|
السياسة و التربية في فكر ابن خلدون
صالح الحاجي بن علي
I-
مقدمة
على " المقدمة " :
" من
الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم و الأجيال
... وهو
داء دوي شديد الخفاء ...
و لا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة . و ذلك أن أحوال العالم
و الأمم و عوائدهم و نحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة و منهاج مستقر إنما
هو اختلاف على الأيام و الأزمنة و انتقال من حال إلى حال ، و كما يكون
ذلك في الأشخاص و الأوقات و الأمصار فكذلك يقع في الآفاق و الأقطار و
الأزمنة و الدول "
)
م . ص 37
(
.
عبد
الرحمان بن خلدون ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1988 ، وهي
الطبعة المعتمدة في نصنا هذا .
فقد لا
يعدو حديث ابن خلدون ، في مقام السياسة و التربية ، أن يكون من هذا
الجانب صورة ناطقة لأطوار " نشيد " تجري أنساق الخطابات فيه على ما
يقتضيه الملك . و ليس لنا أن نقف طويلا عند تلاوين هذا النشيد ، فحسبنا
أن نلحظ ما يخرجه من طور الزهو بالظفر إلى طور الترف و الدعة ، لو لا
أنه يحمل نهايته في ذاته ، شأنه في ذلك شأن كل حدث محسوس عدمه سابق
عليه . لكأنما كان النشيد كله ، و قد بدأ على أتم اكتماله ، " نشيد
بجعة " أو تجنيح ذبيح . فقدر الملك ، كقدر كل خليقة ، إنما تتقلب به
الأحوال حتى يحين منه الزوال .
و حسبنا
من تاريخ ابن خلدون ، و نحن نقلب الصفحات التي خص بها حياته ، ما يتكشف
لنا ، في باب سياسة الملك ، من صور الزوال ، وهي صور تتتابع نحو العشرة
أحيانا في الصفحة الواحدة ، مذكرة بهذا الوجه أو ذاك من أوجه الهلاك .
فما أكثر الكلام عن التنكر و الخلع و القتل ، في جو ملؤه رائحة
الانقضاض و تحريك جواد الغيرة ، و تزاحم المتنافسين – و الحال هي حال
من جعل الزمام بيد السيف يدخل به المدن عنوة و يأخذ بمخنق دولها .
فحديث
ابن خلدون عن السياسة ، في زمن الملك تحديدا ، إنما يتناول أمرا شديد
العنف بقدر ما هو قصير العمر ، على الرغم مما يبدو على ذاك الملك من بسط
نفوذ و توزيع أدوار و تنوع أطوار .
و اللافت
للانتباه في " المقدمة " أن ظاهرتي العنف و الزوال الملازمتين للملك
إنما تبرز سمتهما المميزة في تشكل مع التربية . و هذا التشكل إنما تنشد
مفاصله في المستويات الأكثر عمقا و الأشد التحاما بباطن المجتمع و
بمرجعيات هويته . و على سبيل التوطئة للمشكلية التي يدور عليها حديثنا
هذا ، يمكن أن نسوق الإشارات الثلاث التالية :
فمن جهة
ظاهرة العنف و تداعياتها ، نقرأ في " المقدمة " أن لتأديب التعليم كما
للحكم السياسي " أظفارا " تخدش ، و أن إرهاف الحد قائم على أصاغر الولد
كما على الرعية ، و أن الأمر إنما يقع في الحالتين" لكل أمة حصلت في
قبضة القهر و نال منها العسف " . و ينتج عن هذه الظاهرة ، في نظر ابن
خلدون ، أمران . أولهما تخلق الرعية بأسلوب الملك ؛ فابن خلدون يقرر
أن " العامة على دين الملك ، فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده
و الرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم و
المتعلمين بمعلمهم " . و ثانيهما زوال الدول و اندثار أسباب الحضارة
؛ فالعلوم ، كما الدول ، تنشأ و تطحن و كذا الصنائع ، بما فيها
التعليم الذي يعده ابن خلدون صناعة من جملة الصنائع الإنسانية .
و غني عن
البيان أن اعتبارات مثل هذه ، في شأن السياسة و التربية و ما بينهما من
تداخل ، تجعل فكر ابن خلدون ينأى عن المسلك الذي انتهجه أفلاطون في "
الجمهورية " . فنحن نعلم ، من جهة ، أن السنة التي درجت عليها الترجمة
اللاتينية لعنوان المحاورة الأفلاطونية هذه هي ترجمة
Cicéron
الذي أدى كلمة "
Politeia
" الإغريقية و التي تعني " النظام السياسي " بكلمة
de
republica
؛ و نعلم
، من جهة أخرى ، أن نظرية أفلاطون في التربية هي التي تقوم عليها
نظريته في السياسة : فهو يقرر في الكتاب السابع من هذه المحاورة – وهو
كتاب محوري تنعقد عليه الجدلية الصاعدة - أن طبيعة الإنسان إنما تتحدد
منزلتها بمدى تحقق التربية أو غيابها ، و أن ذاك التحقق الذي يراد به
إعداد رجالات الدولة بما يؤهلهم للحفاظ على نظام المدينة السياسي قد لا
يدركه المرء إلا في الخمسين من عمره ، وهو أثناء ذلك في ملك التربية
ترفعه درجات في الوجود الحق و توجهه باستمرار و جهة النور . فالتربية
مقدمة انطولوجيا ههنا على السياسة و محددة لها . و في محاورة " المأدية
" ، يذهب أفلاطون إلى " أن الإنجاب وفق مقتضيات النفس
) ....
(
هو الذي يملي على الإنسان الخير ما يجب أن ينهم به وهو الذي يجعله يقرر
أن يكون مربيا . " و لما كان الإنجاب الروحي انهماما بالنفس كانت
العلاقة التربوية علاقة روحية تجهد في نشدان الكمال الإنساني .
و في
مقابل ما يذهب إليه أفلاطون من تأصيل أنطولوجي لمسألتي التربية و
السياسة ، ينطلق ابن خلدون من الواقع التاريخي للعمران البشري فيما
يشهده من تحولات في الأزمنة و ما تفضي إليه تلك التحولات من انقلاب في
المرجعيات القيمية و نسف لصور الملك و تغيير في الألسنة و تبدل في
أركان التربية و التعليم . فحديث ابن خلدون ههنا يبدو واقعا بين شقي
رحى ما تنفك تدور و تطحن لكأن عمل المؤرخ لا يعدو أن يكون ذر كلام على
ذر زمان . لكن ألا يكون حريا بالمرء ، إن كانت حال الإنسان تلك ، أن
يلزم الصمت في أفضل الحالات على أن يواجه مفارقات الأزمنة بالبساطة
المرعبة التي ينقاد إليها الموقف الريبي أو العدمي ؟
لمحاولة
الإجابة عن هذا التساؤل علينا أن نوضح أن هذا ليس سوى وجه للواقع
التاريخي الذي عايشه ابن خلدون ، وجه الحضارات وهي تتلون بألوان سلاطنة
الملك في حدوثهم و زوالهم . أما الوجه الثاني وهو أن ابن خلدون ما عمل
من النظر في مسألة السياسة و التربية موضوعا يلهو به القلم عبثا ، بل
جعل منه قضية تحمل على التفكير حملا . هذا و لا غرابة في ذلك فهو
السياسي المنشد إلى هاجس الحق ، و رئيس موصول المنبت بقدر ما هو علامة
؛ إنه سليل بيت كان " غاية في النباهة " ، يتراوح مقام أعلامه بين "
رياسة سلطانية و رياسة علمية " . و " الرئيس " ، في سجل ابن خلدون
الدلالي ، هو ببساطة الإنسان الحق ، ذاك الذي تكون له تجلة يستمد منها
مقامه في هذا العالم : عزة تفس ، و اقتدارا على الوجود و وجهة للحق .
ألم يكتب يقول : إن " الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق
له ، و الرئيس إذا غلب على رئاسته و كبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع
بطنه و ري كبده ، و هذا موجود في أخلاق الإناسي "
)
م . 185
(
و يضيف ابن خلدون أن الرئاسة " سؤدد و صاحبها متبوع و ليس له عليهم قهر
في أحكامه "
) 174
(
.
و ها نحن
نقترب من صميم موضوعنا ، ألا وهو المغزى من حرص ابن خلدون على استعادة
الوصل بالأصل ، في عالم متقلب تستعصي معه لملمة الذات و تعوز فيه شوكة
الاقتدار . و لنا في تجربة ابن خلدون الخاصة صورة تتراءى لنا كما لو
كانت تنعكس في مرآة منكسرة . لقد كانت حياته كلها تقلبا في الأرض سبحا
في تيار الشواغل ، وهو ماسك حتى النهاية بعصا الترحال . ألم يعتزل فترة
لكتابة المقدمة بعد أن باءت وظيفته السياسية بالفشل ، في مجتمعات لم
يعد يملك فيها كفاية الفعل ؟ و أفلم تفقد أسرته ، من قبل ، مقومات
تأثيرها السياسي " فنزعت عن طريقة السيف إلى طريقة العلم " تدريسا و
مواصلة تحصيل ؟ إن ما يجيز الجهد الكبير الذي يبذله المؤرخ إنما هو إذن
الفوز بعبرة تغدو الموضوع عينه ، بحيث يصبح التاريخ منارة أو مرجعية
مواقف و قيم أكثر منه استرجاع مراحل أو تعداد أطوار .
فخلف
الأفق العريض الذي اتسع لأحداث التاريخ الأكثر تسارعا و الأشد انقلابا
يلمح ابن خلدون مرجعيتين تتنزلان في الذاكرة منزلة ثبات الحقيقة مما
يجعل منهما منارة للفكر المتأمل . أولى هاتين المرجعيتين هي ما مثلته
بالنسبة إلى ابن خلدون فترة النبوة ثم الخلافة حتى افتراق أمر الإسلام
، و تحول الخلافة إلى ملك بحت يسمى باسم السلطان ، و قد أمحت آثار تلك
الفترة ، أو تنحت على الأقل من صدارة اهتمام النفوس . أما المرجعية
الثانية ، وهي التي تسند الأولى ، فهي قائمة فيما يسميه ابن خلدون "
عصبية " و التي يدور معناها الأساسي على فكرة المشاركة في العز وهو أمر
لا يكون بالضرورة في حاجة إلى الظلم .
و نحن
واجدون في حرص ابن خلدون على استعادة هاتين المرجعتين – في تلازم
العلاقة بين وجهة الحق و المشاركة في العز- الحدود التي ارتضى أن يقيم
عليها " بيته " التاريخي في فترة كانت الظاهرة المركزية التي وسمت
حالات التاريخ المتغيرة حد الانقلاب هي أن الإنفراد بالملك أصبح في آن
انفرادا بالعز . و لما كان الملك " فيه الرئاسة و زيادة " كان تغلبا و
حكما بالقهر
)
174
(
. حتى أن العامة لا تملك إزاء تضخم جاهه سوى الانقياد إليه مغالطة منها
لنفسها بانتحالها جميع مذاهب الغالب و تشبهها به . و ذلك هو الإقتداء :
" فالمغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه و مركبه و سلاحه بل و في سائر
أحواله "
) 184
(
. و ذاك هو ما يسميه ابن خلدون " المربى على المخافة و الانقياد " )
ص 157
(
وهو مربي مفسد للقلب و موطن للنفوس في المذلة : و يتسع مفهوم المربى
هنا ليشمل – إضافة إلى طابعه السياسي – الطابع التعليمي : " نجد الذين
يعانون الأحكام و ملكتها من لدن مرباهم في التأديب و التعليم في
الصنائع و العلوم و الديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا
) ...
(
و هذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة و الأخذ عن المشائح و الأيمة
الممارسين للتعليم و التأديب في مجالس الوقار و الهيبة فيهم هذه
الأحوال و ذهابها بالمنعة و البأس "
) 157
(
و ذلك خلافا للصحابة الذين كانوا أشد الناس بأسا ، فقد كان وازعهم من
أنفسهم ، إذ أن أحكام الدين التي كانوا يأخذون أنفسهم بها لم تكن بتعلم
صناعي و لا تأديب تعليمي فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت و لم
تخدشها أظفار التأديب و الحكم " .
و إن
المتتبع لخطوات " المقدمة " عن كثب يلحظ أن ابن خلدون قد أكد منذ
التوطئة أن نظره في العمران البشري إنما هو نظر بعين الانتقاد لا بعين
الارتضاء و أن ذاك النظر كان مصوبا نحو ما يكون قد شكل عين اهتمامه ،
ألا وهو مسألة العزة و الذلة فيما يعرض في العمران من دول و ملل و كسب
و إضاعة و أحوال متقلبة مشاعة .
و لعلنا
نلمس ههنا قلب العمران البشري الذي تدور عليه قراءة ابن خلدون للتاريخ
: إن التحليل كله - وهو لا يعتمد تدرجا في الاستدلال و لا رواية لأحداث
– إنما يدور على جدلية محورها العزة و الذلة . إن الملك لا يضيع بحكم
تتال آلي لأطوار ، بل بحكم حالة من الدعة يتبين لابن خلدون أنها ذهول
عن قيم الإنسان الأصيلة . فهلاك الملك و دمار العمران البشري لا يضربان
المجتمعات ذات الاقتصاد البدائي ، بل يضربان المجتمعات الأكثر ترفا و
زهوا ، و أن الملك إنما تقاس ديمومته بمدى الحفاظ على القيم و التقاليد
التي قام عليها في البدء و بمدى اضطلاعه بها أو تخليه عنها سياسة و
تربية . و لما كانت حالة الدعة و الذهول استحكاما لنفوس العامة و
اصطباغا بها أتى هلاك الملك ، لا بفعل ثورة بل بفعل الانحطاط غالبا .
فنحن إزاء جدلية سلبية تستحيل معها سياسة الملك إلى تربية على المذلة ،
و قطيعة مع مفهوم سيادة الإنسان بما هي تربية على العزة .
و لا
نجازف بالقول إذا قررنا أن الخطابات في " المقدمة " إنما تتحرك انطلاقا
من هذه الجدلية السالبة ، وهي جدلية قائمة على الافتراق بين منزلة
السلطان الذي ينفرد بالملك و واقع المجتمع الذي تتلون نفوس الجمهور
فيه بالذل إلى حد النسيان لطول أمد مرباهم فيه .
و لعل
هذا الافتراق ، الذي غدا نسيانا ، هو الذي يحمل الإنسان اليقظ المتبصر
على التذكر فهو الذي يخرجه من حال السكون ليوطن النفس منه في حركة
التاريخ . فإن كان ثمة عبرة حينئذ من كتابة التاريخ يكون ابن خلدون قد
صوب نظره النقدي وجهتها فهي الخروج عما يسميه سنة الغفلة و النوم أو "
تقليدا " .
فالتأمل
في التاريخ يقود ههنا إلى تأمل في جدلية سياسة الملك و التربية في عصور
الانحطاط باعتبارها أمرا منسيا ، لا واقعا مرئيا ماثلا في الوعي .
و ما من
قارئ للمقدمة رام تتبع مفاصلها على نحو خطي إلا و استشعر أن النص يبدو
كما لو كان يبحث ، مع كل خطوة من خطوات فصوله ، عن مقدمات أخرى ، و أن
كل دائرة من دوائر التفكير إنما تفتح في الحين على دوائر أخرى عديدة لا
تخلو من تذكير بما قد يكون اعتبر هنا أو هناك مقدمة . ذلك أن التفكير
على أرضية التاريخ الزائغة لا يملك إلا أن يكون تذكيرا ، لا بأسباب
مادية آلية ، اقتصادية كانت أو جغرافية ، بل بقيم تقوم مقام الوصل
بالأصل .
فالصعوبة
الكبرى التي تواجه قارئ المقدمة حينئذ هي صعوبة البدء في الحديث عنها
. فعلى أي أساس يمكن المسك بخيوط نص ضاربة في أعماق الذاكرة الجمعية
الأشد خفاء و المتلبسة بتضاريس العمران الاجتماعية الأكثر تلوينا ؟
II-
مواقع
رسو المسألة في المقدمة :
و محاولة
منا المسك بخيوط مسألتنا في نص المقدمة لنتلمس منزلتها من نظام مسائلها
و مواقع رسوها فيها . يمكن القول إن المتتبع لبنية " المقدمة " ، من
جهة تتابع موضوعاتها و تناسق أبوابها و فصولها ، لا يمكن إلا أن
تستوقفه مفارقة أو ما قد يبدو كذلك من حيث ترتيب المسائل .
فنحن
واجدون ، من جهة ، أن ابن خلدون يحدد ، منذ البدء ، خاصة الإنسان
الجوهرية في العقل لما ينتجه من علوم و صنائع . و هذه الخاصة المميزة
له إطلاقا عن الحيوان هي التي تنعقد عليها خاصياته الأخرى ، التي منها
الحاجة إلى الحكم و تحصيل المعاش و العمران . و إن بدا في كل هذا شيء
من وجوه التشابه مع الحيوان - كما هو الحال عند النحل و الجراد – إلا
أن هذا الأمر لا يحصل للحيوان إلا " بطريق إلهامي لا بفكر و روية "
)
ص 53
(
فنخلص من ذلك إلى أن الفكر مقدم عند ابن خلدون على
كل من الوازع السياسي و العمران و وجوه الكسب و المعاش .
و من جهة
أخرى ، و في ذات الصفحة ، نجد ابن خلدون يقلب نظام المسائل قلبا كليا
ليحتل العمران مكانة الصدارة فيه و يجيء بعده ، على التوالي ، الملك ثم
الكسب مع ما يقتضيه من صنائع . و لا تأتي العلوم و أصنافها و التعليم و
طرقه وسائر وجوهه إلا في الباب السادس و الأخير من المقدمة ، باعتبار
أن هذه المسائل متصلة بما هو كمالي ، لا بما هو طبيعي .
غير أن
المتمعن في ذاك الذي بدا مفارقة يمكنه أن يتبين أنه لا يعني ترددا في
ترتيب المسائل أو تناقضا في تحديد منزلة كل منها من البقية بقدر ما هو
راجع إلى تمييز بين مستويين في مقاربة الإنسان . و الناظر في الأمر
يمكنه أن يدرك أن المستوى الأول إنما يعنى بالإنسان من حيث أنماط وجوده
الأولية أو ملامحه الأساسية بصفته فردا ، وهي الملامح التي نسميها
اليوم " أنتروبولوجية " . أما المستوى الثاني ، فيتناول أنماط الوجود
الإنساني الاجتماعية المحيلة تعبيراتها على علاقات التفاعل التي ينشئها
البشر داخل سجلات الإنتاج و السياسة و الأخلاق .
غير أنه
علينا أن نضيف أن هاتين المجموعتين من التعبيرات الراجعتين إلى
المستويين المذكورين تنتظمان داخل علاقات إشكالية باعتبارها علاقات
متغيرة و غير محددة تاريخيا . و هذا أمر راجع إلى كون كل من "
الاعتمال
" في تحصيل المعاش من وجوهه و سياسات الدول و المرجعيات الأخلاقية
) الخلال
(
إنما تنشد دوائرها بعضها ببعض داخل تنظيم أساسي
يشملها جميعا . و هذا التنظيم ، يسميه ابن خلدون . " مربي "
)
ص 159
(
أو تربية ، أو تكوين المزاج مع طول الأمد . و التربية ، بهذا المعنى
ينبغي أن نميزها عن مفهوم التعليم الذي يعتبره ابن خلدون صناعة و لا
يظهر إلا مع تطور الحضارة .
و مع ذلك
، علينا أن نخطو مع ابن خلدون خطوة أخرى في " المقدمة " لنتبين أنه ،
في الوقت الذي يتحدث فيه عن العلوم و التعليم ، إنما يعود بنا في
الواقع و مرة أخرى إلى الفكر بما هو ميزة الإنسان الأنتروبولوجية التي
يهتدي بها إلى كل أنواع التحصيل من معاش و تعاون و علم . و على هذا
الأساس ، فإن تحصيل العلم بما هو جبلة في الفكر الإنساني ، فهو الذي
يهيئ له أسباب تمامه بما يكسبه إياه من وجهة نظر و فعل صحيحة . و يبرز
ابن خلدون أن تلك الجبلة تظهر في هيئة رغبة في الأخذ من العلم و الفزع
إليه . فالتعليم الذي تتشوف إلى معادنه النفوس الناشئة إنما يجيء من
هذا الوجه باعتباره أمرا طبيعيا في العمران البشري
)
ص 542 - 543
(
. وهو و لئن اعتبره من الكماليات ، فمرد اعتباره ذاك من جهة كونه الوجه
الذي يكون سندا للتربية و مكملا لها ، لا غير .
فلا
غراية حينئذ في أن يقرر ابن خلدون أنه كلما أتصل ذاك السند ، أتصل معه
العمران ، و كلما خرب هذا خربت معه معادن ذاك و ارتحل العلم عندئذ إلى
غيره من الأمصار .
)
ص 546
(
. و انطلاقا من معاينة هذه الصلة التي أقامها بين التربية و العلم و
العمران يمكننا القول أنه إن كانت ثمة مسألة أنهم بها ابن خلدون أكثر
من غيرها فهي ، بلا مواربة ، مسألة التربية في مفهومها الكامل ، أي
الشامل للتعليم تحصيلا و تدريسا . و بعبارة أخرى فإن اعتباره تأصل
التربية ، في مفهومها الشامل هذا ، في صميم العمران البشري ، هو تحديدا
ما يقاس به مدى تحقق صورة الإنسانية فيه و هو أيضا ما يرشح الحضارة
للدوام : " فالإنسان في الحالة الأولى قبل التمييز هيولى فقط ، لجهله
بجميع المعارف . ثم تستكمل صورته بالعلم الذي يكتسبه بالآلات ، فتكمل
ذاته الإنسانية في وجودها " .
فإذا
رمنا معرفة التحديد الذي يعطيه ابن خلدون للتربية قلنا أنها تعني أمرين
متلازمين . أولاهما أن التربية وصل بالمدد تحصيلا و تعليما بما يزيد
العقل علما و يرفع الإنسان درجات في مسار نشدان كمال إنسانيته . و يحصل
ذلك بامتلاك الصنائع و الآداب و العوائد و الأحوال الحضارية لدى
الأجيال الناشئة . و ثانيهما أن التربية إنما هي ما يحصل من ذاك
الامتلاك و تلك الملكات من آثار في النفس . فكلمة تربية كلمة جامعة
لمعاني العمران في حركة اتصاله و امتلائه بما هو إنساني :
)
ص 547
(
فالعمران الموصول هو حضارة عقل ازداد علما ،
من جهة ، و نفوس فازعة إلى التحصيل يشغلها العلم أكثر مما يشغلها
معاشها ، من جهة أخرى . فإذا عدنا إلى بنية المقدمة و نظرنا مليا في
محتوياتها يتبين لنا الوجهان الأساسيان في العمران البشري : وجه أول
متمثل في الاستخدام الاجتماعي للفكر في إنتاج العلوم و الصنائع و وجوه
المعيشة ، و وجه ثان قائم على تدبير المجتمع على أساس من التنظيم
السياسي داخل سلطة .
III-
انكسار
توازن العمران : انتفاخ السلطة السياسية و انحسار المجتمع :
غير أنه
علينا أن نلفت الانتباه ههنا إلى أن شد المفاصل بين هذين الوجهين –
الوجه الأنتروبولوجي التاريخي الممثل لوحدة المجتمع ، و الوجه السياسي
المجسد لدائرة الملك – هو أبعد من أن يتخذ مجرى خطيا . بل بالأحرى
يتبين أنه مجال الفجوات و التوترات فضلا عن أنه المجال الذي تنعقد عليه
توازنات المجتمع و رهاناته الكبرى . فطبيعي إذن أن يكون مبدأ التوازن
فيه قابلا للانكسار – وهو ما حصل في الغالب بالنسبة إلى الدول التي
عاين ابن خلدون أطوارها ، وهي دول تسارعت إلى الزوال و فقد معها
العمران أسباب ديمومة حيويته – كما يمكن أن يكون مبدأ التوازن ذاك
قابلا لأن يزداد استحكاما بما يؤهل العمران للحضارة ترسيخا و اتساعا و
مزيد عطاء . فليس كل الدول مرشحة للحضارة التي هي اتصال و ديمومة ، و
ليس كل الحضارات حاملة في ذاتها قدر الإذن بفساد العمران و نهاية عمر
الدولة فيه . فغاية ما في الأمر هو أن جل الدول التي واكب ابن خلدون
حياتها هي تلك التي ظهر فيها الملك تضخيما مفرطا لجاه و انغماسا أعمى
في الزهو و تفريخا رديئا لحاجات مصطنعة زائدة ، أكثر منه تطويرا لوظائف
اجتماعية عضوية و إنتاجا لمقوماتها الاقتصادية الصلبة و تدبيرا
لتوازناتها العامة و الخاصة . فالأمور هنا " متناسبة " ، كما يقول ابن
خلدون ، : وهي حال الدولة في القوة و الضعف
) ...
(
و ذلك أن الدولة و الملك صورة الخليقة و العمران و كلها مادة لها "
)
ص 464
( .
و إنه
ليبدو واضحا أن المسألة التي رام ابن خلدون إبرازها لا تتصل البتة بما
ذهب إليه بعض الباحثين من أن أطوار الملك و العمران محكومة في نظر ابن
خلدون بآلية تاريخية بقدر ما هي متصلة بمنزلة الصدارة التي أصبح الملك
يحتلها في العمران البشري . و هذه المسألة لا ترد في " المقدمة "
كمجرد خيار منهجي في عرض المسائل بل إلى واقع تاريخي اتخذت معه الدولة
أبعادا متزايدة تتسم أساسا بالإنفراد بالمجد و حصول الترف و الدعة " ،
لا يلبث المجتمع أن يقابلها بوحدة باهتة متقبلة إذعانا لواقع و إيمانا
بتعبيراته الساحرة . فما من شك إذن في أن هذا السحر السياسي الذي يولده
تضخم الملك هو الذي حدا بابن خلدون إلى قول أن " الناس على دين ملوكها
و عوائدها "
)
ص 366
(
.
لنتوقف
حينا عند كلمة " دين " الواردة في هذه العبارة . فمن الدلالات التي
تشير إليها استخدامات ابن خلدون لها في السجل السياسي المحض ، أي بعد
حصول انقلاب الخلافة إلى ملك ، نجد أنها تعني اعتقاد النفس الكمال في
الغالب و الانقياد إليه و ائتلافه في سائر أحوالها . و أصل هذا كله
إنما هو العادة و قد تلونت بها النفس و أصبحت لها أمرا مألوفا يتصل بها
اعتقادا . ذلك أن " النفس إذا ألفت شيئا صار من جبلتها و طبيعتها لأنها
كثيرة التلون "
) ص 113
(
. فما يبدو ماثلا في الوعي الفردي و الجمعي طبيعة إنما هو مجرد نتاج
لتحولات اجتماعية امحت منها ذاكرة التاريخ لطول الزمان .
غير أن
الجدلية التي تحكم تلك التحولات ، من جهة ، و حالة النسيان التي
تغتمرها من جهة أخرى لم تكن لتمثل موضوع اهتمام في فكر ابن خلدون لو لم
تكن مفتاحا رئيسيا لفهم منطق التاريخ الاجتماعي . إنها محيلة على ما
يقوم من علاقات بين الدولة و المجتمع الحضري ، وهي علاقات نفوس مغلوبة
ممن استقرت بيده رئاسة الملك . فالرئاسة ، " إذا استقرت
) ...
(
في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة و توارثوه واحدا بعد واحد في
أعقاب كثيرين و دول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية و استحكمت لأهل
ذلك النصاب صبغة الرئاسة و رسخ في العقائد دين الانقياد "
)
م . 194
(
. و يضيف ابن خلدون أن هذا الانقياد إنما يحصل للنفس " مغالطة منها
لنفسها "
)
...
(
لذلك تنتحل جميع مذاهب
)
الغالب
(
و تتشبه أبدا به
)
...
(
في ملبسه و مركبه و سلاحه بل و في سائر أحواله "
)
م . 184
(
.
و لا
يذهبن بنا الاعتقاد ههنا إلى أن ابن خلدون ينحى ، في تتبعه لجدلية
الغالب و التابع ، منحى نفسانيا بحتا . لأن المسألة لا تفصح
عن دلالاتها تلك إلا في الفضاء الاجتماعي التاريخي ، و ذلك بالرجوع
تحديدا إلى ما يحصل من علاقات جدلية بين ما هو سياسي و بين ماهو
اجتماعي ، سيما في العمران الذي تبلغ فيه الحضارة أحوالا زائدة على
الضروري .
و عندما
نصر على التقدم خطوة أخرى في معالجة إشكالية السيادة و الانقياد
انطلاقا من جدلية السياسي و الاجتماعي ، محاولين توجيه نظرنا وجهة
التربية خصوصا ، نلحظ دون عسر أن النص الخلدوني في هذه المسألة ،
يشتغل على مستويين مترادفين : مستوى يعنى بمظاهر الفصل ، و آخر بمظاهر
الوصل . يعاين ابن خلدون مظاهر المستوى الأول في " انقسام " الدولة "
عندما يستفحل
)
الملك
( و يبلغ من أحوال الترف و النعيم إلى غايتها و يستبد صاحب
الدولة بالمجد و ينفرد به و يأنف حينئذ عن المشاركة " إلى حد يتضايق
معه نطاق الدولة و يتراجع حتى التقاسم " .
) م . 360
(
. و ظاهرة الفصل هذه لا تقف عند تباعد الملك عن عامة القوم ، بل تشمل
الحاشية شيئا فشيئا إلى درجة تصبح معها أخلاق الملك " أخلاقا غريبة
مخصوصة "
)
م . 359
(
ليس لها من وسائط تشدها إلى العالم الخارجي سوى تكاثر الحجاب و تمايز
مراتبهم . فلا غرابة ، مع حال مثل هذه و قد غلقت الدولة الأبواب دون
عموم المجتمع و أهملته من عدادها ، في أن تستحيل إلى وهم و أن يفسد
أمرها . غير أن هذا الفساد سيمثل ، على نحو مفارق ، الحد الذي ينحدر
معه الوصل بين الملك و العامة ، بحكم ما ملك الجميع " من أثر العوائد و
طاعتها " في ظل " إفراط الحضارة و الترف "
) 466
(
. " ذلك أن البشر متماثلون و إنما تفاضلوا و تميزوا بالخلق و
اكتساب الفضائل و اجتناب الرذائل . فمن استحكمت فيه صبغة الرذيلة بأي
وجه كان ، و فسد خلق الخير فيه ، لم ينفعه زكاء نسبه و لا طيب منبته و
لهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوت و ذوي الأحساب و الأصالة و أهل الدول
منطرحين في الغمار
)
...
(
بما فسد من أخلاقهم و ما تلونوا به من صبغة الشر و السفسفة " .
IV-
فساد
الملك و خراب العمران بتدمير التربية :
غير أن
المسألة التي ينبغي تجليتها في هذا الباب ، هي أن ابن خلدون ، وهو
يتكلم عن فساد أهل المدينة في ذاتهم واحدا واحدا
)
466
( ، لا يغفل عما ينجر عن ذاك الفساد من تدمير للتربية . بل إن
هذه المسألة هي التي تصبح نصب اهتمامه . فهي التي يقود إليها التحليل و
ينتهي عندها الفصل الشهير الذي عنوانه : " في أن الحضارة غاية العمران
و نهاية لعمره و أنها مؤذنة بفساده "
)
465
( . فالحديث في هذا الفصل الثامن عشر من الباب " المقدمة "
الرابع ما ينفك يترصد عمق الفساد الذي تصير معه الناشئة " مسخا على
الحقيقة " بفساد إنسانيتهم و الذي من مظاهره أن " يموج بحر المدينة
بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة و يجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة و
ولدانهم ممن أهمل عن التأديب و أهملته الدولة من عدادها و غلب عليه خلق
الجوار و إن كانوا من أهل أنساب و بيوتات "
)
466 - 467
(
. و قد تتخذ تلك المظاهر منحى مرضيا مثل ما يحصل من جهل مولدين لأبناء
" لغير رشدة "
)
غير شرعيين
(
و ما ينجر عن ذلك من فقدان الشفقة على البنين و القيام عليهم "
) 468
(
ففي حديث ابن خلدون عن حضارة الترف و الزهو ، يتبين لنا أن التربية هي
التي تمثل مدار الاهتمام وهي التي يجب حينئذ أن يصوب النظر نحوها .
1-
التربية
و مفهوم الاقتدار :
لكن هذا
ليس كل شيء . ففي واقع التربية هذا ، المأخوذ بسحر الانقياد ، ثمة في
عمق تفكير ابن خلدون ، نواة مرجعية يمكن أن ترد إليها حقيقة سر العلاقة
بين الغالب و التابع ، و التي قد تفلت منا إن بقينا عند المستوى الوصفي
لها . ذلك أننا نستطيع أن نلحظ أنماط السلوك العديدة المشوهة التي وقف
عليها ابن خلدون طويلا و رسم لنا تلاوينها المختلفة ،
) كأن تتلون النفس بألوان الشر في تحصيل حاجات العوائد ، و أن
يحصل لها بحصولها لون آخر من ألوانها ، و أن تنصرف إلى الفكر في تحصيل
المعاش من وجهه و من غير وجهه ، و أن تكون أبصر بالمكر و الخديعة و
الكذب و الغش ، و أن تنغمس في الشهوات الأكثر شذوذا و الأشد خطورة على
النوع البشري
(
، فهذه التلاوين كلها قد تجعلنا نغفل عن عين الفساد فيها ، ألا وهي
فقدان الإنسان لمبدإ الاقتدار فيه. يقول ابن خلدون هنا : " إن الأخلاق
الحاصلة من الحضارة و الترف هي عين الفساد لأن الإنسان إنما هو إنسان
باقتداره على جلب منافعه و دفع مضاره و استقامة خلقه للسعي في ذلك . و
الحضري لا يقدر على مباشرته حاجاته إما عجزا لما حصل له من الدعة أو
ترفعا لما حصل من المربي في النعيم و الترف و كلا الأمرين ذميم . و
كذلك لا يقدر على دفع المضار و استقامة خلقه للسعي في ذلك . و الحضري
بما فقد من خلق الإنسان بالترف و النعيم في قهر التأديب و التعلم ، فهو
بذلك عيال ... "
) 468
(
. و نحن واجدون هنا مفهوم الاقتدار و المفاهيم الأخرى المجاورة له في
المعنى تتتابع نحو الست مرات في ذات الفقرة الأخيرة من الفصل المذكور ،
و الذي يختمه ابن خلدون قائلا : " إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه
ودينه فقد فسدت إنسانيته و صار مسخا على الحقيقة " .
2-
مفهوم الاقتدار في التربية بين البداوة و الحضارة :
و إنه
لمن الأهمية بمكان أن نتأمل فيما يضيفه ابن خلدون هنا ، وهو يختم هذا
الفصل قائلا : " و بهذا الاعتبار كان الذين يتقربون من جند السلطان إلى
البداوة و الخشونة أنفع من الذين يتربون على الحضارة و خلقها "
)
468 - 469
(
. و أرى أن عقد ابن خلدون هذه المقارنة تحديدا على أرضية السياسة و
التربية ، و انطلاقا من مفهوم الاقتدار أساسا ، أمر جدير بأن يستأثر
بالاهتمام .
لقد سبق
أن بينا إن سر هلاك الدول و خراب العمران لا يرجع إلى الحضارة في حد
ذاتها – واقعا و حدوثا – و إنما يرد إلى تفشي الفساد الذي يغرق فيه
القوم . و فعلا ، أفلم يقرر ابن خلدون ، في أواخر " المقدمة " و تحديدا
في الفصل الثالث و الأربعين من الباب السادس و الأخير أن " الحضارة هي
سر الله في حصول العلم و الصنائع "
) 749
(
؟ و علينا أن نضيف إذن أن ثنائية " تقدم / سكون أو تراجع " ليست هي
التي تقارن ثنائية حضارة / بداوة أو تتقاطع معها سلبا ، بل لعله
بإمكاننا القول أن العكس هو الأقرب إلى الصواب في أصل مسار التقدم .
أليس " الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية و بما يتبعها من شدة
البأس و تعود الافتراس و لا يكون ذلك إلا مع البداوة " ؟
)
ص 215
(
. ألم تقترن الحالات المرضية التي تؤول إليها الحضارة بحالات من الدعة
و " الذهول " و " العجز " و قد علقت النفوس " السكون " في ظل دولة
تداعت إلى الراحة ؟
)
175
(
. و إن فكر ابن خلدون في هذه المسألة لمن الوضوح بمكان و يبدو ذلك
بجلاء في الفصل الذي عنوانه " في أن من عوائق الملك حصول الترف و
انغماس القبيل في النعيم" . لقد كتب قائلا : فقد تبين أن الترف من
عوائق الملك "
)
176
(
و لم يقل " أن البداوة أو العصبية هي من عوائق الملك " . و الأمران
مختلفان . فإذا حصل أن مثلت البداوة تراجعا في طور من أطوار سياسة
الملك ، فالأمر ليس مرده البداوة في حد ذاتها – علما أن سمتها البارزة
كامنة في حيويتها التي تجعل غايتها الملك – و إنما مرده مسارات في
الحضارة ذاتها تجري فيها مجرى الانكسار و التراجع عندما يتداعى فيها
الملك إلى السكون ، و القوم إلى الفساد ، بما يفقدها الاقتدار على
مباشرة الحاجات و دفع المضار . أليست " الأمم في أخلاقها ، و الأنبياء
في سيرتهم ، و الملوك في سياستهم ؟
) ص 13
(
.
3-
مفهوم
الاقتدار :
لنعد إلى
مفهوم الاقتدار الذي هو مفهوم مركزي في فكر ابن خلدون السياسي و
التربوي . إذا اقتفينا قاموس " المقدمة " في مختلف سجلاتها الموضوعاتية
و الدلالية فسنجد أن له دلالات عديدة لعل من أهمها : المنعة "
)
206
(
و " عزة النفس "
)
493
(
و " سورة البأس "
)
157
(
و الرئاسة
)
ص 185
( و " الجرأة "
) ص 242
(
و إيثار التضحية "
)
ص 259
(
" و الاجتهاد "
)
ص 257
(
و " تحري المقاصد "
)
ص 258
(
و " إفراد الوجهة إلى الحق "
)
198
(
. و نحن واجدون في كل هذه المواقف و المنازل أن حجر الزاوية التي يكون
ابن خلدون قد رام إبرازه متمثل في مفهوم مخصوص للقوة في تعاضد مع مفهوم
الحق . فإن كان الحق هو وجهة النظر فالقوة هي شرط الانتصار له ، أي شرط
الكفاية التي يقتدر بها المرء على ذلك :
) 243
(
" لو زالت من [ الإنسان ] قوة الغضب لفقد منه الانتصار للحق "
)
ص 253
( . و ينبغي أن نأخذ مفهوم القوة هنا في عنصرها النوعي ، لا
في جانبها الكمي . فقد تقابل القوة النوعية قوة مكافئة لها أو زائدة
عليها عدديا في معناها الكمي ، وهي ، مع ذلك ، تربو عليها و تنتصر ، لا
لشيء سوي أن الوجهة فيها موحدة و المطلوب متساو لدى الجميع
)
ص . 198 – 199
(
. و إن هذه القوة النوعية هي التي يسميها ابن خلدون " قدرة " وهي وحدها
التي يقر بمشروعيتها . إنها قدرة المحارب التي لا تمارس شرعا و سياسة
إلا متى قابلتها قدرة أخرى ، و ليست قدرة الظالم التي تمارس عسفا على
من تعوزه القوة و تكون حينئذ مؤذنة بالخراب
)
ص . 356
(
.
و ثمة
جانب أساسي في المفهوم الخلدوني للقدرة ينبغي توجيه النظر نحوه ، وهو
أن الأفكار و القيم و مختلف التمثلات التي تعبر عن مواقف لا تتخذ
ملامحها على أرض الوجود الفعلي إلا عندما تفوز بمشهديتها الخاصة ، أي
أن ينظر إليها في كونها شواهد على ملامح الإنسان المقتدر يعبر بها عن
نفسه و يعبر بها إلى خارج ذاته نحو الآخرين ، أو كونها صورة تتخذها "
المطالبة القوية " لديه . و تلك المطالبة قد تعبر عنها اليد ، أو
اللسان ، أو القلم . بيد أن ماهو جوهري هنا هو أن التعبيرات التي
تتخذها القدرة تتجاوز التمثلات لتصير أفعالا لها تأثيرات خارج الذات .
ذلك أنه إذا فصلنا تلك التمثلات عن شروط تجليها و تحقق تأثيرها في
المستويات التي تتيحها موازين القوى و وفق ما تريد الذات أن تتحدد به
في وجودها ، فإنها لا تعدو أن تكون مظاهر خادعة تحسب على الدعاة أو
المنفردين أو الموسوسين ، أو من كانوا من أهل الجنون
) ص . 201 - 202
(
. [ أنظر أيضا ص 160 : " لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبية له
و أما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحدا منهم نعرة على صاحبه فإن
أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة بنفسه خيفة "
ص 160 ] => قارن هذا مع من كان مرباه في العصبية : " لو وجد واحد
السبيل إلى الفرار من حاله و أمكنه ذلك لما تركه "
)
ص . 162
(
.
4-
الاقتدار
و العصبية :
و من
اليسير أن نتبين أن مفهوم القدرة ، كما يستخدمه ابن خلدون ، يكثف معاني
العصبية بالدرجة الأولى ، وهي المعاني التي يقوم عليها كل من الاقتدار
السياسي و روح التربية .
ففي
المجال السياسي ، فإن الحكم يستدعي القدرة ضرورة لأنه قوة على المعاناة
في تدبير المصالح ... يقول ابن خلدون أن " السلطان في ذاته ضعيف يحمل
أمرا ثقيلا لأنه " معاناة لقلوب الرجال " ، وهي معاناة تكون إزاءها
معاناة نقل الجبال من أماكنها أهون "
)
ص . 299
(
. و في جميع الحالات ، فإن تلك القدرة لم تكن لتؤنس في صاحب الملك لو
لم تقترن بالعصبية التي تعضدها و التي يجد فيها رجل السياسة الصلاحية و
الاستحقاق في أن يسوس من تحت يديه
)
ص . 119
(
و يذهب ابن خلدون إلى ربط الدين ذاته ، من جهة شروط تبليغ رسالته ،
بشرط حصول العصبية ، وهو أمر قد لا يملك البعض إلا أن يشعر إزاءه
بالشفقة على الدين أو على ابن خلدون أو على الإثنين معا . غير أن من
يعرف السياسة معرفة ابن خلدون لها يتبين بيسر أن الدين ذاته ، شأنه في
ذلك شأن كل رؤية أو كل مشروع حضاري يروم القيام على أرض البشر وجودا
متجسدا تأتلف معه النفوس ، إنما يعتمد قوما يكون المدخل لصلاحيته و
استحقاقه و نفوذه . " و الرسل تبعث في أحساب قومها ، و معناه أن تكون
له عصبة و شوكة تمنعه من أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه و يتم مراد
الله من إكمال دينه و ملته . "
)
ص . 117
(
. و يسحب ابن خلدون مفهوم الاقتدار الذي يجد في العصبية حقيقة قوامه و
مشروعيته على فترة الخلافة الأكثر تعقيدا و التباسا ، وهي فترة الخلافة
الأخيرة . فقد كان لدى ابن خلدون كثير من الجرأة الفكرية و السياسية
لما نزه معاوية في اقتتاله مع علي من قصد الباطل و رأى في الأمر مقتضى
العصبية التي كان الطريق فيها الاجتهاد في وجهة الحق و التي تمثل شرط
الكفاية الذي ، إن وقع الإخلال به ، تطرق ذلك إلى الشروط الأخرى التي
يقوم عليها منصب الخلافة
) ص . 257
(
. فسواء كانت السياسة خلافة أو كانت ملكا ، فإن طبيعة الحكم فيها تقضي
بألا يكون أمر " الحل و العقد
)...
(
إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل أو عقد أو فعل أو ترك "
)
ص . 289
(
، ذلك " أن الحل و العقد إنما هي لأهل القدرة عليه ، فمن لا قدرة له
عليه فلا حل له و لا عقد عليه "
) ص . 278 - 279
(
.
5-
التربية
على الاقتدار :
لنوجه
نظرنا الآن نحو العلاقة بين التربية و مفهوم الاقتدار ، و لنعتمد ،
كمدخل لحديثنا ، الفصل العشرين من باب المقدمة الثالث . يستهل ابن
خلدون فصله هذا بقوله : " المقصود من المدافعة و المغالبة إنما يتم
بالنسب لأجل التناصر في ذوي الأرحام و القربي
) ...
(
لأن أمر النسب و إن كان طبيعيا فإنما هو وهمي و المعنى الذي كان به
الالتحام إنما هو العشرة و المدافعة و طول الممارسة و الصحبة بالمربى و
الرضاع و سائر أحوال الموت و الحياة . و إذا حصل الالتحام بذلك جاءت
النعرة و التناصر و هذا مشاهد بين الناس . و اعتبر مثله في الاصطناع
فإنه يحدث بين المصطنع و من اصطنعه نسبة خاصة من الوصلة تتنزل هذه
المنزلة و تؤكد اللحمة "
) ص . 230
(
.
بإمكاننا
أن تتأمل قول ابن خلدون هذا طويلا و في أكثر من وجه . فمن جهة ترتيب
عناصر الحجاج فيه ، يتبين لنا بوضوح أن معاني المدافعة و المغالبة و
النعرة و التناصر ، التي غالبا ما يختزل فيها مفهوم العصبية ، إنما
تنشأ ، في حقيقة الأمر ، عن الالتحام الذي ينبغي أن يرد هو ذاته ، من
حيث نشأته ، إلى " العشرة " و " طول الممارسة " و " الصحبة " .
إن
التدقيق في عناصر الحجاج على هذا النحو ضروري للتمييز بين الصور التي
يتخذها الاقتدار في مشهديته الخارجية و بين الصورة العضوية الحية التي
يؤصلها في النشء مربى معين منذ الرضاع و التي تغدو لديه مبدأ يحكم
هيئات سلوكه جميعا و يستمد منه معنى وجوده . و طبيعي أن تكون التربية
التي يرسم ابن خلدون دائرتها الكاملة على هذا النحو شاملة لمعاني
الحياة و الموت و متماهية ، في الآن ذاته ، بالعالم الذي تتحرك فيه
وجهتها . و هذا العالم إنما هو عالم الجماعة الذي تتأكد فيه اللحمة
فيغدو ، بالنسبة إلى النشء ، البيت الذي ينتظم فيه وجوده و يستمد منه
شروط اقتداره في هذا العالم .
إن هذا
التدقيق في الترتيب الذي جاءت عليه عناصر الحجاج يقودنا إلى التمييز
بين مستويين في الصور التي يتخذها الاقتدار : مستوى أول مباشر تتجلى
فيه مشهديته بين الناس ، و مستوى ثان غير مباشر يتأصل فيه – مولدا و
مبدأ في مربى معين فيغدو ، منذ الرضاع ، مزاجا لدى النشء يحكم هيئات
سلوكه جميعا . ألا يكون ثمة في تربية على الاقتدار مثل هذه ما يشمل
معنى الحياة و الموت و ما يلزم الواحد بمصير الجماعة " حتى أنه لو
وجد السبيل إلى الفرار من حاله و أمكنه ذلك لما تركه " ؟ ألا يقيض لتلك
التربية أن تسم الحكم السياسي ذاته بميسمها عندما تكون الدولة في أولها
بدوية ، لما لها من " الغضاضة " و " الألف " و " خلق الرفق بالرعايا "
و " القرب من الناس و سهولة الإذن " ؟
) ص . 366
(
أليست التربية ، بهذا المعنى ، سياسة ، و السياسة ، في بداية الأمر و
نهايته ، تربية ؟
لكن ثمة
، في المقتطف الذي أوردناه ، صعوبتين لهما من خصب الدلالات ما يحملنا
على الوقوف عندهما : أولاهما هو أن ابن خلدون يؤسس مفهوم التربية على
مفهوم الاقتدار ، في إطار العصبية ، أي على مفهوم النسب ، غير أنه
يضيف في الحين " أن أمر النسب ، و إن كان طبيعيا ، فإنما هو وهمي " :
فكيف يأتلف الاقتدار مع الوهم ؟ ألا يخبئ هذا النمط من الوجود الإنساني
المؤهل أكثر من غيره للفوز بشروط اقتداره في هذا العالم تناقضا بين
ملمحين غير قابلين للالتقاء ؟ ألا تؤول التربية ، في إطار منطق
العصبية ، إلى عتمة في الوقت الذي يراد منها أن تهيئ لاجتياز عتبة
الوجود الفعلي وارتياد صعابه ؟
6-
في
مفهوم " العصبية " :
يمكن أن
نلحظ هنا أن علاقات النسب ، و إن كانت محيلة على تلك الأجساد المخصوصة
التي تكون المجموعة ، لا يجب أن نردها إلى مجرد علاقات دموية في معناها
الطبيعي المحض ،أو أن نتمثلها حضوريا ، في تو " الهنا و الآن " ، على
النحو الذي نتمثل به الأشياء المحسوسة في مستوى حدوسنا و إدراكاتنا .
فنحن إزاء واقع إنساني ، خاصيته الأساسية أنه تاريخي و مشترك ، يدفع
النظر ضرورة خارج دائرة الذات المفردة و حدود حاضرها ليوصله بدوائر
أخرى غائبة عن البصر و تمثل ، مع ذلك ، الوجود الإنساني في حقيقة
امتلائه ، حتى أن الوجود الآني و المنعزل في حدوده العينية لا يعدو أن
يكون إزاءه وهما . و لعله يمكن أن نتفهم هنا جهد ابن خلدون في وصل
منبته بزهاء العشرين أنسابا ، بدء باشتقاق اسم " خلدون " من " الداخل
إلى الأندلس " في أول الفتح ، وصولا إلى أصله البعيد الذي يشد مفاصله
إلى وائل بن حجر من عرب اليمن ، و من ثمة إلى صحابة النبي الكريم .
ألا يكون
الإنسان الذي تتأكد فيه الخلال الحافظة للذاكرة – فكرا و وجدانا – هو
الإنسان الأكثر اقتدارا على أن يتجرد من وهم الآني ليمسك بعرى التاريخ
و يستشف عبره ببصيرة المتأمل استجلاء لتلك الخلال فيتلقفها في مثل لمحة
البصر ، و إلا كيف يتسنى للفكر أن يفقه وجوده بصفته تواجدا وهو يتحرك
ضرورة وفق فضائه المكاني و الزماني ؟
إن الآخر
الغائب هو الذي يتنزل منزلة ذاك الفضاء الأفقي الذي يكشف للإنسان أنه
ثمة دائما في حياته ما يفلت منه أبدا و أن علاقته بذاته قائمة دوما على
وصلة عن بعد تؤسسها تربية و تحملها حضارات ، لها هي الأخرى ، أكثر من
لقاء مع الحياة و الموت ، وهو لقاء قد يتضمن ، إن نحن أخرجناه من حالات
السكون ، معنى الاستخلاف الحق . ألا يكون الفكر التاريخي ، بهذا المعنى
، فكرا " بدويا " أو " متوحشا " باعتباره فكرا متحفزا على الدوام ، لا
يستقر على حال ؟ أليست التربية القائمة على العصبية تربية فازعة دوما
إلى " الفوضى " إن نحن قارناها بنظم الملك التي تغلق ، دون التاريخ ،
أبوابها على مستقر داخليتها ؟ أليس التاريخ حينئذ مجال نزاع قائم على
الدوام ؟ لعلنا نمسك هنا ، في قلب الفكر الخلدوني ، بطبيعة النقيضة
الأساسية : كيف يمكن لرجل العصبية ، وهو الرجل " الأقرب إلى خلال الخير
منه إلى خلال الشر ، وهو الذي يشهد له " إكرامه للعلماء و الصالحين
و الأشراف "
)
ص . 180
(
، و الأقرب بالتالي ، إلى الملك و السياسة ، أن يستقيم أمر وجوده في
أنظمة سياسية تأخذ الناس بأحكامها الوازعة و تلتهمهم في داخليتها ،
ذاهبة بشوكة البأس لديهم و متولية تربيتهم على خلق الانقياد ؟ ألم يقرر
ابن خلدون أن
» من هم على خلق التوحش هم أصعب الأمم انقيادا !
«
) ص 199
(
.
قد لا
نكون في حاجة إلى التساؤل ههنا إن كانت الخصوصية العصبية هي التي تحمل
في ذاتها ما يحول دون ارتقائها إلى الكونية ، أم أن نظام الملك ،
باختزاله الكونية في الوازع الخارجي اختزالا صوريا وآنيا أو بفرضه
أحكاما على الرعايا ظلما بما يؤدي إلى انقباضهم و ذهاب الأمل منهم ، هو
الذي يمنع الوجود المخصوص من الالتقاء بأفق كونيته ؟
إن ما
نرمي إلى إبرازه من أسئلتنا هذه هو التذكير بالأرضية السياسية التي
يقيم عليها ابن خلدون علاقة الراعي بالرعية في إطار الدولة و بالتالي
على أساس من النظام و الأمن للجميع . فابن خلدون الذي يقرر أن الإنسان
مدني بطبعه ، و أن لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره و من وازع حاكم
يرجع إليه
) ص 377
(
، هو أول من يقر بضرورة المحافظة على النظام و نبذ الفوضى . فلا ننتظرن
إذن من الإنسان ، باعتباره كائنا سياسيا ، أن يضيف شيئا آخر إلى
السلطان زيادة ، كما أنه من المفروض ألا ينتظر منه السلطان ما يزيد به
سلطته :
» لما كان الملك طبيعيا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع
)
...
(
و كان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته و قوته
الناطقة العاقلة
) ...
(
و الملك و السياسة إنما كانا له من حيث هو إنسان لأنهما للإنسان خاصة
لا للحيوان . فإذا خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة و الملك إذ
الخير هو المناسب للسياسة و
)
...
( أن المجد له أصل يبني عليه و تتحقق به حقيقته وهو العصبية
«
) ص 178
(
.
ثمة إذن
منذ البدء – عقلا و طبيعة – أرضية لإمكانية الالتقاء السياسي بين الملك
و من هم تحت يديه . و هذه الأرضية يسميها ابن خلدون ، من موقع الراعي ،
العدل أو وجهة الحق ، و من موقع الرعايا ، الحفاظ على سمة الإنسانية في
الإنسان أو روح الرئاسة لديه . فالسياسة أمر واحد و مشترك .
أما
الصعوبة الثانية التي ينبغي أن نتوقف عندها ، فهي تلك التي شبه فيها
ابن خلدون علاقات الوصلة القائمة على النسب ، في إطار العصبية ، " بما
يحدث بين المصطنع و من اصطنعه " .
لنتساءل
: كيف يمكن أن يستحيل ماهو مصطنع إلى لحمة عضوية قائمة في الذوات
الإنسانية - مبدأ و صورة- على هيئة من الاقتدار على الوجود في العالم ؟
كيف يقيض للتربية أن تشترك ، و لو على وجه التماثل ، مع التقنية في
اصطناعة الإنسان من غير أن تجعل منه كائنا اصطناعيا متنزلا منزلة
المنتوجات المتأتية من الصنائع البشرية ، سيما و أن ابن خلدون يعد
التعليم صناعة من جملة الصنائع الأخرى ؟
7-
التربية
و التعليم :
إن هذا
التساؤل ينقل حديثنا هذا في مسألة السياسة و التربية إلى مسألة أكثر
خصوصية ، هي مسألة التربية و التعليم . إن الجواب الذي يمكن أن تستشفه
من " المقدمة " حول هذا التساؤل هو أن ابن خلدون يعاين ، في طابع
التربية المصطنعي ذاك ، وجهين متكاملين . نجد وجها منهما قائما مبدأ و
طبيعة في الإنسان ، إذ هو راجع إلى طباع البشر بما يتميز به الإنسان ،
دون الحيوان ، من فكر ، و بما تستدعيه طبيعة العمران من تعاضد و تعاون
ووصل المدد .
فمن جهة
كون الإنسان فكرا ، يقول ابن خلدون : " الإنسان
) ...
(
. لا يتميز إلا بالفكر : فقبل ذلك فهو خلو من العلم بالجملة ، معدود من
الحيوانات
) ...
(
هيولى فقط
)
...
(
و لا تستكمل صورته إلا بالعلم الذي يكتسبه و الذي به تكمل صورته
الإنسانية في وجودها
«
)
ص 599
(
. فسمة الإنسان المصطنعة أمر طبيعي إذ أن ما تكتسبه النفس الناطقة إنما
هو موجود فيها بالقوة ، و إن خروجه " من القوة إلى الفعل إنما هو بتعدد
العلوم و الإدراكات
)
...
( و ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية "
)
ص 541
( . فالتعلم ، و إن كان اصطناعا ، فإنه ذو خاصية فريدة تميزه
عن ضروب الإنتاج الصناعي الأخرى . فهو صادر عن عنصر روحي متمثل في ذوات
لا تتلقى عملية التعليم فحسب ، بل تبدي علامة متميزة في هذا الاتجاه ،
من حيث أنها تملك بالقوة الصفات التي تؤهلها لتحقيقها بالفعل . فما
تكتسبه الذات إنما هو صورتها و قد تبلورت بفعل التربية . فالذات لا
تملك سوى أن تفوز بصورتها الطبيعية التي كانت كامنة فيها .
أما من
جهة كون الوجود الإنساني يستدعي العمران طبيعة من حيث ضرورة التعاضد و
وصل المدد ، فيذهب فيه ابن خلدون إلى أن الفكر الذي تنشأ عنه العلوم و
الصنائع إنما " يرجع إلى من سبقه بعلم أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك
) ...
(
فيلقن ذلك عنهم
)
...
(
و تتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك
فيفزعون إلى أهل معرفته و يجيء التعليم من هذا . و تبين أن العلم و
التعليم طبيعي في البشر "
) ص 543
(
. غير أن ما هو أساسي هنا ، هو أن ابن خلدون قد شد العلاقة بين الحضارة
و العلوم في الاتجاهين : فكلما استوت الحضارة في العمران " زخرت فيها
بحار العلم
)
...
( و اصطلاحات التعليم " و كلما تراجعت " ، فقد بها العلم و
التعليم و انتقل إلى غيرها من الأمصار "
) ص 548
(
و ابن خلدون لا يتردد في تعيين موطن المسؤولية
الأولى في ذلك . فالأمر راجع في الحالتين أساسا إلى السلطان ، لا لما
قد يلحق الحضارة من ترف الملك و ما يتبعه من خراب العمران فحسب ، بل
أيضا لما يلحق القائمين على السياسة من " أنفة عن انتحال العلم لما صار
)
...
(
من جملة الصنائع فالرؤساء أبدا يستنكفون عن الصنائع و المهن و ما يجر
إليها و دفعوا ذلك إلى من قام به من العجم و المولدين "
)
ص 748 - 749
(
.
و الجدير
بالاهتمام ، في هذا الباب ، هو ما لحظه ابن خلدون في بعض أوساط
العمران من حرص على استكثار بناء المدارس و الوقوف عليها خشية على
ذريتهم من معاطب الملك و نكباته .
فلا بد
إذن من أن نوضح هنا منزلة التربية – و قد غدت ، بحكم التطور الحضاري ،
موصولة بسند التعليم – من كل من السلطان و الجماعة العمرانية في آن .
لأن التربية قائمة وصلا بين الجميع في ذات العمران ، و من ثمة فالجميع
مدينون بعضهم لبعض بهذا الوصل الذي ورثوه هبة من الأولين . فهم مطالبون
– عقلا و اجتماعا و حضارة و خشية على ذريتهم – بالحفاظ على المعاني
التي تكون فيه ، فيضيفون إليها مما يبدعون و ينتجون بما تستقيم به
مصالحهم عاجلا و آجلا . و إنه ليتبين لنا أن ما يكون ابن خلدون قد رام
إبرازه هو أن التربية في آخر التحليل مسؤولية العمران كله من موقع
انتظامه السياسي ، و أن الحكم على مختلف الأدوار التربوية و التعليمية
)
البيداغوجية
(
ينبغي أن يصدر عن وجهة نظر سياسية .
و قد كان
ابن خلدون ، رجل سياسة ، لكنه كان ، في الآن ذاته ، رجل علم و تعليم
و لذا من الطبيعي أن يكون على بينة من طرق التعليم التي كان
ينتهجها المعلمون في الكتاتيب ، و من آثارها على المتعلمين من الولدان
. و لعل أهم ما ينبغي الوقوف عنده في هذا المجال ، هو أن ابن خلدون كان
يعي أن كلا من التربية و السياسة تدبير . فكلتاهما يجب أن تهدف إلى
تطوير قدرات الإنسان و بلورة ملكاته في أفضل صورها . و مرد ذلك هو آن
التربية و السياسة تنطلقان ، في فكر ابن خلدون ، من أن الإنسان لا يكون
إنسانا إلا بمدى تدرجه نحو ما يكتمل به كيانه و يملك به أمر اقتداره .
و إذا كان سر التدبير السياسي – كما سبق أن بينا – إنما هو الاقتدار
على " الحل و العقد و الفعل و الترك " ، فإن سر الحذق في العلم و
التفنن فيه و الاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة " .
)
ص 543
(
. و الملكة هنا هي القدرة على التصرف في العلم و التعليم ، و هذه
الملكة " إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما " . إن
غاية التعليم – طرائق و محتويات – تكمن أساسا في الاستيلاء على ملكة ،
لا على علم ، " لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد
بها لقبول ما بقي و حصل له نشاط في طلب المزيد و النهوض إلى ما فوق حتى
يستولى على غايات العلم "
) ص 735
(
.
و ينتهي
ابن خلدون ، على أساس تصوره هذا لغاية التعليم ، إلى الطرائق التعليمية
التي يتوجب إتباعها و التي من أهمها " فتق اللسان بالمحاورة و المناظرة
في المسائل العلمية "
) ص 543
(
: إننا نجد أنفسنا إزاء رؤية للتعليم تجعل من الدور النشيط الذي تضطلع
به الذات المتعلمة مدار الاهتمام . فنجاعة طرق التعليم في سائر وجوهه
إنما تستند إلى المتعلم من حيث ممارسة حريته بطلق لسانه في نشاطه
التعلمي .
و لما
كان التعليم قائما على علاقات بأشخاص ، استدعى ضرورة التواصل بين أولئك
الأشخاص على أساس " الحوار " . إن معنى الحوار يقتضي وجود قطبين في
العملية التربوية يكونان في منزلة متساوية من حيث احترام الذات
الإنسانية .
غير أن
هذا الحوار ، لما كان تعليميا ، أخذ بخصوصية الطفل وراعى في ذلك " قوة
عقله و استعداده لقبول ما يرد عليه تدريجيا ، بعيدا في البدء عن "
المسائل المقفلة " التي من شأنها أن تؤدي إلى تكاسل النفس و الانحراف
عن قبول العلم و التمادي في هجرانه
) ص 734
(
. و يذكرنا ابن خلدون ، في مقابل ذلك ، بأن طالبي العلم الذين يلازمون
" المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون و لا يفاوضون و عنايتهم بالحفظ أكثر
من الحاجة
) ...
( لا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم و التعليم "
)
ص 545
( .
و ثمة
حقيقة أخرى هي من أسس فكر ابن خلدون التربوي ، هي أن السلطوية التي
تمارس على المتعلمين لا يشك في نجاعتها التعليمية فحسب ، بل يعتبرها "
مضرة بهم " : »
و ذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد من سوء
الملكة . و من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو
الخدم سطا به القهر و ضيق عن النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها و دعاه
إلى الكسل و حمل على الكذب و الخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا
من انبساط الأيدي بالقهر عليه و علمه المكر و الخديعة كذلك و صارت له
هذه عادة و خلقا و فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع و
التمرن
)
...
( و صار عيالا على غيره في ذلك بل و كسلت النفس عن
اكتساب الفضائل و الخلق الجميل فانقبضت عن غايتها و مدى
إنسانيتهما
فارتكس و عاد إلى أسفل السافلين ... »
)
ص 743
( .
و الحق
أنه سبق للقديس أغوستين
)
Saint
Augustin
( أن قدم لنا صياغة لافتة عن العذابات التي تلحقها شدة
التربية بأصاغر السن لما استجمعها في تلك الذكرى المريرة التي ارتبطت
بما قاساه طيلة سنوات الدراسة و التي ظلت تلاحقه في فكره و وجدانه حتى
مشيبه . فقد كتب ، وهو في سن تناهز السبعين
)
72
(
، قائلا : من منا لا يستنكف من تلك الفظاعة و لا يؤثر الموت على أن
ينقلب طفلا . "
[1]
و نجد في
كتابات مونتانيي
)
Montaigne
( أيضا ، وهي كتابات لاحقة نسبيا لابن خلدون ، صدى لتلك
الفظاعة : " إنكم لا تسمعون إلا الصراخ و الصياح ، صراخ أطفال معذبين و
صياح معلمين منتشين في حنقهم . "
[2]
فأن
يلتقي أعلام من الفكر الإنساني من قبيل القديس اغوستين
)
Saint Augustin
( و ابن خلدون " و منتانيي
)
Montaigne
( في مثل هذه الشهادات على ما كانت عليه التربية ، فذلك راجع
إلى كون كلمة " دراسة " أو " تعلم " كانت مقترنة ، في دلالتها
التاريخية ، بالقهر و الشدة على صبيان لا حول لهم و لا قوة ، وهم ما
عليه في طفليتهم . فلا نتعجب إذا وجدنا لعبارة " انبساط الأيدي بالقهر
... " في لغة ابن خلدون ما يعادلها في اللسان الفرنسي ، وهي عبارة
« tendre la main à la férule »
التي تعني الدراسة في ظل العصا التي يعتمدها المعلم في بسطه سلطته
بالقهر .
8-
ما
بين التربية و السياسة :
غير أن
ما ميز مقاربة ابن خلدون – وهو أمر لافت – هو اعتباره أن تداعيات
التربية بالعسف و القهر على المتعلمين تولد في ذواتهم ذات التداعيات
التي يولدها السلطان القاهر في نفوس رعيته . و عندما نقارن بين الفصل
الأربعين من الباب السادس ، و الذي عنوانه : " في أن الشدة على
المتعلمين مضرة بهم "
)
ص . 743
(
و الفصل الرابع و العشرين من الباب الثالث و الذي
عنوانه : " في أن إرهاف الحد مضر بالملك و مفسد له في الأكثر " )
ص 236
(
، نجد أن الألفاظ تكاد تكون متطابقة : من ذلك عبارات " الكذب ، و المكر
، و الخديعة ، و تكاسل النفس ، و التظاهر بغير ما في الضمير ... "
خوفا من " انبساط الأيدي بالقهر " .
لكأن
الناس محكوم عليهم ، كلما " حصلت أمة في قبضة القهر و نال منها العسف "
، أن يعيشوا حياتهم كاملة تحت طائلة الضرب ، من معلم و من سلطان . و
سواء كان ذاك من هذا أو هذا من ذاك ، فالأمر يكاد يكون سواء بفعل طول
أمد الجميع في نفس المربى .
كيف يمكن
للإنسانية أن تخلص تاريخها من دائرة العنف و القهر هذه إلى أفق يرتقي
معه التاريخ إلى المنزلة التي يجدر بالإنسان أن يكون فيها ؟ و لما كان
الإنسان بطبعه
مدنيا ، أي سياسيا و لما كانت إنسانيته لا تكتمل حقيقتها إلا بالتربية
ظل ذاك الارتقاء رهن فعل سياسي و تربوي
في آن واحد يراعي لزوما موازين قوى التاريخ و يعي وطأة ترسباته و عمق
تداعياته وعيا كاملا .
[1]
أغوستين
)
354 – 430 م
(
Saint AUGUSTIN,
La Cité
de Dieu,
XVI, 14
[2]
مونتانيي
)
1533 - 1592 م
(
MONTAIGNE, Essais, Liv. I, ch. XXVI, 4
.
|