exhauss_ibn_khaldoun

مقالات أكاديمية

مداخلات ندوة بيت الحكمة

تونس 13/ 18 مارس 2006 

                                       محاضرات ألقيت باللغة  العربية


المسألة الديمغرافية عند ابن خلدون

بقلم أ. د. خميس طعم الله

المقدمـة :

تبين لنا من قراءة مقدمة ابن خلدون انه تحدث في كتابه الأول "العمران البشري"، عن القضايا السكانية والاقتصادية وكذلك عن النشاطات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

فقد قال في معرض تبويب تاريخه "الكتاب الأول في العمران" وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب[1].

وقد ركز ابن خلدون في مقدمته على أهمية العنصر السكاني واعتبره من المقدمات الأساسية في ازدهار الأمم ونهضتها الاقتصادية والاجتماعية. فازدهار العلوم والصناعات وتوفر الخيرات المادية والثقافية مرتبطة بالعنصر السكاني وكثافته.

كما أن ابن خلدون اعتبر أن هناك علاقة بين التدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي  والفوضى السياسية وبين النقص السكاني.

ولئن لم يخصص ابن خلدون في مقدمته فصلا خاصا للمسألة السكانية أو الديمغرافية، فإننا مع ذلك نجد بوادر تفكير متفرقة من خلال الفصول مبثوثة في عديد من أنحاء المقدمة، الأمر الذي يمكن الباحث المتأني من الخروج  بعد دراسة شاملة للكتاب الخلدوني، إن لم نقل بفكر أو سياسة خلدونية حول المسألة الديمغرافية، على الأقل ببعض المفاهيم التي يمكن اعتبارها مفاتيح  يمكن أن تشكل بداية بلورة لفكر سكاني كان من الممكن أن يتطور لو تواصلت الدراسات وتعمقت بعد ابن خلدون.

وفي هذا العرض الموجز سوف نحاول التركيز على القضايا السكانية في مقدمة ابن خلدون من خلال المحاور التالية :

·      المحور الأول : العمران الطبيعي.

·      المحور الثاني : تطور المجتمع.

·      المحور الثالث : تطور الدولة.

·      المحور الرابع : الأبعاد الديمغرافية الاجتماعية.

والهدف من دراسة هذه المحاور إبراز المقولات الخلدونية المرتبطة  بنشاط السكان ونموهم الديمغرافي، فمن خلالها سيتم إبراز العوامل المؤثرة في السكان من حيث الكثرة أو القلة وأثر ذلك في تطور المجتمعات أو فنائها حسب ما ورد في المقدمة.

المحور الأول : العمران الطبيعي

حدد ابن خلدون في الجزء الأول من مقدمته ظهور عمران العالم وربطه بما يتصل به من ظواهر العمران البشري المتصلة بظهور العصبيات والدول. وقد تطرق إلى دواعي مرتبطة بالطبيعة البشرية وأخرى مرتبطة بالنواحي الجغرافية.

دواعي تتصل بطبيعة البشر :

يتبين ابن خلدون أن العمران البشري يرتبط بقيمة التعاون وبالطبيعة الإنسانية في الاجتماع، حيث يقول : "إن الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم " الإنسان مدني بالطبع" أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمران وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقائها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل حاجته من ذلك الغذاء"[2] 

ويضيف ابن خلدون : "فلا بد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه"[3] .

من خلال ما سبق يتضح لنا أن ابن خلدون حدد المجتمع واعتبره جماعة قائمة على أساس العمل التعاوني المشترك متضامنة في العمل  من أجل الحياة.

ويضيف ابن خلدون : " وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه، فإذن هذا النوع من الاجتماع ضروري للنوع الإنساني" [4].

الناحية الجغرافية :

 بين ابن خلدون أن هناك عناصر طبيعية تحدد العمران، إذ توجد مناطق خلاء وقفار يقل فيها العمران خاصة من جهة الجنوب لارتفاع درجة الحرارة بصورة كبيرة والإقليمان السادس والسابع شديدا البرودة نتيجة التشتت الكبير في أشعة الشمس :

أما الإقليم الرابع فيتميز بأنه أكثر اعتدالا والثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال ويقول ابن خلدون : "أما الأقاليم البعيدة من الاعتدال مثل الأول والثاني والسادس والسابع ، فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع أحوالهم"[5] .

أما سكان المناطق والأقاليم المعتدلة فيصفهم ابن خلدون بقوله : " يبعدون عن الانحراف في عامة أحوالهم " لذا فالمجتمعات تتباين لسببين الأول : أثر الإقليم والثاني : أثر التربة.

أولا : أثر الإقليم

اعترف ابن خلدون أن للأقاليم أثر عميق في المجتمع يظهر في الأجسام والعقول وبالتالي في مختلف نواحي الحياة.

فأهل الأقاليم الثلاثة الوسطى أرقى علوما وصنائعا وملابسا وأقواتا وأديانا وأفضل أجساما وألوانا وأخلاقا والنبوات نفسها وجدت فيها لأن الأنبياء أكمل النوع، وإن شذت جزيرة العرب  وهي في الإقليمين الأول والثاني ، فلأن البحار أحاطت بها فصار فيها بعض الاعتدال. أما باقي الأقاليم فأهلها أبعد عن الاعتدال في جميع أحوالهم ، فالعلم مفقود والدين مجهول، والتوحش غالب، بناؤهم طين وقصب ولباسهم أوراق شجر أو جلود وأقواتهم ذرة وعشب وربما أكل بعضهم بعضا"[6] .

يختلف أهل الجنوب عن أهل الشمال لاختلاف الهواء فأهل الجنوب جلودهم سوداء ومزاجهم فيه نشوة وسرور بسبب الحر وأهل الشمال بيض فالبرد يبيض اللون ويقبض النفس فالبرد أفضل من الحر، وأحفظ للإنسان، لهذا كان العمران في الشمال أوفر منه في الجنوب.

ثانيا : أثر التربة 

والسبب الثاني في تباين المجتمعات هو تباين تربتها في الخصب ويعتبر ابن خلدون أن للخصب أثرا سيئا في المجتمع والقناعة أفضل للناس.

يتغذى سكان البقاع الخصبة بالحبوب والحنطة والفواكه، فتولد كثرة الأغذية فضلات رديئة في أجسامهم، وينشأ عن ذلك الكساف في اللون وضخامة في الجسم وقبح في الشكل وبلادة وغفلة.

" أما أهل القفار فأقواتهم الألبان واللحوم ، يعيشون على الأقلال فتصفو جبلتهم، هم أحسن أجساما وأفضل أخلاقا وأثقب أذهانا، ألوانهم أصفى وأبدانهم وأشكالهم أتم". لذا يتضح لنا أن هواء الإقليم وخصبه سببان خارجيان يتكيف بهما مجتمع ما ، فيختلف عن باقي المجتمعات.

ويضيف ابن خلدون " أن هناك أسبابا ذاتية تعرض لكل مجتمع ، في أي إقليم كان ، وأي تربة أستقر، فتبدله من حال إلى حال"[7]. وهذه الأسباب الذاتية تعتبر طبيعة لكل المجتمعات يتميز بها مجتمع في طور ما ، عنه في طور آخر وابن خلدون في مقدمته ، قد بين لنا طورين أساسيين طور البداوة وطور الحضارة.

المحور الثاني : تطور المجتمع

يرى ابن خلدون أن التطور التاريخي للمجتمع يمر بثلاث حالات هي :

1-  التوحش والبدائية : وفي تصوره أنها كانت من نصيب البشر جميعا وعبر عن ذلك بقوله " واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية". ويضيف " وقد كسب الإنسان خاصة بعد أن بلغت طبيعته الحيوانية حد الكمال فبدأ بالتنوع في رثائه بعد أن لم تكن له أية معرفة ، بل كان حيوانا مثل جميع الحيوانات الأخرى مكون من الدم واللحم والصوف "[8].

2-  العمران البدوي : ويعرفه ابن خلدون بقوله " وهو الذي يكون في الضواحي وفي الجبال  وفي الحلل المجتمعة في القفار وأطراف الرمال "[9].

3-    العمران الحضري : " وهو الذي بالأمصار والقرى والمدن والمداشر للاعتصام بها والتحصن بجدرانها "[10].

وللإجابة عن السؤال القائل ما الذي يحدد الحالات المختلفة لحياة المجتمع ؟

نجد أن ابن خلدون يجيب بقوله " اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلهم من المعاش ، فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون في تحصيله "[11].

فأسلوب الحياة البدوية أو الحضرية يتحدد بنوع المهنة التي تسود في المجتمع وبالمقابل نجد أن نوع المهنة هو الذي يحدد للمجتمع المكان الذي يعيش فيه. ويعبر ابن خلدون عن كيفية الانتقال من طور البداوة إلى الحضارة بقوله :

" فإنما اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيل ( المعاش ) والابتداء بما هو ضروري منه وبسيط قبل الحاجي والكمالي ، فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة أو الزراعة ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود لنتاجها واستخراج فضلاتها. وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضرورة والأبد إلى البدو لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع والفدن والمسارح للحيوان وغير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمرا ضروريا لهم وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكن والدفاءة إنما هي بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك "[12].

ويضيف : " ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت، واختلاط المدن والأمصار للتحضر، ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة في التأنق في علاج القوت  واستجادة المطابخ ، وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير  والديباج وغير ذلك ، ومعالاة البيوت والصروح وأحكام وضعها في تنجيدها والاقتصاد في الصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غاياتها، فيتخذون القصور والمنازل ويجرون فيها المياه ويعالون في صروحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون وهؤلاء هم الحضر ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان.

ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو ، لأن أحوالهم زائدة على الضروري ، ومعاشهم على نسبة وجدهم ، فقد تبين أن أجيال البدو والحضر طبيعة لا بد منها" [13]

بالنظر للمقولة السابقة لابن خلدون يتضح لنا ما يلي :

يعتبر ابن خلدون البداوة طورا طبيعيا سابقا على الحضارة ويتم الانتقال من طور البداوة إلى طور الحضارة عن طريق النمو الاقتصادي ، كما هو واضح في مقولته السابقة : " ثم اتسعت " فالانتقال من طور البداوة إلى الحضارة يكثر الصناعات بسبب زيادة السكان وتزايد السكان يؤدي إلى تقسيم العمل ويزيد الإنتاج في المجتمع وبالتالي زيادة ارتفاع مداخيل الأفراد ، ويزيد حجم الطلب نتيجة الإقبال على الاستهلاك للسلع فتنشأ بذلك صناعات جديدة مما يشجع على زيادة السكان وهكذا.

ولقد ربط ابن خلدون السكان بالكسب فأينما يكثر السكان تكثر الأعمال ، ويعبر عن ذلك بقوله " اعلم أن ما توافر عمرانه من الأقطار وتعددت الأمم في جهاته وكثر ساكنه ، اتسعت أحوال أهله وكثرت أموالهم وأمصارهم وعظمت دولهم وممالكهم والسبب في ذلك ما ذكرناه من كثرة الأعمال"[14] .

ويلاحظ ابن خلدون أن كل نوع من المجتمعين البدوي والحضري تتفاوت وتختلف وحداته شكلا وحجما وكثافة ، إذ يقول : "إن كل واحد من البدو والحضر متفاوت الأحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي وقبيلة أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمرانا من مدينة".

ويتميز أهل الحضر بالاشتغال بالتجارة والصناعة فالتجارة أساسية في مكاسب الحضر. أما الصناعة فقد ربط ابن خلدون بينهما وبين تقدم العمران والعلوم إذ تنشأ وتزدهر بازدهارهما.

ويقول: "إنما الصنائع إنما تكتمل بكمال العمران الحضري وكثرته[15] ثم يضيف: وعلى مقدار عمران البلدان تكون جودة الصنائع للتأنق فيها حينئذ"[16]

ويضيف: "وإذا زخر نحو العمران وطلبت فيه الكمالات كان من جملتها التأنق في الصنائع واستجادتها فكملت بجميع متمماتها وتزايدت صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله من جزار ودباغ وخراز وصنائع"[17]

كما أن ابن خلدون يعتبر أن رسوخ الصنائع في أي مجتمع يكون برسوخ الحضارة حيث يقول: رسوخ الصنائع في الأمصار إنما برسوخ الحضارة وطول أمده"[18]

وكذلك يرى ابن خلدون أن الانتقال من طور البداوة إلى طور الحضارة يتم عن طريق الاقتدار بالمتحضر فعندما يفتح البدو دولا متحضرة فيقتدون بها ويتحضرون.

أما "إذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب (نتيجة عدم توفر الأمان على أموالهم) كسدت أسواق العمران وانتفضت الأحوال وابذعر (توزع) الناس في الآفاق من غير تلك الايالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها، فحق ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصاره (ص 348).

المحور الثالث : تطور الدولة

يرى ابن خلدون أن مستوى التطور الذي يبلغه العمران لا يحدد بحجم الحواجز وكثافة السكان وحجم الأعمال فقط ولكنه يشمل أيضا المدة التي تتطور الدولة أو المجتمع خلالها.

فالدولة تمر بأدوار مختلفة تبدأ بدور البداوة ويكون الملك في أهل العصبية الغالبة يشاطرون الرئيس المجد ويقاسمونه ثمرات الملك فتقوى الدولة.

ثم حدد الحضارة حيث يزداد عدد السكان وتزدهر المدن وتكثر الصناعات والحرف ويحصل انفراد الملك بالمجد وترف حضارة وبدء ضعف الدولة.

ثم لدور الانحلال "انفراد تام بالمجد والقضاء على العصبية واستبحار في الترف والسكون فزوال البأس وضعف الحامية".

وهنا يكثر الظلم والفساد وتعمم الفوضى فتضعف الدولة ويدفع بها نحو الهرم والدثور.

حيث يرى ابن خلدون أن العمران إذا بلغ غايته وهو الحضارة والترف، انقلب إلى الفساد والانحلال وأخذ منه الهرم كالأعمار الطبيعية للأشخاص وبذلك اعتبر أن عمر الدولة لا يتجاوز في الغالب عمر ثلاثة أجيال، الجيل الأول بداوة وخشونة وقوة الدولة والجيل الثاني حضارة وترف وانفراد بالملك والجيل الثالث انفراد تام بالمجد والقضاء على العصبية كما ورد أعلاه.

وفي انقضاء الجيلين (الأول والثاني) تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء (ثم بعد ذلك تدخل الدولة مرحلة) تناقض العمران بعد حين، من أجل التدريج في الأمور الطبيعية، ثم إن المجاعات تكثر عن ذلك في أواخر الدول" ص 367.

ويرى ابن خلدون أن الحضارة هي بوفور العمران، فإذا نقص ساكن المصر فمعنى ذلك اختلال العمران ويمكن أن يستعيد عمرانا آخر في ظل دولة جديدة.

يرى ابن خلدون أن الهرم يصيب الدولة أولا من أطرافها حيث تبدأ هذه الأطراف في الخروج عنها رويدا رويدا لما تلمحه من ضعف العصبية نتيجة انحلالها وانصرافها إلى حياة البذخ وهكذا يأخذ الانحلال في الزحف من أواخر الأطراف إلى أن تبقى الدولة في الأخير محصورة في نواتها الأصلية ثم ما تلبث أن تنهار، لذلك كلما امتدت أطراف الدولة، كلما كان عمرها أطول، وحتى تمتد أطراف الدولة يجب أن تكون عصبيتها كبيرة أي قادرة على الانتشار أكثر ما يمكن جغرافيا.

"عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة. فما كان من الدولة العامة قبيلها وأهل عصابتها أكثر، كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطانا وكان ملكها أوسع لذلك" ص 213.

"والسبب الصحيح في ذلك أن النقص إنما يبدو في الدولة من الأطراف فإذا كانت ممالكها كثيرة كانت أطرافها بعيدة عن مركزها وكثيرة" ص 213.

يجب أن لا ننسى هنا أن الدولة في عصر ابن خلدون إنما يقوم امتدادها وانتشارها على القوة العسكرية، والقوة العسكرية مبنية بالأساس على الغلبة العددية، لذلك بقدر ما يكثر العدد بقدر ما تكون الرقعة المغطاة أكبر، بقدر ما يصبح الهرم الذي يمكن أن يصيب الدولة أبعد وعمرها أطول. لذلك نفهم أيضا لماذا كانت العصبيات تشجع على النسل والتناسل وخصوصا على إنجاب الذكور الذين تقوم عليهم مهام الحماية والغزو والحرب.

وفي الحديث الشريف: "تناكحوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة".

إن ما يدهشنا في التحليل الخلدوني هو هذا الطابع العلمي الذي يفسر به الأحداث التي تدور في المجتمع، ففي بيئة دينية مثل التي عاش فيها ابن خلدون، تعودنا أن نسمع أن الكوارث والمصائب وانحباس الأمطار والأمراض والأوبئة إنما هي عقوبات يسلطها الإله  على الناس أو المجتمع إذا كثر فيها الفساد. عوض هذا التفسير الغيبي، يأتي ابن خلدون بدليل "وضعي" له بناء على ما تمليه الملاحظة الدقيقة لسير الأمور وعلى ما يمليه التحليل المنطقي الفعلي.

لقد رأينا أن ابن خلدون يربط النمو السكاني بعامل الاستقرار نتيجة الاطمئنان الذي يسود في جو العدل والأمن ونتيجة نشاط الحياة الاقتصادية ونمائها وما توفره من أماكن للعمل والكسب والسعي، وكل ذلك مرتبط بمرحلة معينة من مراحل نمو الدولة، إنها مرحلة النمو والرفاه والوفرة وهي المرحلة الثانية والثالثة. يقول ابن خلدون: "إذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا وانتشطوا للعمران وأسبابه، فتوفر وكثر التناسل، وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل. وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء". ص 367.

بدخول الدولة أواخر مرحلتها الثالثة وولوجها مرحلتها الرابعة تتغير الأمور، فتنحل العصبية التي كانت متماسكة في البداية، وينغمس السلطان وحاشيته وباطنه في اللهو والترف وتصبح نفقات الدولة كبيرة بحيث تحتاج إلى الإكثار من الضرائب لجمعها والإكثار من العمال، ثم يؤدي إلى تزايد التعديات والمظالم. كل ذلك سيكون له انعكاس على الوضعية الديمغرافية، بحيث يلجأ عدد كبير من الناس إلى الهجرة، أما البقية فإنها تصبح مهددة بالمجاعات وكثرة الوفايات.

نستخلص إذا في نهاية التحليل أن الكوارث مثل المجاعات والأوبئة التي تؤدي إلى ارتفاع نسب الوفايات هي نتائج لواقع اجتماعي واقتصادي وليست مرتبطة بتفسيرات أخرى غيبية وهي تفسيرات لا يناقشها ابن خلدون ولا يبدي فيها رأيا لأنها لا تهم الباحث والمتقصي لحقائق الأمور وللقوانين التي تسير عليها المجتمعات، بما يجعل من تراكم الأوساخ أمرا منطقيا نظرا لغياب الفضاءات المخصصة لذلك ولغياب الفضاءات الفاصلة بين المنازل ومواقع العمل وبقية الأنشطة الضرورية للحياة الاجتماعية، بما يجعل نقل العدوى يتم بصورة سريعة وأوتوماتيكية. لذلك يرى ابن خلدون أنه من الحكمة خلق فضاءات تفصل بين مناطق العمران وحتى بين المساكن، وهذه الحكمة يستلهمها ابن خلدون من الحكمة الإلهية في توزيع أقاليم المعمورة بجعل فضاءات غير قابلة للسكن فيها فصل بين إقليم وآخر (مثل الصحاري القاحلة، والجبال الوعرة، والبحار والمناطق المتجمدة).

هذا التوزيع الجغرافي على مستوى الكرة الأرضية، يرى ابن خلدون فيه منهجا معماريا يمكن تطبيقه في المدن الكبيرة أو ما يسميها بالمدن ذات العمران الكبير أو الممتد وذلك بخلق ما نسميه اليوم بالفضاءات الخضراء والمناطق الفاصلة بين الأحياء. وذلك بهدف أن "يذهب بما يحصل في الهواء من الفساد والعفن".

كل هذه العوامل المتجمعة والتي حوصلناها تحت كلمة ارتفاع نسب الوفايات، هي التي ستؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة لما يسميه ابن خلدون "بفساد الهواء" لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة، ونفهم نحن ذلك جيدا الآن، وهو ما نعبر عنه بالتلوث ولذلك يربط ابن خلدون "فساد الهواء" بكثرة نمو العمران وتلاصقه.

 

المحور الرابع : الأبعاد الديمغرافية الاجتماعية

بناء على ما سبق يتضح لنا أن النمو السكاني حسب مقدمة  ابن خلدون يمر بمرحلتين تتأثران بعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية. وسوف نتحدث عن هاتين المرحلتين بإبراز المقولات الخلدونية التي تؤكدهما:

1-   المرحلة الأولى :

زيادة معدل الخصوبة في المواليد ونقص معدل الوفايات وهي الفترة التي تستغرق للانتقال من طور البداوة إلى طور الحضارة أو بالأصح حتى تبلغ الحضارة أوجها (ذروتها) فيزاد عدد السكان وتزدهر الصناعات. حيث يقول : "أن الصنائع إنما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته"[19].

كما يرى ابن خلدون "أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها"، ويعلل ذلك بقوله: "والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك والترف كثر التناسل والولد والعمومية فكثرت العصابة واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جود ذلك النعيم والرفه فازدادوا به عددا إلى عددهم وقوة إلى قوتهم بسبب كثرة العصائب"[20].

نستنتج من المقولة السابقة أن كثرة التناسل لا تتم إلا بالتشجيع على الزواج المبكر وعدم وضع أي قيود على سن الزواج، ففي مرحلة بناء الدولة تكون هناك حاجة ملحة لعدد كبير من السكان.

2-   المرحلة (الأخيرة) الثانية:

ينتقل المجتمع في هذه المرحلة من تطوره فينخفض معدل الخصوبة في المواليد ويرتفع معدل الوفايات حيث تظهر الأمراض والأوبئة والاضطرابات (تعم الفوضى والفساد) مما يقلل من نشاط السكان وينقص من خصوبتهم ويعتبر ابن خلدون أن الظلم سبب انقطاع النوع البشري، حيث يقول: "الحكمة المقصودة للشرع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال"[21].

ويعتبر ابن خلدون أن وفور العمران آخر الدولة يرفع فيها كثرة الوفايات والمجاعات ويعلل ذلك بقوله: " والسبب فيه إما المجاعات فلقبض الناس أيديهم عن الفلح في الأكثر بسبب ما يقع آخر الدولة من العدوان في الأموال والجبايات أو الفتن الواقعة في انتقاص الرعايا وكثرة الخوارج لهرم الدولة"[22].

ويضيف ابن خلدون "فغلا الزرع وعجز أولو الخصاصة فهلكوا وكان بعض السنوات الاحتكار مفقود فشمل الناس الجوع. أما كثرة الموتات فلها أسباب من كثرة الهرم والقتل أو لوقوع الوباء وسببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران".

كما يرى ابن خلدون أن الفساد يؤدي إلى انقطاع النوع، حيث يقول: "انهماك في الشهوات وكثرة الزنا واللواط فيفضي ذلك إلى فساد النوع أما باختلاط الأنساب كما في الزنا فيجهل كل ابنه ويؤدي ذلك إلى انقطاع النوع ويكون فساد النوع بغير واسطه"[23].

إذن الموتات، بالتفسير الخلدوني، والمجاعات هي نتاج لدخول الدولة مرحلتها الأخيرة أي مرحلة الهرم وانحلال العصبية. ويحلل ذلك ابن خلدون بالرجوع إلى أن في أواخر مرحلة الدولة يكثر الظلم والفتن بما يدفع الناس كما سبق ورأينا إلى الهجرة وقبل ذلك إلى مسك أيديهم عن العمل والإنتاج (الفلح)، وهو ما يؤدي إلى المجاعات. ونفهم ما وراء ذلك من ندرة الإنتاج وقلة ويبس الأرض التي يقوم عليها الاقتصاد الفلاحي وما يسببه من سوء تغذية وانتشار للأمراض تكون نتيجتها الحتمية والأخيرة هي  ارتفاع نسبة الوفايات عن نسبتها العادية. فإذا أضفنا إلى ذلك عامل انخفاض نسبة الولادات بناء على أن ابن خلدون يعتبر أن نسبتها مرتبطة بالنمو وترفيه أحوال العيش، فإننا نصل إلى انخفاض رهيب في النمو الطبيعي (الولادات، الوفايات).

طبعا نحن لا نجد هذا التحليل مفصلا بهذا الشكل ولكننا بتتبع المنطق الخلدوني وعبر قراءة مختلفة الأفكار المبثوثة في المقدمة، يمكن أن نخرج بهذا التحليل التأليفي الذي كما سبق وذكرنا كان من الممكن أن يتطور كثيرا لو أن الدراسات تواصلت مباشرة بعد ابن خلدون وانكبت على تطوير وتحليل مختلف المسائل التي احتوتها المقدمة.

كما يرى ابن خلدون: "أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء"[24].

ويعلل ذلك بسبب ما يحصل في النفوس من التكاسل، فيقول: " ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل، والاعتمار إنما هو عن جده الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية"[25].

يرتبط التناسل في فكر ابن خلدون بمسألة شرعية وهي حفظ النسل على الأرض لأداء الأمانة التي كلف بها الإله الإنسان. ومسألة التناسل يمكن أن تزداد أو تنخفض بتوفر عوامل مختلفة.

يربط ابن خلدون ازدياد العدد بالملك والترف يقول في الصفحة 226 من المقدمة : "والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك والترف، كثر التناسل والولد والعمومية فكثرت العصابة واستكثروا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرفه، فازداد بهم عدد إلى عددهم وقوة إلى قوتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد" ص 226.

إن ترفه الحياة سبب مباشر في ازدياد النسل أو الخصوبة بالمعنى الحديث وذلك بتوفير الشروط الصحية من تغذية ورعاية سواء للأطفال أو للمرأة التي تصبح لها القدرة الكافية على تحمل مشاق الحمل وتبعاته وإن كان ابن خلدون لا يفصل الحديث في هذا الأمر، فإننا نفهمه بالضرورة من خلال السياق.

لكن لترفه الحياة المادي بعد غير مباشر على التناسل وهنا بمعنى كثرة المواليد وتوقيع عدد العشيرة أو العصبية، ذلك أن هذه الأخيرة تصبح تستخدم الجواري والموالي بحيث تضمها إلى نفسها فتنسب أبناءهم إلى العصبية الغالبة التي تتبناهم خارج العصبية المتغلبة، يمكن أن يكثر التناسل بمعنى أن تزداد الخصوبة في حال توفر العدل، فهذا الشرط الأساسي يعتبره ابن خلدون مهما جدا فيه يأخذ عامة الناس الثقة في أنفسهم ويكبر أملهم في الحياة فيقبلون عليها. وفي هذا يقول ابن خلدون: "إذا كانت الملكة (الملك) رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر و(كثر) التناسل وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل" ص 367.

يستعمل إذا ابن خلدون مفهوم "التناسل" أحيانا بمعنى الخصوبة: كثرة عدد المواليد أو قلتهم بالنسبة للمرأة الواحدة وأحيانا بمعنى اتساع العدد نتيجة عوامل أخرى قد تضاف إلى العامل الأقل مثل استجلاب الرقيق والموالي، ولئن توقف ابن خلدون في هذا المعنى عند حد العصبية المالكة فإنه لم يعط هذه النقطة اهتماما كبيرا لدراستها في مستوى المجتمع ككل. وسواء كان التناسل بمعنى ارتفاع الخصوبة أو كثرة العدد نتيجة العوامل الخارجية، فإن أسباب ذلك تعود مباشرة لارتباطها بترفه الحياة المادية وتوفر شروط الاستقرار والعدل والأمن.

فكان ابن خلدون ينقد المؤرخين على أسس القياس العلمي و المنهجي و الإحصاء المنطقي فقد أكد منذ البداية على دقة الملاحظة و إتباع المنهج الصحيح و الابتعاد عن الأخطاء: "دسائس الباطل و الوهم والابتداع و زخرف الرواية المضعفة والملفقة و الموضوعة، و عدم مراعاة و لا ملاحظة أسباب الوقائع والأحوال و ترهات الأحاديث، و قلة التحقيق و تحلل التنقيح و تسلل التقليد ووبال الجهل"[26] .

و يؤكد وعيه الإحصائي خاصة فيما نقله بعضهم عن جيوش بني إسرائيل وهنا قام ابن خلدون بنقد إحصائي ديمغرافي ذو بال حول الأرقام التي حددوها، إذ يقول: "...إن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوق فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون.. .  ولكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها و تقوم بوظائفها و تضيق عما فوقها، يشهد بذلك العوائد المعروفة و الأحوال المألوفة و لقد كان ملك الفرس دولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير و مع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد و لا قريبا منه…." [27].

إذا كانت العصبية هي الشعور القوي باللحمة و التماسك فهي تفيد الاتحاد و الالتحام و تنجر من خلال الدم و النسب والولاء والحلف فهي كذلك عدد، يقول ابن خلدون:  "إذا كان عدد العصبية أكثر، كانت أقوي وأكثر ممالك أوطانها و كان ملكها أوسع لذلك".

فالعصبية تقوى بكثرة العدد الأمر الذي جعل ابن خلدون يهتم بالإحصاء.

و يعتبر ابن خلدون أن عدد السكان يمثل قيمة كبرى لما له من علاقة وطيدة بسعة الرزق و رفاه العيش و ازدهار التجارة فكتب فصلا يقول فيه: "إن تفاضل الأمصار و المدن في كثرة الرفه لأهلها و نفاق الأسواق إنما هو في تفاضل عمرانها من الكثرة و القلة«. وفي هذا الفصل يبين الملامح الاقتصادية حينما يقول: »و أما حال الدخل و الخرج فمتكافئ في جميع الأمصار و متى عظم الدخل عظم الخرج و بالعكس. و متى عظم الدخل و الخرج اتسعت أحوال الساكن ووسع المصر".

 ونرى كذلك أن ابن خلدون يبرز مفهوم تقسيم العمل حيث يقول:  "كثر ة الأعمال تؤدي إلى ازدياد الثروة و توفير الضروريات من حاجيات السكان".

و يقدر ابن خلدون عدد المسلمين في عهد النبوة و الخلافة الذي يتجاوز في البداية مائة و خمسين ألف ليرتفع إلى أضعافه حتى أصبح في عهد المعتصم ستمائة ألف. و إذا تمعنا جيدا في المقدمة فان ابن خلدون  تعرض إلى مسائل ديمغرافية اجتماعية  و صحية إذ يقدر أمل الحياة عند الولادة  ESPERANCE DE VIE LA NAISSANCE  A  بأربعين عاما في عصره. ويفسر هذا العدد كما يلي :"الجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط فيكون أربعين«. ثم يستمر في التحليل بقوله: »هو انتهاء النمو  و النشوء إلى غايته و المقصود بالأربعين هو فناء جيل الأحياء و نشأة آخر.".

ويحلل ابن خلدون في الفصل الخمسين من المقدمة في و جود العمران أخر الدولة و ما يقم فيها من كثرة الموتان  و المجاعات إذ يقول: " و أما كثرة الموتان فلها أسباب من كثرة المجاعات أو كثرة الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج و القتل أو وقوع الوباء و سببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران."

و يضرب مثلا في ذلك : "فان الموتان يكون في المدن  الموفورة العمران أكثر من غيرها كمصر بالمشرق وفاس بالمغرب و الله يقدر ما يشاء"[28].

ويقسم ابن خلدون  السكان حسب أنماط عيشهم الى ثلاث:الضروري و الحاجي و الكمالي: "فالبدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه و أن الحضر المعتنون بحاجات الترف و الكمال في أحوالهم و عوا ئدهم و لاشك أن الضروري أقدم من الحاجي و الكمالي و سابق عليه و لان الضروري أصل و الكمالي فرع ناشئ عنه فالبدو أصل المدن و الحضر و سابق عليهما.."[29].

و يركز ابن خلدون في تحليله للسكان تارة على الديمغرافيا الاجتماعية و أخرى على الديمغرافيا الاقتصادية. وفي تصنيفه للمجتمع البدوي يعتمد ابن خلدون على مؤشرات اجتماعية سكانية إذ يقول: "أهل البدو هم المنتحلون للمعاش الطبيعي من الفلح القيام على الأنعام. و أنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات و الملابس و المساكن و سائر الأحوال و العوائد و مقصرون عما فوق ذلك من حاجي أو كمالي فمن كان معاشه منهم في الزراعة و القيام بالفلح كان المقام به أولى من الظعن و هؤلاء سكان المدن و القرى و الجبالو من كان معاشه في السائمة مثل الغنم و البقر فهم في ظعن في الأغلب.وأما من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعنا و أبعد في القفر مجالا".

و على مؤشرات مرتبطة بعلم السكان الاقتصادي حيث يربط بين كثافة السكان و ارتفاع نسب الاستهلاك و في هذا الصدد يقول ابن خلدون: "فإذا استجار المصر و كثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من القوت و ما في معناه، وغلب أسعار الكمالي من الادم والفواكه وما يتبعها. وإذا قل ساكن المصر و ضعف عمرانه كان الأمر بالعكس". نلاحظ إذا أن الأمصار القليلة السكان يقل فيها الرزق و هكذا يتفاوت العمران بتفاوت الرفه. فابن خلدون يمكن أن يعتبر من مؤسسي علم السكان الاجتماعي فملاحظاته المرتبطة باليات الدولة و أجيالها حيث يبين أن هاته القضية توازي مراحل عمر الكائن البشري و كذلك الدور الذي تلعبه الأحداث الديمغرافية في نمو الدولة كازدياد العمران أو تدهوره و تأثير الحروب و الموتان و المجاعات و الأوبئة و الازدحام أي كثافة السكان وغيره من المفاهيم و المصطلحات العديدة التي تؤيد أن ابن خلدون ساهم بقسط كبير في بناء علم السكان.

الخاتمـة

المسألة الديمغرافية في الأخير تحتل حيزا هاما من التفكير الاجتماعي الخلدوني مثلها مثل المسألة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكنها لم تأخذ حيزا مستقلا بذاته بل نراها تندمج ببقية العناصر وإن كانت الأبحاث التي تناولت ابن خلدون قد توجهت أكثر إلى البحث عن رجل التاريخ أو رجل علم الاجتماع، فإنه يمكن أيضا أن نتخذ من "المقدمة " ركيزة نبحث فيها عن ابن خلدون الديمغرافي الذي سبق زمانه وربما نراه الآن أقرب بكثير من العديد من المعاصرين أو على الأقل أقرب إلينا منه إلى جيل عصره.

في المسألة السكانية، يقف ابن خلدون على عاملين أولهما ثقافي وثانيهما ديمغرافي. في العامل الأول يؤكد صاحب المقدمة على أهمية العصبية وأن يكون عدد أفرادها ممتدا بما يزيد في هيبتها وقوتها وقدرتها على الدفاع على مصالح القبيلة وحمايتها في مرحلة أولى ثم في مرحلة ثانية إلى فرض نفسها على بقية القبائل والعصبيات بحيث تتحول إلى قوة يمكن أن تنافس الدولة وتتسلم الأمور عوضا عنها، فتصبح العصبية دولة، وحتى في مرحلة الدولة فإن العدد ونموه وتكاثره له أهميته لأنه هو الذي يحدد المساحة الجغرافية التي يمكن أن تمتد عليها الدولة وأن تبسط عليها نفوذها. من هنا نرى أهمية العوامل الدينية والثقافية التي تؤكد على التزايد والتناسل والإكثار من عدد عناصر الأسرة، فالعشيرة والقبيلة وهي عقلية لا تزال مستحكمة إلى حد الآن في الذهنية العربية وخصوصا في المناطق الريفية ونحن نحتاج إلى فهمها لنتمكن من موازنتها.

العامل الثاني هو نتاج النمو السكاني وسلبياته إذا لم يكن مضبوطا وإن كان ابن خلدون لم يعط مساحة كبيرة من التحليل لكل أبعاد هذه المسألة، فإننا نرى على الأقل بعضا منها خصوصا في مستوى نمو العمران وارتفاع الكثافة السكانية بما لا يجعل مجالا لخلق الفضاءات اللازمة للتهوئة وهو ما يؤدي إلى أن المدن تصبح أكثر قابلية من الأرياف لانتقال العدوى والأمراض خصوصا إذا وضعنا تحليل ابن خلدون في عصره، حيث نتساءل عن المرافق الصحية المسؤولة عن نظافة المحيط من الأوساخ والفضلات خصوصا داخل المدن.

إن النظر إلى المسألة الديمغرافية في بعدها الانفجاري من خلال هذين المنظورين الثقافي والديمغرافى  يجعل ابن خلدون رائدا لعصره ولو أن البحوث تواصلت بعده لتوسعت في التحليل لتؤكد أنه كان من الضروري منذ زمن بعيد التخطيط للمسألة السكانية.

ولئن كنا لا نجد في "المقدمة" موقفا صريحا يعبر عنه ابن خلدون تجاه القضايا الديمغرافية، فإنه كان يشجع على التزايد في النسل ونفهم ذلك ضمنيا من خلال قراءة للخلفية التي تقوده بحيث أن المسألة المتعلقة بأهمية العدد بالنسبة لحياة الجماعة ومتابعتها تجعلنا نفهم موقفا ضمنيا مشجعا للزيادة في العدد.

ولعل عدم إعطاء ابن خلدون لمسألة الزيادة الديمغرافية فصلا مستقلا وبالتالي حجما هاما في سياق بحثه يكون مرتبطا بأن حالة الندرة لم تصبح بعد، ذات حدة كبيرة وبالتالي فإن مسائل مثل البطالة في ظل نمو اقتصادي رأسمالي لم تكن لتطرح بنفس الشكل في ظل اقتصاد يقوم أساسا على الكفاف والتبادل والتضامن الذي تفرضه القبيلة أو الجماعة بين أعضائها.

إن ما كتبه ابن خلدون في مقدمته، يؤكد أنه كان مبدعا فعلا فلقد درس أهم الظواهر السكانية وبين أسبابها وحللها بدقة متناهية.

فيفري 2006

أ.د. خميس طعم الله

مدير قسم علم الاجتماع

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

جامعة تونس

 

المراجع

1-  مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول- تأليف العلامة عبد الرحمان بن خلدون، دار الجيل ببيروت (بدون تاريخ).

2-  مقدمة ابن خلدون، الدار التونسية للنشر / الدار العربية للكتاب، 1984.

3-  مقدمة ابن خلدون، دار أحياء التراث العربي، بيروت، 1971.

4- فلاسفة العرب، ابن خلدون من منشورات دار المشرق بيروت، التوزيع المكتبة الشرقية بيروت، إنجاز المطبعة الكاتوليكية، شهر تموز 1970.


 

[1]  المقدمة الجزء الأول ، ص 6

[2] المقدمة ج1 ، ص 46

[3] المقدمة ج1 ، ص 46

[4] المقدمة ج1 ، ص 46

[5] المقدمة ج1 ، ص 92

[6] فلاسفة العرب . ص 16 و 17

[7] فلاسفة العرب . ص 18 و 19

[8] المقدمة ص 106

[9] المقدمة ص45

[10] المقدمة ص45

[11] المقدمة ص 132

[12] المقدمة ج 1 ص 132

[13] ج أ . ص 133.

[14] المقدمة ج 1 ص 441

[15] المقدمة ج 1 ص 444

[16] المقدمة ج 1 ص 444

[17] المقدمة ج 1 ص 444

[18] المقدمة ج 1 ص 445

[19] المقدمة ج 1 ص 444

[20] المقدمة ج 1 ص 493

[21] المقدمة ج 1 ص 319

[22] المقدمة ج 1 ص 334

[23] المقدمة ج 1 ص 319

[24] المقدمة ج 1 ص 163

[25] المقدمة ج 1 ص 441

[26] ابن خلدون "المقدمة"، طبعة دار أحياء التراث العربي، بيروت 1971، ص 4.

[27] ابن خلدون "المقدمة"، ج 2 ص 85 نفس الطبعة.

[28] ابن خلدون "المقدمة"، ج 1، الفصل الخمسون، دار الجيل، بيروت، ص 334.

[29] ابن خلدون "المقدمة"، ج 2، ص 122 نفس الطبعة.

 

 

 

 

                                               إلى الأعلى                                                           

 

جميع الحقوق محفوظة © |موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية | إنجاز و نشر :  Exhauss publisher تونس