مرحبا!    اشترك الآن    تسجيل الدخول        
ابن خلدون
الصفحة الرئيسية


Bookmarks

Delicious Viadeo Digg Blogmarks Scoopeo Yoolink Mister-Wong Furl Newsvine Reddit Facebook Stumbleupon Simpy Technorati Twitter Yahoo! Google

Cinquantenaire de l’Université Tunisienne


حول فلسفة الاحتفائيات الأكاديمية

بقلم: علي بوعزيز
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية




في المعجم الاحتفائي الأكاديمي الغربي تم ابتداع عدة مصطلحات للتدليل على مناسبات مختلفة يتم فيها إحياء ذكرى أساتذة متميزين غادروا العمل الجامعي بحكم التقاعد أو الوفاة، نذكر منها :COMMEMORATION, TABULA GRATULATORIA, JUBILE, LES MELANGES, IN MEMORUM, HOMMAGE . و في العالم العربي، بحكم الحداثة النسبية للأعراف الأكاديمية، فإن هذه المناسبات لم تترسخ مكانتها بعد، و ما يزال ينظر لها بنوع من اللامبالاة التي تعكس هزال تقاليد الاعتراف بالجميل، و تضخم النرجسيات التي تعمل على خلق الفراغ حولها، و طغيان الممارسات العشائرية التي تقوم على استبعاد كل من هو مولّد خارج رحم عصبية المصالح الآنية.

الاحتفاء ليس بريئا. هو موقف واع يتخذه الشخص بحسب موقفه من المحتفي به لما ينخرط في العملية. هو قبل كل شيء إشهار لموقف من المحتفي به. أقبل الانسياق في حفلة الاحتفاء لأن المحتفى به قريب مني في مكان ما، يزيدني شرفا أن أتحدث عنه بما يليق بالمقام، أقدر على تجاوز مآخذي عليه، إن كانت لي عليه مآخذ، أقدر على قول قول حسن دون أن أنتظر من المحتفي به جزاء لأنه في أغلب الأحيان يكون قد توفي أو في عمر فقد فيه الجاه الذي كان له سابقا. كما أن ذلك يعني أيضا استجلاب قبس من وهج المحتفي به، و إثبات لقيمة الوفاء داخل جماعة الأوفياء، و استدعاء لأن يكون المحتفي محتفى به لاحقا، و إبراز للقدرة على إخفاء جانب النرجسية التي تدعو إلى الهيمنة على اللحاف الرمزي و التدرع به حصرا، و يعني أيضا التموقع داخل حلقة ضيقة منتقاة من المحتفى بهم و المحتفين، و التموقع داخل الحلقات الرأسية أفضل دائما من التواجد داخل الحلقات القاعدية الواسعة هلامية الشكل.

في الاحتفاء الحميمي يقع تجاوز اللهفة النقدية. مؤقتا تهجر جانبا أدوات القول التعييري. يترك الإنسان خواطره تتحرك علي سجيتها في عفوية محسوبة. في الأمر جانب مفيد للمحتفي، ففي العملية نوع من التطهير الذاتي Catharsis لتعرف نفسك، لتحدد كوابحك الواعية و قد تكون اللاواعية. تتبين قدرتك على أن تكون ودودا، عذبا، لذيذ المنطق. و لن تنجح العملية إذا اتسمت بالمبالغة، و التملق الفج و المجاملات الفضوحة التي تحقر على السواء صاحبها و من هي موجهة إليه، و يمجها من يقرأها أو يسمعها. هي ممارسة ضرورية على الأكاديمي أن يقبل عليها من حين للآخر، ليرى وقع كلام محبوب مقارنة بكلام صدامي جدالي. فمن الجامعيين من هم معروفون بفظاظتهم عند مناقشة أقوال الآخرين، و بتحقيرهم لما يكتبونه، اعتقادا منهم عن خطأ مبين أن البحث عن الدابة الصغيرة لدي الآخرين يجعل منهم فرسانا يركبون أفضل الخيول. و هؤلاء لا يرجي منهم قولا حسنا لأن معادلتهم الشخصية تمنعهم من ذلك. نريد أن نمنح الفرصة للأكاديميين أن يقولوا قولا حسنا في أقرانهم، ليعرفوا متعة تجاوز الصغائر. فقليلا من الخطاب الملائكي السخي أفضل بكثير من كآبة و سفاهة السجالية التي تتحول دائما إلى عدوانية قبيحة تعري الوجه الحقيقي لصاحبها الذي يستطيع حرق روما قائلا :" ليغمرها الطوفان عندما أكون فوق الربوة ". و الأكاديمي في ميادين العلوم الإنسانية و الاجتماعية عادة ما يكون تشاؤميا بحكم اشتغاله على وقائع إشكالية فيها الكثير من العنف المادي و الرمزي و التي تلبسه ليلا نهارا، و يلحظ تناقضا ما بين ما ينشده عن حق و ما هو محقق بالفعل. هذه الاحتفائيات هي فرصة للهدنة، هي أشهر حرم، بنهايتها لترجع الأمور على مثل ما كانت عليه، لكن بعد أن وقع تجريب ما لم يجرب، و من جرب لا بد و أنه أفاد و استفاد.

الاعتراف بالجميل هو موروث من موروثات ثقافة العمران و الحضارة، ثقافة الديمومة التي يضمنها الاستقرار، ثقافة العلاقات السلمية مع الآخرين، ثقافة القول اللطيف المنتقي عند أي مناسبة اجتماعية بما يناسبها من تحية أو قول. هي ثقافة التواصل مع الأب المورّث لا قتله من أجل اغتنام نساء العشيرة في مجتمعات الكهوف البدائية. ليس المطلوب الانسياق وراء ثقافة التقمص الهندية و أن يتحول التلميذ أو النظير إلى منسوخ، بل المطلوب أن يقع تجهيز العلاقات الإنسانية بمنسوب من التعالي عن الضغائن، و أن يقع تمتين الروابط بخيط ألفوي أصيل، و أن يخرج بعضهم من غربته، حيث هو منبت شريد لا تدري له أصلا معرفيا أو فروعا تسنده، بعضهم يعيش حالة من التوحد Autisme الأكاديمي، إنك لا تستطيع أن تموضعه داخل برج عاجي لا يستحقه، إذ هو في قفص حديدي ارتضاه لنفسه في نوع من ردة الفعل الاحترازي : لا تشاركوني و لا أشارككم، أتركوني و شأني، أنا أفضلكم، لكن كل من يقول هذا القول يريد أن يعلي من شأنه ظاهريا، إلا أنه في الواقع و لا شعوريا يكره نفسه، إن لديه مشكلة.

و الاحتفاء بأشخاص لا تنتظر منهم منفعة أو شكورا متعة في حد ذاتها. صحيح أن المواضعة العلمية تقتضي الحياد و تستدعي النقد و تروم التجاوز إلا أن الاحتفاء الحميمي فيه متعة رد الجميل، فعن بعض أساتذتنا، لا كلهم، أخذنا فكرة، أو موقفا، أو تمش بقي فينا، أثر في فكرنا أو تصرفاتنا جعلنا قريبين منهم في لحظة، فمن الواجب أن نرد الجميل. و في انتقاء المحتفي بهم موقف يحسب لهم بصفة مباشرة، فهو دليل على أنهم، و إن لم ينجبوا مدرسة متاكملة، إلا أنهم تركوا أثرا معرفيا و هذا مما لا شك فيه، لكنهم أيضا، دون سعي منهم، توصلوا إلى استنهاض ناد للمحبين لما متنوا داخل محيطهم الأكاديمي علاقات زمالة محمودة. فأن تكون أستاذا يعني أن تكون عالما، و كذلك أن تتصف بصفات إنسانية تمكنك من بناء علاقات جيدة مع الآخرين. و في هذا الصدد يأتي انخراطنا في سياق إحياء اليوبيل الذهبي ذكري خمسينية الجامعة التونسية بواسطة الاحتفاء بآبائها المؤسسين Les pères fondateurs و بالجيل الذي أتى من بعدهم و وصل إلى مرحلة التقاعد أو شارف عليها، الذين، بألمعيته المعهودة، يسميهم الأستاذ لطفي عيسى Les pairs fondateurs.

و نحن في موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية- موقع الدراسات الآكاديمية، لما طرحت علينا فكرة المساهمة في إحياء ذكرى خمسينية الجامعة التونسية (1958-2008) تلقفنا الفكرة بكل سرور، و بكل تلقائية قررنا المساهمة بما نقدر عليه من إمكانيات. و في هذا الجهد نحن نشترك مع كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية أعرق الكليات التونسية، و التي احتكرت لوحدها لمدة طويلة تسمية الجامعة التونسية و نشط للمسألة عميدها الأستاذ حميد بن عزيزة و معه مجموعة من خيرة الأساتذة الجامعيين التونسيين، و جريدة الصحافة التي تعد جريدة المثقفين و الجامعيين و يديرها و في نفس الوقت يرأس تحريرها الصحافي القدير والأستاذ الجامعي عبد الجليل بوقرة.

صدر ب "الضاد" الملحق الثقافي لجريدة "الصحافة" يوم 13 نوفمبر 2008
http://www.essahafa.info.tn/dhad/index.html

Date de création :  9/11/2008 1:04:13  Vues 2352  En parler à un ami  Version imprimable  Version PDF  Jubilé de l'Université Tunisienne 



شروط الخدمة
Google here