مرحبا!    اشترك الآن    تسجيل الدخول        
ابن خلدون
الصفحة الرئيسية


Bookmarks

Delicious Viadeo Digg Blogmarks Scoopeo Yoolink Mister-Wong Furl Newsvine Reddit Facebook Stumbleupon Simpy Technorati Twitter Yahoo! Google

فعاليات ثقافية : يوم حنبعل
بواسطة admin في 20/06/2009 10:13:14 (835 القراء)

بمناسبة خمسينية صدور الدستور التونسي عقدت بمدينة العلوم بتونس يوم 19 جوان 2009 جمعية "نادي حنبعل" أمسية دراسية حول الصيغ الدستورية التونسية من عهد قرطاج إلى يومنا الحالي. أدار الحوار الأستاذ الصادق شعبان الوزير السابق و رئيس المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و مؤسس و رئيس الجمعية. و شارك بالمحاضرات الأساتذة : محمد حسين فنطر رئيس كرسي بن علي لحوار الحضارات و حاضر حول دستور قرطاج، و الأستاذ الجامعي و مدير معهد الحركة الوطنية عبد السلام بن حميدة و تعلقت محاضرته بدستور 1861، و تناولت محاضرة الأستاذ فتحي عبد الناظر رئيس المجلس الدستوري مراحل تطور الدستور التونسي الحالي من صدوره سنة 1959 إلى التعديلات المدخلة عليه لاحقا.

لقد توصل نادي حنبعل بهذه الأمسية إلى ربط الصلة ما بين الماضي العتيق للبلاد التونسية و حاضرها على امتداد فتحة مروحة زمنية يبلغ مداها 3000 سنة. فأستاذ التاريخ القديم محمد حسين فنطر انطلق من نص شهير لأرسطو مقتطف من كتاب "السياسة" فيه عرج على دستور قرطاج. و انطلاقا منه حاول تفكيك آليات اشتغال الدستور القرطاجي، و ركز على ترجمة بعض من المصطلحات الغائمة التي وردت في نص أرسطو، مبينا مثلا أن إطلاق تسمية ملوك على حكام قرطاج بحسب ما ورد في النص الإغريقي و اللاتيني فيه نوع من التعسف باعتبار أن حكم قرطاج كان انتخابيا و لم يكن وراثيا بالمعني المتعارف عليه، و بين أن مرادف مصطلح ملك ورد في النقائش البونية في شكل شفط التي حاول تقريبها من كلمة سبط. كما أبرز أن النظام القرطاجي كان نظاما أرستقراطيا لا بالمعنى الحديث للأرستقراطية بل بمعني حكم الأخيار من ذوي الأخلاقيات العالية بغض النظر عن مستوى ثرائهم مع مشاركة شعبية واسعة في إدارة الشأن العام. و بين أن هذا الدستور حمى قرطاج من الفوضى و الهزات السياسية من جهة، و من جهة أخرى منع ظهور الحكام الطغاة، و هذا ما كان يثير إعجاب أرسطو.

و في مداخلته بين الأستاذ عبد السلام بن حميدة أن دستور سنة 1861 ينخرط في سياق موجة إصلاحية شهدتها تونس أثناء القرن التاسع عشر، إصلاحات، بعضها أوجبته القوى الأوروبية المتربصة لاحتلال تونس، بحيث فرضت عهد الأمان سنة 1857 الذي سمح للأجانب بتملك ما يشاؤون من عقارات داخل البلاد، بما فتح الباب أمام التسرب الاقتصادي الذي مهد للاحتلال العسكري و فرض نظام الحماية سنة 1881. أما دستور سنة 1861 فينخرط في نفس السياق حيث أنه منح للشعب دون أن يكون بمثابة تلبية لحاجيات نابعة من أعماق البلاد، كما أن محمد الصادق باي لم يكن متحمسا لتقييد سلطته، فاستغل ثورة سنة 1864 لإلغاء العمل بمقتضياته. لكن قيمة هذا الدستور تتمثل في أنه أول دستور يتأسس في العالم الإسلامي، و أهم من ذلك أنه مثل مرجعا استندت إليه الحركة الوطنية التونسية للمطالبة بإدخال إصلاحات عميقة على نظام الحماية الفرنسية المفروض على البلاد التونسية، و ذلك منذ صدور كتاب تونس الشهيدة المنسوب للشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1920، و ليس غريبا أن يتسمى الحزبان اللذان قادا الحركة الوطنية بتسمية الحزب الدستوري.

المحاضرة التي ألقاها الأستاذ فتحي عبد الناظر تركزت على الجوانب القانونية التأسيسية التي قادت عملية صياغة الدستور التونسي الثاني و التعديلات التي أدخلت عليه. و بين أنه على عكس ما ادعاه بتسرع بعض الدارسين الأجانب، فإن الدستور التونسي لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال بمثابة تقليد لبعض الدساتير الأجنبية، بل هو نتاج لنقاشات معمقة راعت أساسا الخصوصيات التونسية و كانت دارت طيلة ثلاث سنوات داخل المجلس التأسيسي ما بين 25 مارس 1956 و 1 جوان 1959. ثم تعرض إلى التعديلات الدستورية التي وقعت ما بين 1959 و 1987. و ركز لاحقا على التعديلات الدستورية التي وقعت بعد تحول 7 نوفمبر 1987، و التي أفصح عن أنها تهدف إلى تثبيت علوية الدستور و إلى الإعلاء من دور المشاركة الشعبية في صياغة التوجهات الوطنية الكبرى عن طريق إيجاد الصيغ التي تضمن تعدد الرؤى داخل المجلسين الوطنيين و بواسطة اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي.

في واقع الأمر كانت كل المحاضرات من مستوى أكاديمي عال، و إدارة الأمسية من قبل الأستاذ الصادق شعبان كانت أنيقة تعكس الكثير من الفطنة و من حضور البديهة، و تعليقاته على كل محاضرة كانت منخرطة في سياق روحية تأسيس "نادي حنبعل" المقامة على فكرة محورية مختصرها أن على التونسيين أن يستبطنوا تاريخهم العريق، و أن يكونوا فخورين بأعلام ماضيهم المتميزين، لكن دون شوفينية أو نرجسية، بما يحصنهم من إغراء البحث عن التماهي مع شخوص من خارج محيطهم، و بما يدفعهم للعمل على الاستفادة من مخزون التجارب التي يجرها أولائك الأعلام ورائهم، خصوصا و أن بعضا منهم يعدون شخصيات وفاقية على النطاق العالمي، و أصبحوا يحتسبون من ضمن مكتسبات الرأسمال الرمزي للبلاد التونسية مثل حنبعل أو ابن خلدون.

لقد تأكدت من قيمة التداول الرمزي العالية لاسم حنبعل بمناسبة لقاء جمع بعضا من أعضاء و محبي جمعية الدراسات الدولية مع سعادة سفير اليابان بتونس و معه مجموعة من الأكاديميين الذين يمثلون جامعة طوكيو. و أثناء النقاش طرح عليهم سؤال بديهي : ماذا يعرف اليابانيون عن تونس ؟ لقد كانت الإجابة تقريبا جماعية، سريعة و دون ترجرج : حنبعل. إن انتقاء حنبعل كشخصية سحيقة في التاريخ و من موطن يبعد 10000 كلم عن اليابان لتدرس في المعاهد و الجامعات ليس أمرا بريئا.

فاليابانيون شعب يقطن أكثر من 3000 جزيرة جبلية متعرضة إلى تطرفات بيئية مهلكة، من زلازل و براكين و تسونامي، و يشكو من ضآلة حجم المجال المتاح للاستقرار البشري، و يخلو باطن أرضه من الموارد القابلة للتصنيع، لكنه شعب فخور بنفسه استطاع تجاوز عناصر ضعفه بالتماسك الثقافي و الاجتماعي، و لكن أيضا بمغالبة الطبيعة بوسائل علمية و متطورة تكنولوجيا منبعها الجامعات المحلية، بحيث تدريجيا توصل إلى غزو العالم اقتصاديا. و نجح في ذلك لأنه شعب براغماتي تأقلم بسرعة مع المتغيرات العالمية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، و تخلى عن طموحاته العسكرية، ليركز على النصر الاقتصادي، لكن مع ذلك ليبلغ مرماه استعمل فاعلوه الاقتصاديون "التكتيكات العسكرية" على رأسها خطة حنبعل في معركة ترازيمان سنة 217 قبل الميلاد التي حقق فيها نصرا كاسحا على الرومان، و التي تقوم على معرفة عناصر قوة الخصم و استعمالها ضده، و القيادة الرشيدة الكاريسمية، و حماسة الفاعلين على الأرض للنصر، و اختيار مكان و توقيت المعركة. إن استبطان مقتضيات معركة ترازيمان أصبح جينيا لدى الشعب الياباني، و هذا ما يفسر إعجابهم الشديد بحنبعل الملهم.

صحيح أني تمنيت أن يكون اليابانيون أقل براغماتية، بحيث يدرسون إلى جانب حنبعل ابن خلدون أحد عباقرة الإنسانية قاطبة، إن لم يكن في معاهدهم على الأقل في جامعتهم، هذه إرادتهم و نحن نحترمها. لكن علينا نحن التونسيون أن نستثمر في العمق ثراء تجارب و حصافة أفكار أعلامنا، و نستفيد أيضا مما استفاده غيرنا منهم، دون أن نغمض أعيننا عن التفطن لبعض من أخطائهم كي لا نكررها، فحنبعل على عبقريته انهزم، لما خانته الظروف، في معركة زاما سنة 201 قبل الميلاد.

علي بوعزيز
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية – موقع الدراسات الخلدونية

تهيؤ للطباعة أرسل هذا الخبر إلى صديق
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص إدارة الموقع




شروط الخدمة
Google here