثمرة تأمل في مسائل عامة تشمل حياة الإنسان بمعناها الكلي، أمّا التاريخ فإنه يعنى بوصف حدث فردي في زمان مخصوص ومكان معين. الشعر أقرب إلى العلم من التاريخ لأن العلم هو معرفة بالكلّي والتاريخ، يكتفي بالنظر في الفردي بما هو كذلك: « إن عمل الشاعر ليس رواية ما وقع بل ما يجوز وقوعه وما هو ممكن على مقتضى الرّجحان أو الضرورة؛ فإن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه منظوم أو منثور [...] بل هما يختلفان بأن أحدهما يروي ما وقع، في حين أن الآخر يروي ما يجوز وقوعه. ومن هنا كان الشعر أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ؛ لأن الشعر أميل إلى قول الكليات، في حين أن التاريخ أميل إلى قول الجزئيات. والكلّي هو ما يتفق لصنف من الناس أن يقوله أو يفعله في حالٍ ما على مقتضى الرّجحان أو الضرورة... أمّا الجزئي فهو ما فعله ألكيبياديس أو ما حلّ به[1]».

يمكن أن نسلّم لأرسطو بأن التاريخ يعتني فقط بقول ما فعله شخص ما أو ما حدث له؛ وبأنه مستحيل على المؤرخ أن يعيد إنشاء وحدة عمل ما، نظرا لغياب الضرورة والرجحان؛ ثمّ بالمثل، وحسب قواعد الإبستيمولوجيا الأرسطية،  يمكن أن نسلّم له بأن رواية مثل تلك التي يقصّها سوفوكليس حول أوديب، أو يوربيدس بشأن أورست، هي أقرب إلى الكلّي الذي تصبو إليه المعرفة الفلسفية. إنّ تلك الروايات تحكي فعلا ليس فقط ما حدث ضرورة أو رجحانا إلى أشخاص معيّنين في أوضاع محدّدة، بل إنها تقدّم أسبابها وعللها.

فنّ الشعرـ التراجيديا إذن يجب أن يذكر الأحداث التي يمكن ترتيبها بحيث تغدو مهيكلة في نسق منطقي محكم وبالتالي يمكن للمشاهد، أو القارئ أن يمسك بأسبابها ومنطقها الداخلي بحسب الضرورة. الحكاية الشعرية، توفّر إذن التفسير المعقول لعمل إنسان نموذجي، الشيء الذي لا يتيحه القصص التاريخي حينما يروي لنا أفعال أشخاص منغمسين في واقع تجارب حياتية لا معنى لها لأنها تتأرجح بين الصدفة المطلقة والتواتر المستمرّ.

إذن لا علم يقيني إلاّ بما هو ضروري وكلّي، هذا هو قانون التحليلات الثانية الذي يجب أن يخضع له ترتيب العلوم وتصنيفها. لقد انعكست هذه النظرة الإبستيمولوجية على عملية تقسيم العلوم وأثرت حتى في المفكرين والفلاسفة العرب؛ فالفارابي مثلا في كتابه إحصاء العلوم لم يدرج التاريخ في تصنيفه « ولم يفعل ذلك أحد من المشّائين العرب[2]». لكن كما أن الحضارة العربية أنتجت فلاسفة وعلماء، فإنها أنتجت أيضا مؤرخين اعتنوا بسرد الأحداث التاريخية العينية، أي بما كان وما هو كائن لا بما يجب أن يكون.

لقد سحب البعض من الدارسين ذلك الموقف، أعني إقصاء التاريخ من حقل العلوم العقلية حتى على ابن خلدون، حيث يقول فرانز روزنتال: « إن كتاب [ ابن خلدون] العظيم، لا يُدخل صنعة التاريخ من ضمن المنتجات العقلية المستقلّة[3]». لكن المفكر المغربي سالم حميش يعلق قائلا بأن هذا القول لا يطابق الواقع، فهو: « قول شارد غريب يناقض صريح النص الخلدوني المتحدّث عن التاريخ كعلم "مستقلّ بنفسه" (المقدمة) وقائم على العقل كسلطة تمييز بين الإمكان والاستحالة في الخبر والواقعة[4]». لكن الرأي المخالف له بدوره سند في النصّ الخلدوني لأن ابن خلدون في المقدمة وبالتحديد في الفصل الذي عقده تحت عنوان "في العلوم وأصنافها" لم يذكر علم التاريخ من ضمن العلوم العقلية بل إن تصنيفه للعلوم جاء مطابقا في جوهره للتصنيف المشائي[5]. فالعلوم العقلية، أو ما أسماه ابن خلدون العلوم الفلسفية، تنقسم إلى سبعة أقسام: « المنطق وهو المقدَّم منها وبعده التعاليم، فالأرتماطيقي أوّلا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات ولكلّ واحد منها فروع تتفرّع عنه. فمن فروع الطبيعيات الطّبُّ ومن فروع علم العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات ومن فروع الهيئة الأزياج وهي قوانينُ لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها متى قُصد ذلك[6]». لكن ابن خلدون يصرّ في المقدمة على أن علم التاريخ هو علم « أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق[7]».

لا أريد التوقف كثيرا عند هذه المعضلة ولكن يجب الإشارة إلى أن ابن خلدون في كثير من تصوّراته ومفاهيمه بقي حبيسا للفكر السائد في عصره، أعني الفكر الأرسطي ومرتبط بالتراث المشائي العربي خصوصا. وقد يكون عدم تصنيفه للتاريخ في خانة العلوم العقلية نابعا من فكرة أنّ التاريخ له علاقة وطيدة  بالعلوم الدينية.

ابن خلدون كما لو أنه حدس مسبقا الخلل الداخلي في الإعلاء من شأن الكلي في معرفة الواقع، يعرب صراحة عن موقفه الناقد من الاعتداد التامّ بالمعرفة الكلية، لأنه إن تشبثنا بمبادئ ابستيمولوجيا أرسطو فإن التاريخ يغدو علما مستحيلا ونافلا.

يجب ردّ الاعتبار للجزئي والتقيّد بالفكر التجريبي الذي موضوعه « الإمكان بحسب المادّة » والإعراض عن الفكر الكلّي المجرّد الذي يُعنى فقط « بالإمكان العقلي المطلق الذي لا يجعل حدّا بين الواقعات ».

وبالنسبة للمؤرخ فإن المهمّ ليس معرفة الكلّيات المجردة بإطلاق وإنما المسك بالوقائع الجزئية، أعني بالأحداث ومعطياتها المتغيرة بتغير الظروف المحيطة بها. التاريخ عند ابن خلدون هو علم لا ينفصل عن قول الحقيقة وقد يصل إلى معرفة صحيحة بالأشياء كما العلوم الأخرى، وبالجملة فإن التاريخ لا ينفصل عن فلسفة التاريخ. وقد يكون التشبث بالكلي في نظر ابن خلدون هو السبب في كثير من الأخطاء، فالفلاسفة « معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات، وتجريدها في الذهن أمور كلية ليحكم عليها بأمر العموم، لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات. وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها[8]». المؤرخ، على العكس من ذلك لا يقيس شيئا من الأحوال المتشخصة على أخرى « إذ كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور» ويراعي ما في الخارج وما يلحقه من الأحوال وما يتبعه من تغيرات، ينافي الكلّي الذي يحاول تطبيقه عليها.      

1 ـ ابن خلدون وكتابة التاريخ:

كل الذين أقدموا على كتابة التاريخ من الاختصاصيين صدّروا أعمالهم بتخطيط منهجي محكم، الغاية من ورائه إعطاء تعريف لعلم التاريخ وتثبيت مكانته بين قطاعات العلوم الأخرى والدّفاع عن مشروعيته وذكر فضائله كعلم ونجاعته في الكشف عن حقائق الأحداث العينية وسبر الظواهر التاريخية والتدقيق فيها، مع التنبيه عن مختلف العوائق التي قد تحول دون تحقيق الضبط والموضوعية المرغوب فيها، ثمّ العمل على نقد التواريخ السابقة وإظهار نقائصها إن كانت غير موفية بالغرض.

ابن خلدون لا يشذ عن هذه القاعدة، و يمكن رصد أهدافه العلمية في المقدمة حيث يُعرب صراحة عن قناعاته المنهجية وعن أغراضه العلمية بصورة شفافة وواضحة ( بغض النظر عن بعض جمله ذات الأسلوب المشحون خطابة وشِعرية) : « أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال وتتساوى في فهمه السوقة والجهال [9] ».

ثمّ ينبّه القارئ على ما ليس هو من التاريخ أي، بعبارة ابن خلدون، ظاهره الذي : « لا يزيد على إخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول تنمو فيه الأقوال وتضرب فيها الأمثال، وتطرب بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال [...][10] ».

لكن على عكس ذلك فإن التاريخ، في باطنه هو: « نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق [11] » .

وها هي مهمة المؤرخ ومغزى عمله: إنها تكمن أصلا في تقصّي حقائق الأحداث بموضوعية وتنقيتها من شوائب الزيف والأوهام والأباطيل التي لحقتها إثر تدخّل من يدعوهم ابن خلدون بالمتطفّلين في ميدان التاريخ: « إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطّروها في صفحات الدفاتر وأودعوها وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها. واقتفى تلك الآثار الكثير ممّن بعدهم واتّبعوها وأدّوها إلينا كما سمعوها[12] ».

وهذه النقائص ناتجة بالأساس، حسب رأيه، جرّاء خلل وتقصير في المعاينة المباشرة للأحداث وعدم إدراك القوانين المتحكّمة بمسار التاريخ؛ المؤرخون السابقون « لم يلاحظوا أسباب الأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترّهات الحديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل والتقليد عريق في الآدميّين وسليل والتطفّل على الفنون عريض طويل[13] ». لقد غاب عن أكثرهم أن الأحداث التاريخية تخضع لقوانين محدّدة وتربطها بالعمران وبطبائعه علاقات موضوعية ثابتة « فللعمران طبائع في أحوله ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار[14] ».

ولا يغيب عند هذا الحدّ، كما عادة ابن خلدون، نقد لاذع يخص به المتأخرين من الرواة وجميع كتّاب التاريخ اللاحقين المتشبّثين بالتقليد والمخلّين بشروط التحقيق. فعلا، بعد انقضاء عهد الثلة الأولى من المؤرّخين « لم يأت [...] إلاّ مقلد، وبليد الطبع والعقل أو بليد ينسج على ذلك المنوال، ويحتذي منه بالمثال ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال، فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها، وصفاحا انتضيت عن أغمادها، ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها. إنما هي حوادث لم تعلم أصولها وأنواع ولم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها يكرّرون في موضوعاتها الأخبار المتداولة بأعيانها إتباعا لمن عني من المتقدّمين بشأنها ... وليس يعتبر لهؤلاء مقال ولا يعدّ لهم ثبوت ولا انتقال، لما أذهبوا من الفوائد، وأخلّوا بالمذاهب المعروفة للمؤرّخين والعوائد[15] ».

لا مخرج إذن من هذه النقائص إلا بإعمال العقل والتحري والمثابرة في سبر الحقائق بالتمييز بين الروايات الموثوق بها والأخرى المزيفة، لأن الذين وقعوا في أخطاء تاريخية كبرى من الزيف والوهم، انجرّوا وراء أهوائهم واعتمدوا « على مجرّد النقل غثّا وسمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلّوا عن الحقّ وتاهوا في بيداء الوهم والغلط [16] ».

هناك أسباب موضوعية وذاتية تجعل من الخبر كاذبا، ومن بينها، وقد تكون الأهمّ، ما دعاه ابن خلدون « التشيّع للآراء والمذاهب[17]»، ذلك لأن النفس « إذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة قبِلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة وكان ذلك الميل والتشيّع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله[18]»، ومنها أيضا « تقرّب الناس لأصحاب التّجلّة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة[19]». أمّا أولئك الرواة الذين يستخدمون منهجية الحديث، المقامة على نقد السند عن طريق التعديل والتجريح، فإن ابن خلدون يعارضهم لأنّ ذاك المنهج لا يجدي نفعا في تحرّي صدق الخبر وحصر حقيقته. فعلا، ما فائدة النظر في السند عندما يكون الخبر المنقول خرافة مستحيلة الوقوع عقلا؟

نقد السند عند ابن خلدون، إن كان شرطا ضروريا ولازما، فإنه غير كافٍ ولا أساسي، بل يجب أن يأتي في مرحلة ثانية وتكميلية، بعد التأكّد مسبقا من إمكانية وقوع الحدث المَروي في ذاته: « ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يُعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع. وأمّا إذا كان مستحيلا، فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح. ولقد عدّ أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل[20]».

إذن هناك قانون ينبغي أن يحترمه المؤرخ في سبر الأحداث وهو ما دعاه ابن خلدون بقانون المطابقة: « وأمّا الأخبار عن الواقعات، فلا بدّ في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة. فلذلك وجب أن يُنظر في إمكان وقوعه، وصار فيها ذلك أهمّ من التعديل ومُقدّما عليه، إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط، وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة. وإذا كان ذلك، فالقانون في تمييز الحقّ من الباطل في الإخبار، بالإمكان والاستحالة، أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونُميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضا لا يُعتدّ به، وما لا يمكن أن يَعرض له. وإذا فعلنا ذلك، كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحقّ من الباطل في الإخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشكّ  فيه. وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران، علمنا ما نحكم بقبُوله ممّا نحكم بتزييفه. وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخ طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه[21]».

لقد أدّت إرادة التحري وضبط الأخبار ابن خلدون إلى استحداث علم جديد الذي هو « العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته»، وهذا نابع من اقتناعه بأن الأخبار الصحيحة يجب أن تخضع لقانون المطابقة، أعني مطابقة ما هو ممكن من الأحداث لا المستحيلة الوقوع. إذن علم العمران لم يكن هو الغرض الأساسي في مسار ابن خلدون الفكري، بل هو فقط أداة لغاية أخرى ألا وهي توثيق وضبط التاريخ.

وعلى الرغم من اعتداده المفرط بالنفس والإشادة بعمله الذي اعتبره فذّا وفريدا من نوعه بما ضمنه فيه من « العلوم الغريبة والحكم المحجوبة[22]» إلاّ أن ابن خلدون كان واعيا بمحدودية عمله « موقن بالقصور معترف بالعجز»، ولذلك فهو ينصح القارئ ويحرّضه بشدة على الإطلاع على ما جاء في كتابه، المقدّمة، بروح نقدية خالصة لا المجاراة العمياء أو الإتباع المنصاع، « راغبا من أهل اليد البيضاء والمعارف المتسعة الفضاء في النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء، والتغمد لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء [23] »؛  وأخيرا يردف كل ذلك بنصائح وتنبيهات لدارسي التاريخ قصد التحري من صحّة الأخبار والكشف عن الزائف منها بعرضها على القوانين الصحيحة الثابتة « فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك وتأمل الأخبار واعرضها على القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه [24]».

أقول: لا أحد من المؤرخين القدامى أو المحدثين يختلف مع ابن خلدون من حيث المبادئ والمنهج والأهداف، في كيفية إنجاز وتحقيق مآرب العمل التاريخي الجدّي والموضوعي. فالتخلص من الأفكار المسبقة واتقاء الأهواء ونقد الروايات المشكوك في صحتها والتمسك بالموضوعية، هي مبادئ أولية وأرضية موحدة لكل عمل تاريخي يستحقّ تلك التسمية.

ومن المفترض أنه إذا استُخدمت بجدّ هذه الأطر المنهجيّة ونُزّلت فعلا في سبر الوقائع التاريخية فإنها حتما ستنتج عملا تاريخيا مرموقا ومتميزا بموضوعيّته وبعلميّته. وقارئ المقدّمة ينتظر من ابن خلدون ذلك ويستعدّ للإطلاع على عيّنة ملموسة مِن ذاك التوجّه المنهجي العلمي ومن تلك النزعة الموضوعية المتجرّدة في سرد أحداث التاريخ. لكن الرجل عند مباشرة عمله وتفعيل مبادئه، حقيقة، يخيب آمالنا بشكل رهيب: فهو يدمّر ما افترضه وينقض أسس منهجه ومقاصده العلمية حينما ينزل من التخطيط المنهجي النظري إلى الواقع العيني: دفاعه المستميت عن العبّاسة وعن الرشيد ورفضه المتعنت لأخبار المؤرخين التي أوردت أحداثا تناقض توجهاته الإيديولوجية، أفقدته رصانته وتريثه في الحكم وأدخلته في دوامة المماحكة الجدالية التبريرية وكادت تقضي على مقاصده العلمية بأكملها. لقد صنّف كل الأخبار التي لا تتماشى مع توجهاته الأخلاقية الإيمانية في خانة « الأخبار الواهية[25]»، أو « الحكايات المدخولة للمؤرخين[26]»؛ أو نعتها بأنها « أخبار بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة[27]».

بلاطات الخلفاء من بني أمية وبني العباس وحاشيتها كانت معروفة بالترف واللهو وبعدم التزامها تعاليم الدين بالإضافة إلى وحشيتها في قمع أي شكل من أشكال المعارضة في الداخل وبإرهاق الناس بالضرائب ونهب خيراتهم، وهذا أمر يكاد يكون طبيعيا لولاة الأمر في تلك العصور، أي في مجتمع كلّياني حيث القانون يتمركز في يد شخص واحد هو القانون ذاته والدين يبرره مهما فعل.

ابن خلدون دافع عن الرشيد وقدّمه في صورة رجل قدّيس وأبله ودموي في نفس الوقت: فهو لا يعاقر الخمر أبدا ويصلّي مائة ركعة نافلة عدا الصلوات المفروضة في أوقاتها وأشدها وأصعبها صلاة الصبح؛ يحج بالتداول عاما بعد عام. هذا الرجل، الملتزم بتأدية الشعائر الدينية أكثر من اللازم، قد اختلطت الفرائض بلحمه ودمه حتى أنه لا يمكن أن يثنيه شيء عن القيام بها في أوقاتها ولا يلهيه أحد من الناس على تأديتها. من المفروض أن يكون كذلك؛ لكن، في الواقع، هذا الرجل الذي فاق الجميع ورعا وتعبّدا لا يتمالك، وهو يؤدي صلاته، مِن الضحك وقطع استرسال ركعاته، فقط لأن مُهرّجه المدعوّ، ابن أبي مريم، علّق مازحا على الآية (ومالي لا أعبد الذي فطرني) قائلا « والله ما أدري لم ؟[28]».

لو كان الرشيد رجلا متدينا قائما بالفرائض وبكّاء من مواعظ العلماء، كما بالغ في  تصويره ابن خلدون المؤرخ، لما ضحك في وقت الصلاة من تلك الدّعابة الذكية السّمجة، بل لما ترك لمهرّجه الفرصة للدخول عليه حين صلاته أو مزاحه. الرجل الورع جدّا يبدو وكأنه أسير في يد البهلوان الذي لا يؤدي الصلاة ويسخر من آيات القرآن.

في الأعوام التي لا يحج فيها الرشيد يغزو، أي يشعل نار الحرب لأن الغزو هي حرب هجومية تعني القتل وإزهاق الأرواح البشرية والسبي والغنائم واسترقاق النساء والأطفال. هكذا هو الرشيد كما يصوره لنا ابن خلدون.

إنّ أقوال ابن خلدون تبدي فعلا، ما يسمّيه أحمد أمين: « إفراطا في التقديس لا تدلّ عليه سيرة الرشيد، خصوصا وأن أدلّته [ابن خلدون] في هذا النوع أدلّة خطابية؛ فقرب عهده من المنصور لا يستوجب أن يعيش عيشته، وقد صرح هو مرارا بأن الترف والنعيم في عصر الرشيد كان أكثر منه في عصر المنصور، ولو كان قرب العهد يكفي في الاستدلال، لما رأينا الأمين ـ وهو قريب العهد من الرشيد ـ يسير سيرته[29]». « والعجب أنه عقد فصولا طويلة يتعرّض فيها لوصف الحضارة والنعيم والترف في أيام الرشيد والمأمون وتفننهم في المطعم والمشرب والملبس، وهو هو الذي وافق المسعودي والطبري على ما حَكيَاه في أعراس المأمون...هل هذا ليس سرفا في الترف؟ وهل قرب عهد المأمون من الرشيد كقرب عهد الرشيد من المنصور جعلت الناس يعيشون عيشة السذاجة كما يقول؟».

لقد أظهر ابن خلدون أنه، في ميدان التاريخ، رجل محافظ وهو كذلك أيضا في حياته الشخصيّة وحتى في توجّهاته السياسية والدينية؛ ويبدو أن همّه هو تنظيف صورة الخلفاء وتطهير سيرتهم والدفاع المستميت عنهم وذلك بتجنيد جميع أشكال التبريرات الضعيفة ونكران ما أجمعت عليه الروايات والتواريخ السابقة.

لكن ذلك الدفاع، إن وضعناه في نسق التفكير الخلدوني يتجلّى مغزاه الحقيقي، ذلك أن إفراطه في التقديس، مبني على قناعات شخصية ثابتة، إذ يمكن أن نستشف من أقواله أن الرجل يرفض نمط الحياة السائد في العصور المتأخرة للحضارة الإسلامية وحتى العصر الذي عاينه وعاش فيه، حيث خفّت وطأة التدين وضعفت روح التمسك الحرفي بتعاليم الشريعة، وهذا أمر وثيق الارتباط بضرورات التحضر وبأسبابه.

وليس من المستغرب، لرجل أعلى من شأن حياة البداوة وقيم العصبيّة، أن يكنّ مشاعر الحقد والازدراء للفنون الجميلة ولمختلف تمظهراتها سواء منها النظرية أو العملية. وأقواله ونصائحه تذكرنا بالمصلحين الأخلاقيين وبالدعاة ومن شابههم وجرى مجراهم. فهو مثلا يورد في المقدّمة اعترافا من سيرة حياته هذا نصه: « ولقد عذلت يوما بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولعه بالأوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ترى إلى إبراهيم ابن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس المغنين في زمانه؟ فقلت له يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم. فصمّ عن عذلي وأعرض [30] ».

 إن هذا الأمير المسكين لم يجد شيئا ليبرر به شغفه بالغناء والعزف إلا الاستشهاد بالسابقين، لكن من سوء حظه أنه وجد أمامه مُصلحا دينيا ومُدافعا عن مكارم الأخلاق، ـ الأخلاق كما كان يتصورها هو، أي كبت كل مظاهر التحضرـ، له دراية بالتاريخ وبالسير، استطاع بيسر نقض اعتراضه وتدمير حججه لإصلاح أمره وتخليته عن الاشتغال بتلك الأمور الدنيوية. ابن خلدون تقريري في رفضه للموسيقى والغناء بل إدانته كانت إدانة فقهية شرعية لا تقبل الدحض، فعلا: « تلحين الموسيقى الصناعي لا ينبغي أن يُختلف في حَظره، إذ صناعة الغناء مُبايِنة للقرآن بكلّ وجه[31]».

لكن، في الحقيقة، قد يكون التاريخ والأحداث والسير تكذب المؤرخ وتؤيد الأمير. لأن تقريبا كلّ ولاة الأمر المسلمين ولعوا بالطرب والغناء حتى أولئك الذين مجّدهم التاريخ أو عُدّوا في الوعي الشعبي مِن بين أعدل وأتقى رجال الأمّة. لقد ذكرت لنا السّير القديمة أن عمر ابن عبد العزيز، الخليفة العادل، كان يلحّن للمغنّين وأنه حين تولّي المدينة، على عهد الوليد بن عبد الملك، مارس التلحين وعدّد أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني ما لحّنه عمر ابن عبد العزيز من الأغنيات. ويذكر المؤرّخون أن المدينة، بعد خروج الخلافة منها، قد مالت إلى اللّهو والطّرب. وفي طبقات ابن سعد أن عمر بن عبد العزيز حكم بجواز شرب النبيذ، وهو حكم معظم الفقهاء من معاصريه. وفي رواية أخرى لابن سعد أنه نهى عن ملاحقة شاربي الخمر إذا فعلوا ذلك داخل بيوتهم، وهو حكم ابن مسعود وسعيد بن المسيب. ولم يكن عمر رجل دين إنما كان رجل دولة وقد أفادت زوجته فاطمة في رواية أبو يوسف في الخراج أن عمر لم يكن كثير التعبّد. ونقل ابن سعد في الطبقات عن اثنين من مناصريه أنهما رأيا عمر وليس بين عينيه أثر السّجود.

هذا مثال من تلك الشواهد التاريخية التي تكذب ادعاءات ابن خلدون والتي من الأكيد أنه اطّلع عليها ولكنه لم يعرها أي اهتمام ولا أخذها في الحسبان لأن قناعاته الدينية وما تمكّن منه من إعلاء للخلفاء وعدم الجدال في حياتهم حالت دونه ودون تفعيل مبادئه العلمية ونقد السائد من الأخبار.

لكن ابن خلدون وضع كلّ مظاهر التحضر، ومن بينها الغناء، في خانة الفراغ والمرح وليدة الترف واللهو، وصفة ملازمة لأسباب العمران ومؤذنة بالتفسّخ والانحطاط، وبالتالي، وعلى أساس هذا الطرح، سهل عليه إدانتها وإقصاؤها، فعلا صناعة الغناء هي « آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلاّ وظيفة الفراغ والفرح. وهو أيضا أوّل ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه[32]».

إنّ التبرير والدفاع والمنافحة تأخذ بعدا كبيرا في المقدمة وتكتسح سِير كثير من الرجال والحكام، وفي بعض الأحيان تصل لهجة دفاعه إلى حدّ القسوة والعجرفة والشتم إزاء من خالفه الرأي، مثل الدفاع عن إدريس ابن إدريس، حيث يقول : « ومثل هذا الطاعنون في نسب إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (رضوان الله عليهم) الإمام بعد أبيه بالمغرب الأقصى [...] إنه لراشد مولاهم قبّحهم الله وأبعدهم ما أجهلهم [33] ».

أرى أن الرّجل الذي كان ينصح قارئه بالتريّث في الحكم وباستعمال منهج تجريبي علمي في سبر الروايات والأخبار، كبت كلّ تلك التنبيهات لا لشيء إلاّ لأنها تناقض مبادئه وقناعاته الروحية وتتضارب مع توجهاته السياسية. أعتقد أن هذا ليس بالعمل التاريخي الجدي ولا هو من التاريخ في شيء بل قد يؤدي إلى طمس الروح النقدية والتضارب  بين القول والفعل والإجهاز عمّا خطط له من مبادئ  وتعهد به من تحاليل.

اضمحلت كل الضمانات المنهجية وأرسي محلها قانون عام يجب أن تخضع له  كتابة التاريخ، قانون اختزالي ولا علمي أصلا: مَن لم يُنزّه أهل البيت، عند ذكر السير والأحداث، فتاريخه لاغٍ وهو كافر؛ وهذا إدخال للكفر لأوّل مرّة في علم التاريخ : « على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الإيمان فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ففراش إدريس طاهر من الدنس ومنزه عن الرجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه [34] ».

 هذا التكفير لا يطال فقط المؤرخين والرواة والمعارضين السياسيّين بل أيضا فقهاء الدّين المغاربة؛  ففي لهجة شديدة وغريبة جدا عن الروح العلمية المتسامحة يقول: « ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين ونسبته إلى الشعوذة والتلبيس [35] ».

من الواضح أن الرجل وقع تحت وطأة معتقده الديني وانصاع لمبادئ مذهبه الكلامي (السني الأشعري) ولتحيّزه السياسي بحيث حجبته كلّ هذه العوامل عن رؤية الواقع وعن تحقيق أهدافه بل وجعلته يدور في دوامة التبرير والمنافحة المتعنتة على رجال من لحم ودم لهم من الخصال الحميدة والرذيلة نصيب وقد تغلب الأخيرة على الأولى وكثيرا ما كان الأمر كذلك.

التخطيط المنهجي والنوايا العلمية الطيبة إن لم تُطبق على أرض الواقع  تصبح ضارة لأنها تضعف من مصداقية العالم وتؤدّي  بالقارئ إلى الشك في جدية ونجاعة عمله. فابن خلدون يدعونا إلى امتلاك معرفة موسوعية شاملة ومفصلة ودقيقة بجميع العلوم وبمختلف فروعها: « يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول والملل والمبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خبره [36] ». لكن هذه الروح الموسوعية، التي يحمد عليها، تنقصها الذهنية التحليلية النقدية؛ ومن الواضح أن ابن خلدون كان يفقدها لعدم تمكّنه من التخلص من عِبْء الموروث الديني والمكوث في أسر تمذهبه الأشعري والإعراض عمّا يمكن أن يخرجه من طوقه الإيديولوجي: ويكفي هذه العناصر المحددة كي يوضع كل البنيان النظري في موضع شك وريب.

لقد قصّر الرجل وأجحف: قصّر لأنه لم يحقق على أرض الواقع منهجه وشروط عمله التي ذكرها وركز عليها بشدّة وأنّب عليها من جاؤوا قبله؛ ولم يتسنّ له كسب الموضوعية المنشودة  ولا إرادة الخروج عن المألوف من التواريخ، والمقدمة تعطينا عينة واضحة على ذلك.

وأجحف لأنه أنكر أحداثا تاريخية لا لشيء إلا لأنها تمس قناعاته الشخصية، ورمى بثقل إيمانه في المجال الذي كان من المفروض عليه أن يتخلى عنه أو يعلقه ولو ظرفيا. إنه من البديهي بمكان أنّ صناعة التاريخ بصفة عامة، هي كما يقول إيف لاكوست « بسبب موضوع بحثها، المعرفة التاريخية للأحداث الإنسانية كما وقعت بالفعل في الماضي، تحتّم شكلا من الفكر العقلاني، بل في معنى ما، ماديّ، وفي تعارض تام مع الإيديولوجيا الدينية. إن تطوّر الفكر التاريخي يفترض تحمّل الإنسان على كاهله لماضيه الخاص ويحتم أيضا مجهودا لفهم مأساة الوجود التاريخي[37]». مَن يقدر أن يفي بهذا الشرط المهمّ والمحدّد في كتابة التاريخ؟ مِن الصعب جدّا لكاتب مؤمن أن يتخلّص من زاده الإيماني، ولئن تخلص منه فسيبقى أمرا عرضيا وظرفيّا، لا يؤثر جوهريا في توجهه الروحي وفي قاعدة إيمانه، وهذه هي الحالة التي كان عليها ابن خلدون. ففي نفس النصّ الذي أرجع فيه قيام الدولة إلى أسباب طبيعية دنيوية، فإنّ الرجل يدين الفنون الجميلة ويقصي الفلسفة ويتهمها بالفساد والتخريب.

النتيجة النهائية، حسب رأي كاتب هذه السطور، هي أن ابن خلدون، كمؤرخ صرف، مخيب للآمال ولا يرقى حتى إلى مرتبة من سبقوه بقرون عديدة أي مؤرخي اليونان وروما، وذلك لسبب بسيط لم تتمكن منهم الروح الدينية ولم ينصاعوا لأسبابها ووطأتها. لقد رأوا في التاريخ مجموعة من الأحداث العينية من صنع الإنسان والطبيعة، أحداثا لا دخل للإله فيها لأن لها منطقها الخاص الذي يربط  بعضها ببعض وتتشابك في منظومة ذات قوانين يمكن للدارس أن يقترب منها وأن يكشف عن أسراره.

2 ـ تقييم الفلاسفة:

قد يكون هذا الحكم قاسيا، وفعلا هو كذلك في أعين كثير من محبّي ابن خلدون لكنه حكم موضوعي في أساسه: ما استفزّ الفلاسفة في عمل ابن خلدون هو عدم أمانته لمبادئه، وتغاضيه عن تحقيق مشروعه النظري على أرض الواقع ثمّ تمكّن القناعات الإيمانية من عمله وذلك منذ الصفحات الأولى من المقدمة. البعض من الفلاسفة المحدثين أرجعوا ثغرات الفكر الخلدوني إلى وجهة نظر معرفية، أعني إلى ارتباط تفكيره بنمط ابستيمولوجيا عصره، وهو مصير كلّ نسق فكري تقريبا، وابن خلدون لم يكن ليشذّ عن هذا القانون الصارم لتاريخانية إنتاج المعرفة.

المفكر المغربي، سالم حميش، يعرض تحفظاته النقدية على الفكر الخلدوني من جهة بقائه حبيس نظرة زمانه: « ما نذهب إليه لا يعني أن صاحبنا قد توفّق دائما في القفز فوق عصره. بل إنه حينما مارس التأريخ في كتاب العبر لم يستطع بوجه عامّ الانفكاك عن ثقل أطر عصره المعرفية. [...] إن كتاب العبر، في آخر المطاف، لا يمكنه أن يصلح كأداة عمل إلاّ في حقل الغرب الإسلامي، وبالأخص عند القرنين السابع والثامن للهجرة اللذين يعرفهما مؤرخنا معرفة أدق وأفضل. أمّا ما خلا ذلك، فإنه " لا يظهر ـ كما يسجل روبر برونشفيك ـ شديد التعلّق بالتواريخ، حتى إن المعطيات الكرونولوجية كثيرا ما تتناقض عبر كتابه بحيث نضطر إلى استبدالها في مواضع كثيرة بتلك التي تزوّدنا بها مصنفات أخرى أكثر تواضعا وأقلّ حجما"[38]». أمّا عبد الله العروي فقد كان أكثر قسوة حيث ذهب إلى أن المقدمة « لا تنفع المؤرخ المحترف. قرأها ابن حجر فلم يستفد منها وما كان له أن يستفيد، بل كتبها ابن خلدون وما استفاد منها في كتابة تاريخه. ما هو مؤلم ومزعج ليس أن المقدمة لم تغيّر وجهة المؤرخين، ذلك منتظر، بل كونها لم تغيّر الذهنية العمومية[39]».

أمّا الجابري فقد عمّق التحليل في سبر مأزق الفكر الخلدوني ورأى أن هناك تناقضا داخليا ينخر مشروع ابن خلدون من الداخل، وهذا التناقض « يرجع إلى المهمة المزدوجة التي أسندها صاحب المقدمة إلى علمه الجديد. إن ابن خلدون يريد من مشروعه أن يتناول، في آن واحد، التاريخ كأحداث والتاريخ كمعرفة: فهو يطمح من جهة إلى تفسير الظاهرة العمرانية ككلّ، وبكيفية خاصة قيام الدولة وسقوطها، انطلاقا من "أن كلّ حادث من الحوادث، ذاتا كان أو فعلا، لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاتها وفيما يعرض له من أحواله"؛ الشيء الذي يعني أن حوادث التاريخ تخضع لعوامل موضوعية وأسباب خارجة عن إرادة البشر؛ ومن جهة أخرى يريد صاحب المقدّمة أن يضع ضوابط للكتابة التاريخية، وبعبارته الخاصة "معيارا صحيحا يتحرّى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه" من أخبار. وبتعبير حديث يمكن القول أن المشروع الخلدوني ذو طبيعة مزدوجة متناقضة: طبيعة تجعله ينتمي إلى فلسفة التاريخ التأملية، وطبيعة تريده أن يكون من صميم فلسفة التاريخ النقدية. وبقدر ما تشهد هذه الطبيعة المزدوجة المتناقضة على طموح النظرة الخلدونية بقدر ما تسجن المشروع كلّه في حلقة مفرغة لا سبيل إلى الخروج منها إلاّ بتخليصه من هذه الازدواجية بإحداث تعديل أساسي فيه[40]».

يقول الجابري بأن ابن خلدون قد « أخطأ في فهم العلاقة بين علم العمران وبين التاريخ فانعكس ذلك على الإثنين معا. فمن جهة لم يتمكّن ابن خلدون من تطبيق المنهج التاريخي الذي بشر به في مقدمة المقدمة، فجاء تاريخه منفصلا تماما عن المقدمة وبعيدا عن روحها، ومن جهة أخرى كان لتضييق ابن خلدون المجال على نفسه في بنائه لعلمه الجديد بتقييده بما يسميه "البرهان الطبيعي" أو "الوجودي" أن جعل هذا "العلم" قاصرا عن استيعاب الصيرورة التاريخية بكامل أبعادها، الشيء الوحيد الذي كان بإمكانه أن يجعل منه بالفعل مشروعا لفلسفة تاريخية قابلة للتطوّر والإغناء[41]». مأساة الخلدونية حسب الجابري تكمن إذن في إرادة فلسفة التاريخ وبالتالي إسقاط نظرة ذاتية على مساره قد لا توافق سيرورته الفعلية: « لقد أراد ابن خلدون أن يفلسف التاريخ من داخله وهذا شيء غير ممكن. فالمؤرخ لا ينتج فلسفة تاريخ بل يحاول إعادة بناء التاريخ، وهو في عمله هذا يصدر، شاء أم كره، عن فلسفة للتاريخ صريحة أو ضمنية تجد أصولها دوما لا في الأحداث التاريخية بل في المعنى الذي يعطى للصيرورة التاريخية ككلّ من طرف هذه الفلسفة أو تلك، أي من طرف نظرة إلى التاريخ تشيد نفسها خارج التاريخ لا داخله[42]». هذا الاستنتاج يخلص الجابري إلى تقييم سلبي لأولئك المفكرين العرب المحدثين الذين يقرؤون فكر ابن خلدون بواسطة العلوم الحديثة ويعتقدون أنهم يبرهنون بذلك على عصرانية الفكر الخلدوني: إنه عبث فكري لا طائل منه، ذلك لأنهم في نظر الجابري، وكاتب هذه السطور يوافقه في رأيه، يسيئون إلى ابن خلدون حينما « ينقلون علوم عصرنا إلى ابن خلدون، وبالتالي يقيدون هذه العلوم بنفس القيود التي كبّلت جانب الطموح في المشروع الخلدوني. والنتيجة هي تجميد الدراسات الخلدونية في نفس القوالب التي جُمّد فيها علم العمران الخلدوني[43]».

المشروع الخلدوني في نهاية المطاف، على الرغم من جدّته، لا يمكن أن يتجاوز أطر عصره، فعلا، طُموح ابن خلدون إلى بناء منهج وتصوّر جديدين للتاريخ « ظلّ سجين جهاز ابستيمولوجي لا يحتمله ولا يقدر على حمله. إن تحقيق المشروع الخلدوني كما تصوره صاحبه كان يتطلب جهازا معرفيا لم يكن يتوفّر عليه صاحب المقدمة ولا أيّ من معاصريه[44]».

3 ـ المؤرخون وتاريخ ابن خلدون:

      لقد أوردنا بعض آراء الفلاسفة حول فكر ابن خلدون ومشروعه التاريخي ككلّ، والذي هو في جوهره تقييم سلبي ومداره هو البون الشاسع بين التخطيط المنهجي والعوائق الذاتية والموضوعية التي حالت دون تنفيذه. لكن لقائل أن يقول بأن موقف هؤلاء الفلاسفة مُشِطّ وغير مُنصف في حقّ ابن خلدون، والفلاسفة بما هم كذلك ليسوا من أهل التاريخ ولا تعتني بالتدوين إلاّ عرضا. ينبغي ترك الحكم النهائي إلى المؤرخين المحترفين لا الفلاسفة أصحاب المبادئ الكلية الشاملة. هذا اعتراض صائب في جوهره وينبغي طلب تقييم عمل ابن خلدون المؤرخ من أهل الاختصاص.

كيف تعامل المؤرخون المعاصرون مع التاريخ الذي خطه ابن خلدون؟ وكيف كان تقييمهم لعمله على الإجمال؟ لقد رأينا أعلاه التقييم السلبي الذي أصدره المؤرخ الفرنسي برونشفيك على تاريخ ابن خلدون حينما قال بأن عمل ابن خلدون لا يظهر شديد التعلّق بالتواريخ، حتى إن المعطيات الكرونولوجية كثيرا ما تتناقض عبر كتابه بحيث نضطر إلى استبدالها في مواضع كثيرة بتلك التي تزوّدنا بها مصنفات أخرى أكثر تواضعا وأقلّ حجما. سوف نرى مدى صحة هذا الحكم من خلال قراءة أحد المؤرخين المعاصرين لمدونة ابن خلدون التاريخية. 

يقول المؤرخ التونسي محمد الطالبي بأن ابن خلدون: « لم يكن مؤرخا كغيره من المؤرخين. والسبب الأساسي في ذلك هو أنه لم يكن مؤرخا فحسب. كان أيضا مفكرا قبل أن يكون مؤرخا .... ومما يجب أن نؤكده أيضا هو أنّ تكوين ابن خلدون لم يكن ... تكوين مؤرّخ[45]». ماذا كان ابن خلدون إذن؟ وكيف كان تكوينه العلمي؟ يجيب الطالبي بأن اتجاه ابن خلدون: » كان أوّلا نحو الفلسفة بإشراف أستاذه الأبلي. فلخّص في سنّ العشرين من عمره مؤلف الرازي (كتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين ) [...] وله كتب أخرى وَاكَبت الفترة الأولى من حياته كلّها تدلّ على أن همّه لم يكن في التاريخ[46]». يبدو إذن، حسب هذه المعطيات، أن التقاء ابن خلدون بالتاريخ « كان عرضا في حياته، ومنعرجا مفاجئا بقدر ما كان حاسما». سيرة حياة ابن خلدون تمظهر ذلك فالتقاء سلسلتين من الأسباب ساهما إلى حدّ كبير في تكوين مساره الفكري، وهما بالتحديد: « طريق المغامرات السياسية وطريق التأمل في الماضي قريبه وبعيده». فعلا، لقد اصطدم ابن خلدون بالتاريخ في خلوة من نفسه، حالة نفسية تشبه تماما حالة الإلهام كما يصفها صاحب المقدمة ذاته « وأنزلوني بأهلي في قلعة بني سلامة ... فأقمت بها أربعة أعوام، متخليا عن الشواغل كلها. وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملتُ المقدمة منه على ذلك النحو الغريب، الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة. فسألتُ فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتُها وتآلفت نتائجُها». ولكن حتى في خلوته تلك لم يكتشف ابن خلدون علم التاريخ، بل إنه قد اكتشف علما لم يكن معروفا من قبل، أعني علم العمران. إلاّ أنّ الغاية الأولية التي كان يصبو إليها هي رصد المنهجية التاريخية والتحقق من الأحداث والروايات. وهذا العلم الجديد لا بدّ منه للمؤرخ لكي يعرض على قوانين ثابتة ومستقلة نتائج بحوثه: « وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى وهذا شأن كلّ علم من العلوم وضعيا كان أم عقليا. واعلم أن الكلام في هذا الغرض مُستحدَث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص». ليس ذلك فقط، بل إن هذا العلم، حسب عبارات ابن خلدون، يكاد يكون وحيا إلهيا: « ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما، وأعثرنا على علم جعلنا سنّ بكره وجهينة خبره، فإن كنت قد استوفيتُ مسائله، وميّزتُ عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية. وإن فاتني شيء من إحصائه، واشتبهت بغيره مسائله، فللناظر المحقّق إصلاحه، ولي الفضل لأني نهجتُ له السبيل وأوضحتُ له الطريق».

بعد أن قدّم هذه المعطيات الأولية، يطرح المؤرخ التونسي السؤال التالي: « ماذا ستكون،  في الزمان وفي المكان، حدود هذا التاريخ الذي كان ابن خلدون يريد أن يكتبه، وماذا سيكون مضمونه؟[47]». لقد كان تردّد ابن خلدون شديدا في كلا المستويين، أي سواء في الحدود أو المضمون. فمن جهة لم يكن ابن خلدون يطمح في أن يكون أكثر من مسعودي المغرب « وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي، صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا، لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب، وأحوال أجياله وأممه، وذكر ممالكه ودوله، دون ما سواه من الأقطار، لعدم إطلاعي على أحوال المشرق وأممه، وأن الأخبار المتناقلة لا تُوفي كُنه ما أريد منه. والمسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلّبه في البلاد، كما ذكر في كتابه، مع أنه لمّا ذكر المغرب قصّر استيفاء أحواله. وفق كلّ ذي علم عليم».

التاريخ الذي يعتزم كتابته ابن خلدون هو تاريخ يقتصر على أحوال القطر المغربي فحسب، ولكن في فترة لاحقة، وبعد أن رحل إلى الشرق « أتيحت له فرصة إكمال معلوماته وإثراء تجاربه فإذا بتاريخ المشرق يطغى على تأليفه، فيستأثر منه بسهم الأسد، أي بضعفي تاريخ المغرب حجما». « ثم كانت الرحلة إلى المشرق لإجلاء أنواره وقضاء الفرض والسنّة في مطافه ومزاره، والوقوف على آثاره في دواوينه وأسفاره. فأفدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الديار، ودول الترك فيما ملكوه من أقطار، واتبعتُ بها ما كتبته في تلك الأسطار، وأدرجتها في ذكر المعاصرين لتلك الأجيال من أمم النواحي، وملوك الأمصار والضواحي، سالكا سبيل الاختصار والتلخيص، مفتديا بالمرام السهل من العويص داخلا من باب الأسباب على العموم، إلى الأخبار على الخصوص، فأستوعب أخبار الخليقة استيعابا، وذلل من الحكم النافرة صعابا. وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا، وأصبح للحكمة صوانا وللتاريخ جرابا».

أمّا على مستوى المضمون، فإن الطالبي، يلمس نفس هذا التردّد « ويظهر ذلك في تعريفه للتاريخ فهو، في مستهلّ الكتاب الأوّل الذي وضعه كما قدمنا في العمران، يجنح إلى أن يجعل منه علما شاملا للإنسان في كلّ أوضاعه المتطوّرة، أي كشفا عن سرّ تسلسل حلقات النشوء والارتقاء فيعرفه هكذا: "اعلم أنه لمّا كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحّش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة من الأحوال"[48]».

إن سعة مشروع ابن خلدون التاريخي، وكونية أهدافه، التي عبّر عنها بدقة لهي مفخرة كبرى للعرب، فهو مشروع كما يقول الطالبي « يتجاوز، لا مقدرة شخص مهما كان عبقريا، بل مئات الأشخاص وإنما هو بناء مستمرّ لن يتحقّق إلاّ على مرّ الأجيال، وبمشاركة جماعية لم تزل متواصلة[49]».

لقد وقع ابن خلدون في حبال التاريخ التقليدي الموروث عن المؤرخين المسلمين، أعني تاريخ الأنبياء والملوك قصد الإقتداء بهم في الدين والدنيا. وقد أعرب، ابن خلدون عن نهجه هذا في المقدمة قائلا: « اعلم أن فنّ التاريخ فنّ غزير المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتمّ فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه، في أحوال الدين والدنيا».

والملاحظة النقدية التي يوردها المؤرخ التونسي صائبة في جوهرها، ذلك لأنه يرى أنّ « هذا التاريخ، بهذا المفهوم الضيق، هو خاصة تاريخ أنبياء، وملوك، ودول الغاية منه ـ لا فهم الإنسان في تطوّره كما سبق في التعريف الأوّل ـ وإنما (الإقتداء) (في أحوال الدين والدنيا)[50]». إذن المعضلة تكمن في التناقض بين جدية المشروع التاريخي الخلدوني من جهة وإتباعه للتواريخ السائدة من جهة أخرى، وبالأخص منها للتواريخ التي نقدها بشدة وأظهر مدى إجحافها في ذكر الأخبار الغث والسمين منها، وبالتالي فإن تاريخ ابن خلدون، كما يستنتج الطالبي: « ولا يختلف عمّا استهدفه من قبل الطبري وغيره ممّن حذا حذوه من المؤرخين. فلا طرافة فيه ولا تجديد».

الخلاصة هي أن ابن خلدون حسب رأي المؤرخ الطالبي: « كان واعيا كلّ الوعي أنه كان مُجدّدا ثوريا في كتابه الأوّل في العمران، مقلدا كلاسيكيا في كتابه الثاني والثالث في التاريخ». لكن على عكس الفلاسفة الذين رأوا في الجزء الأوّل من المقدمة مجرّد مشروع محكوم بنظام من المفاهيم والتصورات تجاوزها الفكر الحديث، فإن الطالبي يميّز بين: « نفس ثوري تجديدي في الكتاب الأوّل في العمران، وآخر مألوف وتقليدي في الكتابين الثاني والثالث في التاريخ». هذا على الرغم من أن ابن خلدون لا ينفك عن الإشادة بعمله التاريخي والادعاء بأنه: « قد استوعب أخبار الخليقة استيعابا، وذلّل من الحكم النافر صعابا، وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا، وأصبح للحكمة صوانا، وللتاريخ جرابا» طامحا في أن يصبح « أصلا يقتدي به من المؤرخين من بعده ».

هل نجح ابن خلدون فيما كان يعتزم وهل لإعجابه بإنجازه ما يبرّره؟ إنه السؤال الملح الذي طرحه كثير من المؤرخين المحترفين في العصر الحديث. لكنه حام أيضا في أذهان المؤرخين السابقين فالحافظ بن حجر العسقلاني، يبدو متحفظا على بعض آراء ابن خلدون قائلا: « لم يكن مطّلعا على الأخبار على جليتها، ولا سيما أخبار المشرق، وهو بيّن لمن ينظر في كلامه[51]». أمّا المؤرخ بدر الدين العيني فقد قال بأن ابن خلدون « له تاريخ في سبعة مجلّدات، أتقن فيه ما يتعلّق ببلاده، ولم يطلع على الأمور التي وقعت في بلاد المشرق على جليتها، يظهر ذلك  لمن ينظر في كلامه».

هذه هي البعض من آراء القدماء في أعماله التاريخية، والتي تراوحت بين الإعجاب بغزارة علومه وإتقان السرد التاريخي فيما يخص الغرب من جهة، ثمّ عدم تمكنه من اتّباع نفس الدقّة في سرده لتاريخ الشرق من جهة أخرى. كيف ينظر المؤرخ المعاصر لتاريخ ابن خلدون وعمله؟

المؤرخ الفرنسي إيف لاكوست، عند مقارنته بين ثوسيديدس وابن خلدون يقول بأن: « ثوسيديدس هو أوّل المؤرخين الحقيقيين وهو الذي قيمته خلّفت وراءها كلّ من جاؤوا بعده [من المؤرخين]. لكن، قبل القرن التاسع عشر، ثوسيديدس لم يقع تجاوزه إلاّ من طرف ابن خلدون. الأوّل هو مبدع التاريخ؛ الثاني دشّن ولادة التاريخ كعلم[52]». إلاّ أن لاكوست يعترف بأنه في بعض أجزاء مؤلّف ابن خلدون، خصوصا في تاريخ البربر، نعثر فعلا على « بعض السّمات التي تقربه من المؤرخين المسلمين[53]». ويمكن تفهّم هذا النقص إن علمنا بأن تلك الكتب وقع « طلبها من طرف الأمراء». لكن، في المقدمة، حسب لاكوست، وفي بنيتها المفهومية تكمن جدّة المشروع الخلدوني، وتُظهر « اختلافا حادّا بينها وبين أعمال المؤرخين المسلمين والقدماء من اليونان واللاتين[54]».

لكن المؤرخ التونسي المعاصر، محمد الطالبي، يُبدي رأيا مخالفا، إن لم يكن مناقضا. أوّلا من جهة المبادئ حيث يرى أنّ قانون المطابقة كان وبالا على التاريخ الخلدوني؛ فهو، أي ابن خلدون، يُفنّد الروايات القديمة بتعارضها مع هذا القانون، حيث يأخذ على المسعودي وغيره من المؤرخين من أن جيوش موسى بلغت 600.000 مقاتل، هذه الرواية خاطئة وذلك لأسباب جغرافية وإستراتيجية، إنها ومثيلاتها يحكم عليها ابن خلدون « أشبه بأحاديث القصص الموضوعة». لكن نفس قانون المطابقة هذا الذي مثل سلاحا لتميز الصحيح من الوهم جعله ينكر أن تكون نكبة البرامكة نشأت عن قصة غرامية (بين جعفر بن يحيى البرمكي والباسة أخت الرشيد)، ويعللها بحسب طبيعة الملك ومقتضياته، ثم أن قانون المطابقة هذا جعله ينفي عن الرشيد معاقرة الخمر؛ كما يقتضي نفس القانون، عدم القدح في نسب الفاطميين، وذلك لأسباب إستراتيجية سياسية « كيف يقع هذا كلّه لدعي في النسب، يكذب في انتحال الأمر».

إذن هناك عدم توازن بين المنهج والتفعيل، بل هناك أيضا تنكّرا واضحا لمبدإ المطابقة لا لشيء إلاّ لأنه يناقض توجهاته الروحية. هذا ما أخلص إليه الطالبي قائلا: « هذه أمثلة من اعتماد ابن خلدون على النقد الباطني للتأكد من صحة ما يروى. وهذه الأمثلة تفيد أن قانون المطابقة شيء، وتطبيقه شيء آخر. فإن كان ابن خلدون مصيبا بدون منازع في بعض استقراءاته، فإن ما ذهب إليه في البعض الآخر لا يقنع حتما. بل نحن نلمسه متأثرا بذلك الانحياز المذهبي أو الطائفي الذي سبق أن حذّر منه بجدارة. ويظهر هذا الانحياز الشعوري ـ الملتهب حماسا أحيانا في بعض سبل احتجاجه التي سبق تحليلها. فهو يحكم، حكما باتا لا يقبل الشكّ، بصحة نسب إدريس الأصغر، لأن الله، بنصّ القرآن، أذهب الرجس عن أهل البيت؛ فهم، في نظره، معصومون عن اقتراف الإثم. فهل من حاجة إلى التنبيه أن هذه حجة ما ورائية، ليست من الموضوعية في شيء، وأنها لا تمتّ بسبب لنواميس الطبيعة التي أراد ابن خلدون أن يقيم عليها نقده الباطني؟[55]».

يجب الاعتراف بأن منهجية ابن خلدون سليمة، وفيها درجة من التخطيط المنهجي والتوق نحو البحث الموضوعي ما يجعلها مؤهلة لأن تكون مثالا يحتذى به في كتابة التاريخ، وحتى تقصيره لا يمكن أن يُضخّم لكي ينسف كلّ عمله التاريخي، وشأن ابن خلدون في ذلك يقول الطالبي هو: « شأن كلّ المؤرخين، في كلّ زمان ومكان، إذ الموضوعية المطلقة والتجرّد التامّ، إنما هما غاية، دونها عقاب كثيرة باطنية وخارجية، لا تفلح دائما مهما اجتهدنا في تجاوزها[56]».

الإلزامات الإيديولوجية اللاواعية والتحزب الديني قد تصد المرء عن النظر الموضوعي، ولكن أكثر من ذلك هو الانتماء السياسي وخدمة السلطان، فهي الضربة القاضية لكلّ عمل علمي بشتى أشكاله، وكما يقول المؤرخ التونسي فإن: « اتصال ابن خلدون بالنفوذ جره إلى الوقوع في تلك الأخطاء التي حذّر منها، والتي يوحي بها التقرب (لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح). قصد المحافظة على الوظيفة والعطاء[57]».

ويبدو ذلك جليّا في إرجاع نسب حاكم مصر، برقوق إلى قبيلة غسان، ثمّ إلى العرب القحاح: « أصل هذا الأمير برقوق من قبيلة جركس المواطنين ببلاد الشمال في الجبال المحيطة بوطء القفجان والروس واللان من شرقيها، المطلة على بسائطهم. ويقال أنهم من غسان الداخلين إلى بلاد الروم مع أميرهم جبلة بن الأيهم... واحتاجت غسان إلى الحلف للمدافعة في الفتن، وحالفوا قبائل جركس ونزلوا في بسيط جبلهم من جانبه الشرقي مما يلي القسطنطينية، وخالطوهم بالنسب والصهر، واندمجوا فيهم حتى تلاشت أحياؤهم. وصاروا إلى تلك الأماكن، وآووا من البسائط إلى الجبال مع جركس فلا يبعد مع هذا أن تكون أنسابهم تداخلت معهم، ممّن انتسب إلى غسّان من جركس وهو مصدق في نسبه، ويستأنس له بما ذكرناه، فهو بنسبة قوية في صحته، والله أعلم». إنه إطراء لا يخلو « من تملّق بلاطي واضح[58]». ثم يعمد في موضع آخر وبنفس الطريقة إلى إلحاق نسب الحفصيّيين ـ الذين هم من أصل بربري ـ بعمر ابن الخطاب وقريش.

قد يخطئ الدارس في تطبيق قواعد منهجه وقد تؤثّر معتقداته وميولاته الشخصية ثم التزاماته السياسية في التمسّك الحرفي بها، لكن أن يخطئ المؤرخ في نقل الأحداث فهذا أمر يدعو للدهشة. فعلا، ابن خلدون كناقل، وهذه شهادة المؤرخ الطالبي: « لم يَجِدّ دائما التمحيص، فهو مثلا يذكر أن فتح المغرب، بدأ في خلافة عمر، وذلك عند حديثه عن الأديان التي دان بها البربر قبل الإسلام عندما كانت بلادهم تابعة للحضارة الرومية. وهذا وَهْمٌ واضح [...] وهو كذلك يزعم أن الكاهنة قد عمّرت 127 سنة، وهذا خبر من قبيل الأساطير التي تنشأ عن (ولوع النفس بالغرائب)، وقد نبّه إلى ذلك الكاتب في كتابه الأوّل في العمران عندما كان بصدد ضبط منهجيته، ثمّ وقع في نفس الخطأ الذي منه حذر، ثمّ هو ينسب استشهاد عقبة في موقعة تهودة إلى الكاهنة أيضا. وهذا أعمق في الابتعاد من الحقيقة، إذ لا يختلف اثنان ... في أن عقبة إنما ذهب ضحية الثورة التي دبرها كُسيلة ونفذها رهطه من الأوربة. وينقل ابن خلدون أيضا أن عبد الرحمان بن رُستم كان (من مُسلِمَة الفتح، وهو من ولد رُستم أمير الفرس بالقادسية. وقدم إلى إفريقية مع طوالع الفتح فكان بها، وأخذ بدين الخارجية والاباضية منهم، وكان شيعة لليمنية وحليفا لهم). فهذا كلّه خليط من المتناقضات لا يستقيم حرف منه إذا ما نُقد نقدا باطنيا حسب قانون المطابقة الذي استنبطه ابن خلدون [...] إن عبد الرحمان بن رُستم توفي سنة 168 هـ/ 785 ـ 784 فكيف  يمكن أن يكون ( من ولد رستم أمير الفرس بالقادسية) ـ وقد دارت رحاها بين سنة 14 و 16 هـ، 635/637 إلاّ إذا حملنا العبارة توسعا على أنه من ذريته؟ ثمّ، إذا قبلنا هذا التعليل، كيف يمكن أن يكون (قدم إلى إفريقية مع طوالع الفتح)، وقد بدأ هذا الفتح في خلافة عثمان سنة 27 هـ/647ـ668 وتواصل حتى أيام عبد الملك بن مروان، ولم يتمّ إلاّ حوالي سنة 74هـ/693؟ إنه يستحيل، لأسباب تاريخية، أن يكون عبد الرحمان بن رستم قدم (مع طوالع الفتح)، ولا حتى مع أواخره. ثمّ كيف سيكون (أخذ بدين الخارجية والاباضية) من طوالع الفتح؟ والحال أنه لم يشارك في هذا الفتح الخوارج، وذلك لأسباب بسيطو وبديهية، وهو أنه كان يستحيل عليهم أن يقاتلوا في جند خلافة كانوا يرفضون شرعيتها، وتواصلت ثوراتهم عليها في الشرق، قبل أن يكسروا شوكتها في المغرب، ويحرّروا بصفة نهائية الجانب الأوسط والأقصى منه من نفوذها. وكيف أيضا يمكن له أن (شيعة لليمنية وحليفا لهم)، أي أن يكون من أنصار العرب الممارسين للنفوذ، ثم في نفس الوقت يتزعّم الحركة البربرية الثورية تحت لواء الاباضية؟[59]». إنها أخطاء فادحة وهي تمسّ فقط جانب السرد المنقول على المؤرخين السابقين، والتي من المفروض أن يفعّل فيها مبادئه العلمية، أو على الأقلّ أن ينتبه إلى المفارقات الزمنية، ويتثبّت من صحة الأخبار التي ينقلها.   كلّ هذا فيه دلالة على أن ابن خلدون، حسب الطالبي « كان ينقل بدون ذلك التمحيص الذي من أجله وضع منهجيته... حتى كأنه غفل عنها ونسيها. فهو لا يفوق غيره لا قليلا ولا كثيرا، تثبيتا وتمحيصا، ونحن لا نشعر البتة أنه يكتب التاريخ كتابة جديدة». الثغرات في تاريخ ابن خلدون عديدة وهي أكثر من أن يحاط بها؛ وهنا يبدو أن حكم الطالبي على أهمية التاريخ الخلدوني يتطابق مع حكم المؤرخ الفرنسي برونشفيك: « كلّ متصفح لتاريخ ابن خلدون يعلم علم اليقين أنه لا يغني، حتى في تاريخ المغرب، عن غيره. بل نحن نجد في غيره أضعاف ما نجد فيه». فعلا، لقد اعترف المؤرخ التونسي بأن، حسب تجربته الشخصية، أهمّ موسوعة يمكن الاعتماد عليها ليست كتاب العبر، وإنما هي البيان المُغرب لابن عذارى، ثم الكامل لابن الأثير، ونهاية النويري، ثم أخير وفي المرتبة الرابعة فقط كتاب العبر. هذا بالإضافة إلى أن إتّباع نهج الاختصار في المواطن التي يرغب فيها التفصيل والتوسع، له انعكاسات سلبية على فهم الوقائع والمسك بصيرورتها ولكن هناك عامل التمذهب أيضا الذي قد يؤدي، كما هو الحال عند ابن خلدون، إلى عدم ذكر أحداث تخص مذاهب أخرى معادية أو مناقضة فهو، كما يقول المؤرخ التونسي: « كغيره من مؤرخي السنّة، يضرب صفحا، وعمدا، في نظرنا، عن النقل عن بعض المصادر المعادية، وذلك لتلك الأسباب المذهبية التي تؤدي إلى التحريف، لا بالتشويه دائما، بل بالصمت أحيانا، والتي سبق أن حذر منها ابن خلدون، ثم وقع في حبالها. فهو مثلا لا ينقل شيئا عن (افتتاح الدعوة) للقاضي النعمان بن حيون ـ وهو أهمّ مصدر يصوّر لنا، من الزاوية الشيعية، انبعاث الحركة الفاطمية في جبال كتامة بزعامة أبي عبد الله الداعي ـ ولم يكن ذلك على الأرجح جهلا وإنما قصدا[60]». النتيجة التي يستخلصها الطالبي هي أن « كتاب العبر، في مستوى النقل، لا يخلو من عيوب ونقائص عديدة تنزع عنه ثوب الجلالة الذي طالما شمله[61]».

أمّا على مستوى المعاينة الشخصية للأحداث التي شاهدها وعاشها والتي من المفترض أن تكون في أعلى مراتب الموضوعية والتحرّي فإن ابن خلدون، لا يفي بالغرض المطلوب، لأنه « يفاجئنا أحيانا بصمت ونقص غريبين: فهو لا يذكر شيئا مثلا عن المجاعة الرهيبة التي اجتاحت مصر في أيام برقوق. ولا ينبس ببنت شفة عن التجارة التي كانت تربط مصر بالهند عن طريق اليمن، والتي كان لها دور أساسي في الاقتصاد والسياسة، ويغفل غير ذلك[62]».

ولأجل تقصيرها وصمتها وتمذهبها فإن موسوعة ابن خلدون حسب الطالبي « ليست أحسن موسوعة تاريخية بلغتنا»، بل إنّ « تاريخ المؤرخين المحترفين كالطبري وابن الأثير بالنسبة للمشرق تفوقها بكثير، أمّا بالنسبة للمغرب فإن أحسن ما كتب في تاريخه هو بيان ابن عذاري». السبب الرئيسي في كلّ هذا هو أن ابن خلدون « في الحقيقة لم يكن مؤرخا محترفا، وإن انطلق من شواغل تاريخية...ذلك أن همه في النهاية لم يكن تسجيل الحوادث في حدّ ذاتها، وإنما في فهم أسبابها مسبّباتها، دواعيها ونتائجها. لم يكن التاريخ بالنسبة إليه غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة ... وهكذا ينقلب التاريخ إلى مِخبر، أي إلى خزان هائل من التجارب التي بفضل ما يسلط عليها من التحليل والتأويل، تمكن من اكتشاف نواميس العمران[63]».

السؤال الأهمّ بالنسبة للمؤرخ المعاصر يكمن تحديدا في قيمة هذا المخبر الذي جاء من خلال الكتابان الثاني والثالث من تاريخ العرب والبربر. الجواب لا يحيد عن التقييم السلبي الذي رأيناه أعلاه، ويجب التنبيه إلى أن هذه أقوال مؤرخ معاصر مختصّ في تاريخ المغرب: « إن تجربتنا الشخصية، وتجارب المؤرخين الذين استخدموا هذين الكتابين، وعمليات السبر التي قمنا بها، كلّ ذلك يحمل على الاعتقاد أن المخبر الذي عمل فيه ابن خلدون قد حوى الغث والسمين، فلم تكن أجهزته كلها في مستوى الغاية المنشودة[64]». وهذه هي المفارقة الكبرى التي اخترقت تفكير ابن خلدون، فضعف الموارد التي كانت في حوزته لا تتيح لأحد أن يبني عليها علما جديدا، لكن هذا الأمر هو في صالح ابن خلدون ويظهر الجانب الأهمّ من عبقريته، المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي حدس هذا الأمر حينما قال: « إن كلّ من يطالع مصنف ابن خلدون يملؤه الإعجاب بقوّة ولمعان ذلك الفكر الذي استطاع أن يجني الكثير من ذلك المقدار من المعطيات التي توفرت لديه. غير أنّ الناقد الغربي المعاصر قد يشعر أن أسس ابن خلدون التجريبية كانت أضيق من أن تتحمّل، أو تبرّر، وزن تعميماته البليغة[65]». والمؤرخ التونسي الذي يبدو لأول وهلة قاسيا أشد القسوة على ابن خلدون وبعد أن جرّ القارئ للشك في التاريخ الخلدوني برمّته فإنه يوافق توينبي ولكن ليجعل من النقص دليلا على عبقرية لا تضاهى « فإن يكن إذن ابن خلدون قد جنى الكثير من اليسير، فذلك مما لا شك فيه، ولعلّ ذلك سرّ عبقريته[66] ».

محمد المزوغي

أستاذ الفلسفة بـمعهد الدراسات العربية والإسلامية. روما، إيطاليا.

     


 

[1] أرسطو، في الشعر، 51أ 36 51 ب 11.

[2] سالم حمّيش، الخلدونية في ضوء فلسفة التاريخ، دار الطليعة ـ بيروت، 1998. ص، 38.

[3]  F. Rosenthal, A History of Muslim Historiography, Leiden Brill, 1968, p. 49-50.

ذكره، سالم حميش، المصدر نفسه (م. ن)، الصفحة نفسها (ص. ن).

[4] سالم حميش، م. ن، ص. ن.

[5] « وأما العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث أنه ذو فكر فهي غير مختصة بملّة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلّهم ويستوون في مداركها ومباحثها...وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة وهي مشتملة على أربع علوم: الأول علم المنطق وهو علم يعصم الذهن عن الخطإ في انتقاص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة المعلومة وفائدته تمييز الخطإ من الصواب....ثم النظر بعد ذلك عندهم إما في المحسوسات من الأجسام العنصرية والمكونة عنها من المعدن والنبات والحيوان والأجسام الفلكية والحركات الطبيعية والنفس التي تنبعث عنها الحركات وغير ذلك، ويسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي، وهو العلم الثاني منها. وإما أن يكون النظر في الأمور التي وراء الطبيعة من الروحانيات ويسمونه العلم الإلهي وهو الثالث منها. والعلم الرابع وهو الناظر في المقادير ويشمل على أربعة علوم وتسمى التعاليم. أوّلها: علم الهندسة وهو النظر في المقادير على الإطلاق...وثانيها علم الأرتماطيقي وهو معرفة ما يعرض للكمّ المنفصل الذي هو العدد ويؤخذ له من الخواص والعوارض اللاحقة. وثالثها علم الموسيقى وهو معرفة نسب الأصوات بعضها من بعض وتقديرها بالعدد وثمرته معرفة تلاحين الغناء. ورابعها علم الهيئة وهو تعيين الأشكال للأفلاك وحصر أوضاعها». عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت 1996، ص، 629 ـ 630. 

[6] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، ص 630.

[7] م. ن، ص، 6

[8] ابن خلدون، م. ن، ص، 745.

[9]  عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، ص 6.

[10]  م. ن، ص. ن.

[11]  م. ن، ص. ن.

[12]  م. ن، ص. ن.

[13]   م. ن، ص. ن انظر أيضا الصفحات (13، 16، 46).

[14]   م. ن، ص، 7.

[15]  م. ن، ص، 8.

[16]  م. ن، ص، 6.

[17] م. ن، ص، 46.

[18] م. ن، ص. ن.

[19] م. ن، ص، 47.

[20] م. ن، ص، 49.

[21] م. ن، ص. ن.

[22] م. ن، ص، 10.

 [23] م. ن، ص، 10.

[24]  م. ن، ص، .18

[25] م. ن، ص، 16.

[26] م. ن، ص، 20.

[27] م. ن، ص، 17.

[28]  وهذه الواقعة  كما أوردها ابن خلدون: « وأما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء، وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليها من صحابة العلماء والأولياء وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها. حكى الطبري وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحج عاما ولقد زجر ابن مريم مضحكه في سمره حينما تعرض بمثل ذلك في الصلاة لما سمعه يقرأ " ومالي لا أعبد الذي فطرني" وقال والله ما أدري لم؟ فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم التفت إليه مغضبا وقال يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضا، إياك إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما». م. ن، ص 23 ـ 24.

[29] أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت 2004. ص، 94.

[30] م. ن، ص 27

[31] ابن خلدون، المقدمة، ص، 537.

[32] ابن خلدون، م. ن، ص، 540.

[33] م. ن، ص، 31

[34] م. ن، ص، 33

[35]   م. ن، ص 35