مرحبا!    اشترك الآن    تسجيل الدخول        
ابن خلدون
الصفحة الرئيسية


Bookmarks

Delicious Viadeo Digg Blogmarks Scoopeo Yoolink Mister-Wong Furl Newsvine Reddit Facebook Stumbleupon Simpy Technorati Twitter Yahoo! Google

المدونة - المستجدات

الأقسام
جمعيات صديقة (2)
خواطر (3)


المستجدات
2010/03/01
القسم: خواطر : 

الكاتب: admin (8:07 pm)
ما يوحد منطقة المغرب العربي على مستوى المحددات الكبرى هو التواصل الجغرافي و تشابه المكونات الطبيعية، علاوة على التاريخ في عمقه منذ الاحتلال الروماني و الفتح العربي و انتشار الإسلام و هيمنة المذهب المالكي، و التمازج العرقي العربي الأمازيغي. أما على نطاق المحددات الصغرى بالمعنى الأنتروبولوجي فيمكن تعداد الأمثلة، بدء بالتأثير الهلالي في البوادي و الأرياف من حيث الأشعار البدوية و الأنفة و نبذ التملق ، إلى الـتأثير الأندلسي و الموريسكي في العالم الحضري الذي يعكسه التقارب في المعمار التقليدي و تشابه الزخارف الجصية و غناء المالوف الذي أخذ شكلا خاصا في كل بلد ، إلى اللهجات المتقاربة خصوصا في المناطق الحدودية، إلى قافلة الحج التي كانت سنويا تخترق الفضاء المغاربي و تترافق معها بعض السلع الإفريقية و بعض المتطببين، إلى دور جامع الزيتونة بتونس و جامع القرويين بفاس في تثبيت خصوصية اعتقادية مغاربية، إلى ابن خلدون الذي جاب المنطقة شرقا غربا دون أن يحس بأدنى غربة و اندمج في كل أوساطها الحضرية و البدوية، إلى تنقلات القبائل طولا و عرضا و التي كانت في عديد الأحيان تننسب جذورها إلى غير المنطقة المنتجعة فوقها تقليديا، إلى امتدادات الزوايا و الطرق الصوفية من عيساوية و رحمانية و قادرية و تيجانية، إلى تجار تونسيين من أهل جربة بالجزائر و تجار من أهل المزاب و ورقلة بتونس، إلى الكسكسى الغذاء الوطنى بكامل المنطقة و الشاي الطرابلسي و الشاي المغربي، إلى ارتداء البرنس و القشابية و الجبة و الشاشية...

و هذه العلامات الفارقة خلقت خصوصية مغاربية أحس بها على حد السواء أهل المنطقة و المشارقة الذين كانوا دون تفرقة يسمونهم المغاربة منذ العصور الوسطى، و نجد ذلك واضحا في كتب ابن خلدون الذي كان هو بنفسه له إحساس بمغاربيته، فطيلة الفترة التي قضاها بمصر و التي قاربت ربع قرن لم يتخل عن زيه التونسي، بما كان يثير حفيظة أقرانه من علماء و قضاة. و اختلاف تفطن له أيضا الأوروبيون منذ بداية العصور الحديثة، حين كانوا يطلقون على سكان المنطقة تسمية الشعوب البربارية التي كانت تمارس القرصنة ضد الأوروبيين و تتعرض بدورها إلى غزواتهم القرصانية.
أما الغزو العثماني، و إن لم يشمل إلا الجزائر و ليبيا و تونس فقط، إلا أن المغرب الأقصى تأثر بالنظم العثمانية. و لكن إن حمى العثمانيون المنطقة من السقوط لمدة طويلة تحت السيطرة الإسبانية التي اتسمت بشراستها أثناء القرن السادس عشر، إلا أنهم لم يستطيعوا منع المنافسات و الحروب ما بين أوجاق الإيالات الثلاث و ما بين وجق الجزائر و المخزن المغربي.

بداية من سنة 1814 على إثر انتهاء الحروب النابليونية شرعت البلدان الأوروبية التي انخرطت في سياق الثورة الصناعية في ممارسة سياسة المدفعية و فرض المعاهدات اللامتكافئة على بلدان المنطقة من أجل إنهاء القرصنة و تحرير العبيد البيض في مرحلة أولى، و في مرحلة ثانية فرض شروط تجارية مجحفة تفتح أسواق المنطقة على مصراعيها أمام منتجات الصناعة الحديثة، و تهيئ لاحقا للتوسع الاستعماري الذي بدأ بالجزائر، فتونس، ثم موريطانيا، فليبيا، فالمغرب. و في كل اعتداء استعماري أظهر سكان المنطقة انفتاحا على الدولة المعتدى عليها و مساندة لها. ألم تتقبل تونس آلاف الجزائريين بعد 1830، برز من أبنائهم لاحقا عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الحر الدستوري التونسي و حسن قلاتي و أحمد توفيق المدني الذي مثل بعد إبعاده إلى الجزائر عنصر تواصل ما بين الحركتين الوطنيتين التونسية و الجزائرية. ألم يستخف الجزائريون و التونسيون على حد السواء من إدعاء فرنسا أنها احتلت تونس سنة 1881 لأجل حماية القبائل الجزائرية من اعتداءات القبائل التونسية. ألم تكن ليبيا ملجأ لعلي بن خليفة النفاتي قائد المقاومة المسلحة التونسية إثر هزيمتها سنة 1881 أمام الجيوش الفرنسية الغازية، و في المقابل ألم يشارك آلاف التونسيين في صد الغزو الإيطالي لليبيا سنة 1911...

فكرة وحدة المغرب العربي انطلقت جنينية سنة 1915 في بدايات الحرب العالمية الأولى لما تم تأسيس "اللجنة التونسية الجزائرية" في سويسرا على أيدي محمد باش حانبه و ثلة من الشبان الجزائريين (لم تضم مغاربة و ليبين لأنه لم تبرز بعد قيادات وطنية في الخارج بالنسبة للبلدين بحكم حداثة تعرضهما للاستعمار آنذاك)، و أصدروا سنة 1916 مجلة "المغرب العربي" التي اشتهرت بمقالاتها اللاذعة ضد الاستعمار الفرنسي. و ما بين سنتي 1915 و 1916 اندلعت ثورة منسقة في الجنوب التونسي ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة الحاج سعيد الدبابي، تردفها ثورة بالشمال الغربي الليبي بقيادة خليفة بن عسكر النالوتي ضد الاستعمار الإيطالي. و في سنة 1917 كون التونسيان الشيخ صالح الشريف و الشيخ إسماعيل الصفايحي بلوزان بسويسرا " لجنة استقلال تونس و الجزائر " و نشرا الكتيب الشهير " تشكيات شعوب مضطهدة : تونس و الجزائر". و في يوم 2 جانفي 1919 أرسل قادة "الحزب التونسي" الذي سينبثق عنه "الحزب الحر الدستوري التونسي" مذكرة إلى الرئيس ولسن قبيل افتتاح أشغال مؤتمر الصلح باسم الشعبين التونسي و الجزائري لمطالبته بإرسال ممثلين عن الشعبين لحضور المؤتمر.

في بداية العشرينات ما بين 1921 و 1926 طغت مغاربيا مسألة حرب الريف التي قادها عبد الكريم الخطابي ضد السيطرة الاسبانية على شمال المغرب و وجدت تعاطفا كبيرا لدى كافة سكان المنطقة. و في سنة 1926 أسس الجزائري مصالي الحاج "حزب نجم شمال إفريقيا" الذي ضم في بداية تأسيسه بعض التونسيين، و في سنة 1927 أسست بباريس جمعية الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا و جمعت طلبة من تونس و الجزائر و المغرب. و في سنة 1931 تأثر كل المغاربيين لإعدام السلطات الفاشية لشيخ المجاهدين عمر المختار. في نوفمبر من سنة 1937 نظم الحزب الحر الدستوري الجديد الذي مسك بزعامته الحبيب بورقيبة إضرابا سياسيا للتضامن مع شعوب المغرب العربي دشن لمرحلة من التصادم مع السلط الفرنسية ستبلغ ذروتها يوم 9 أفريل 1938. و إثر تأسيس الجامعة العربية سنة 1945 أنشأ بالقاهرة سنة 1947 مكتب المغرب العربي تحت قيادة عبد الكريم الخطابي، و التحقت به عديد القيادات المغاربية مثل الحبيب بورقيبة و علال الفاسي و محمد خيضر، و هناك تم البحث في سبل تنسيق الجهود لمقاومة الاحتلال الفرنسي.

استقلت ليبيا سنة 1951 و في سنة 1956 استقل المغرب و تونس و بقيت فرنسا متشبثة بالجزائر التي كانت انطلقت بها حرب التحرير في غرة نوفمبر من سنة 1954 تحت قيادة جبهة التحرير الوطني. و لقيت الجبهة مساندة من كل من ليبيا و تونس التي عبرها كان يمر السلاح القادم من مصر الناصرية، و مساندة من قبل المغرب و تونس التي مثلت مناطقها الحدودية مع الجزائر مناطق لتنظيم العمليات العسكرية ضد الجيش الفرنسي و لمداواة المحاربين و استراحتهم. و يوم 22 أكتوبر 1956 قامت فرنسا بعملية قرصنة جوية على الطائرة القادمة من المغرب في اتجاه تونس حاملة بعضا من قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائري. و بسبب إصرارها على مساندة القضية الجزائرية تحملت تونس تبعا لذلك عدوانا فرنسيا غاشما على قرية سيدي يوسف يوم 8 فيفري 1958 نجم عنه مقتل 68 مواطن تونسي. في نهاية أفريل من سنة 1958 انعقد في مدينة طنجة المغربية "مؤتمر الوحدة" الذي جمع مندوبين عن "الحزب الحر الدستوري التونسي" هم الباهي الأدغم و الطيب المهيري و أحمد التليلي و علي البلهوان و الطاهر بلخوجة. و عن "حزب الاستقلال" قبل انقسامه حضر علال الفاسي و أحمد بلافريج و المهدي بن بركة و مثل الجزائر كل من فرحات عباس و عبد الحميد المهري و أحمد بومنجل و عبد الحفيظ بوصوف، و فيه تم إحياء فكرة توحيد بلدان المغرب العربي في إطار فدرالي.

ثم استقلت موريطانيا سنة 1960 و الجزائر سنة 1962 و انخرطت كل دولة من الدول الخمس في سياقات تثبيت أسس سيادتها الوطنية، و في هذا الإطار اندلعت بينها خلافات حدودية موروثة عن الفترة الاستعمارية أخطرها "حرب الرمال" ما بين المغرب و الجزائر في أكتوبر 1963 التي أفترت نوعا ما الحماسة لفكرة تأسيس كيان مغاربي، لكن ذلك لم يمنع من انعقاد 6 لقاءات لوزراء المالية لتونس و المغرب و الجزائر ما بين سنة 1964 و سنة 1970، و استحدثت لجنة استشارية مغاربية لوضع التصورات الممكنة لتحرير المبادلات التجارية البينية. سنة 1974 فشلت الوحدة الاندماجية التونسية الليبية. و في سنة 1975 استجدت مشكلة الصحراء الغربية التي سممت العلاقات المغربية الجزائرية، و برزت لفترة ظاهرة انقسام المنطقة إلى محورين على إيقاع محوري الحرب الباردة : محور الدول ذات الطابع الاشتراكي الراديكالية (الجزائر و ليبيا) و الدول ذات الطابع الرأسمالي المعتدلة (تونس و المغرب)، و هو انقسام و إن لم يؤد إلى قطيعة تامة ما بين البلدان إلا أنه تسبب في حدوث توترات متقطعة بينها.

عشرية الثمانينات كانت عشرية المراجعة للعلاقات المغاربية، بحيث حدث سنة 1984 تباعد تونسي ليبي جديد و تقارب ليبي مغربي ما بين 1984 و 1986 في نطاق ما سمي ب"الاتحاد العربي الإفريقي"، و في نفس الوقت حدث تقارب جزائري تونسي عكسته عديد المشاريع الحدودية. في سنة 1987 يوم 2 ماي أعيد إنعاش العلاقات المغربية الجزائرية بلقاء الحدود ما بين الرئيس الشاذلي بن جديد و الملك الحسن الثاني، و بعد تحول السابع من نوفمبر تم إذابة الجليد في العلاقات التونسية الليبية، بما هيأ الفرصة لعقد "قمة زيرالدا" بالجزائر يوم 12 جويلية 1988، و لعقد "اتفاقية مراكش" يوم 17 فيفري 1989، الاتفاقية المؤسسة "لاتحاد المغرب العربي" و التي تضمنت إنشاء مجلس الرئاسة، و مجلس الشورى، والهيئة القضائية، و لجنة المتابعة، و مجلس وزراء الخارجية، و الأمانة العامة، و مجموعة من اللجان مثل لجنة الأمن الغذائي و لجنة الاقتصاد والمالية ، و لجنة البنية الأساسية، و لجنة الموارد البشرية، و المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية، و الجامعة المغاربية.

من أهداف اتحاد المغرب العربي على المستوى الاقتصادي تعميق آليات التعاون الاقتصادي، وتنمية المبادلات التجارية البينية، و العمل على حرية تنقل الأشخاص والخدمات ورؤوس الأموال و تنسيق السياسات التصنيعية، و توحيد السياسات الجمركية، و التشاور حول عمليات التفاوض مع الاتحاد الأوروبي. و على المستوى السياسي تمتين أواصر الأخوة ما بين الدول الأعضاء و بين شعوبها، و صيانة السلام ما بين الدول القائم على العدل و الإنصاف، و حماية استقلال كل دولة، و إقامة تعاون دبلوماسي وثيق بينها على أساس الحوار.

تدريجيا تم تركيز بعض مؤسسات الاتحاد : الأمانة العامة مقرها الرباط و يرأسها الحبيب بن يحي وزير الخارجية التونسية السابق، و مجلس الشوري مقدره مدينة الجزائر و يرأسه الجزائري الأستاذ سعيد مقدم، الهيئة القضائية ومقرها بنواكشوط في موريتانيا، الجامعة المغاربية و مقرها طرابلس، و المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية مقره تونس و يعمل حاليا على تأسيسه. و ما بين 23 جويلية 1990 و 2 أفريل 1994 تم عقد 36 اتفاقية في عديد القطاعات، و منذ ذلك التاريخ لم تعقد اتفاقيات جديدة. و ما اتفق عليها لم تدخل حيز التطبيق إلا 6 منها، أولها تتعلق بإنشاء المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية بين دول اتحاد المغرب العربي، ثم اتفاقية تبادل المنتجات الفلاحية، و اتفاقية تشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتحاد ، و اتفاقية النقل البري للمسافرين والبضائع والعبور بين دول الاتحاد، و اتفاقية الحجر الزراعي، و أخيرا اتفاقية تفادي الازدواج الضريبي وإرساء قواعد التعاون المتبادل في ميدان الضرائب على الدخل. على مستوى القمم لم تعقد إلا قمة وحيدة عام 1994 بالعاصمة التونسية. لكن عقدت عديد مجالس وزراء الخارجية و اللجان الوزارية المتخصصة و مجالسها القطاعية.

النتائج المحققة هزيلة نوعا ما. لذلك من المطلوب على المستوى الاقتصادي تحويل الاتحاد المغاربي إلى قطب اقتصادي متمحور على ذاته دينامكيته محلية، فبغيابه يخسر سنويا كل بلد نقطتين في نسبة نمو ناتجه الوطني الخام. و ضمان انسيابية الحدود التي تمثل أنجع وسيلة لمقاومة التهريب. و إرساء مبدأ التعامل التجاري التفاضلي ما بين البلدان الخمسة، و خلق آليات لمراقبة مدي تطبيقه بما يعظم التجارة البينية التي رغم نموها إلا أنه يبقى دون المأمول حيث تقدر قيمتها ب 4 % فقط، مقابل 25 % لأسيان و 50 % للاتحاد الأوروبي. و تفكيك كل الحواجز الجمركية من أجل خلق سوق موحدة للسلع و الخدمات و صولا إلى توحيد العملة. و تشبيك الجهود عند عرض المناقصات الدولية المعروضة لشراء السلع الحيوية كالحبوب أو الأدوية. و تنسيق السياسات الصناعية خصوصا في المشاريع الكبرى تفاديا للمزاحمة التي قد تضر بكل الأطراف. و العمل على صعود عالية الإنتاج الصناعي في نطاق مشاريع شراكة محلية و أو شراكة مع الرأسمال الأجنبي الذي يرغب في استثمار مزايا سوق تعد أكثر من 80 مليون مستهلك. و تأهيل المشاريع الصناعية القائمة بما يخول لها مجابهة المنافسة العالمية. و الإسراع بتفعيل المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية. و تسريع خطوات إنجاز المشاريع البينية الكبرى خصوصا الطريق المغاربية طرابلس – نواق الشط . و تحقيق الربط الكهربائي ما بين البلدان الخمسة. و مساندة تحركات المستثمرين داخل الفضاء المغاربي، و الوصول في النهاية إلى تحقيق اندماج اقتصادي فعال يحصن إقتصاديات بلدان المنطقة من أخطار العولمة الزاحفة، و يمكنها من تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية الحالية إن طال زمان انقشاعها...

على المستوى المؤسسي و السياسي من المنطقي تفعيل أدوار كل المؤسسات القائمة من الأمانة العامة التي رغم المجهودات الكبيرة التي تقوم بها إلا أن القرار السياسي المؤثر في تحركاتها لم يمنحها بعد الوسائل الكفيلة بتثمير دورها. و انتخاب أعضاء مجلس الشوري، و تفعيل مهام الهيئة القضائية، و تنشيط الجامعة المغاربية. علاوة على ذلك يتم إدخال الاتفاقيات الثلاثين الممضاة و غير المطبقة إلى حيز التطبيق، و الرجوع إلى دينامكية تأسيس اتفاقيات جديدة حيث أن آخر اتفاقية تم إمضائها تعود إلى سنة 1994 بتنشيط أدوار اللجان المختصة بما يتلاءم مع المتغيرات العالمية مثل ظهور منظمة التجارة العالمية سنة 1995، و توسع الاتحاد الأوروبي إلى 27 دولة، و دخول اتفاقيات الشراكة التي أمضتها معه منفردة الدول المغاربية مرحلة التطبيق، و تزايد ثولثة الاقتصاد العالمي، و نمو حصة الاقتصاد اللا مرئي داخله. و مزيد تنسيق السياسات الخارجية تجاه القضايا العربية و الإفريقية و العالمية لكسب موقع مؤثر في العلاقات الدولية. و العمل على إيجاد حل نهائي لقضية الصحراء الغربية التي تفاعلت مع غيرها من المسببات في تجميد سير الاتحاد المغاربي. و إخراج اتحاد المغرب العربي من تجاذبات السياسات السياسوية المحلية. و الفصل ما بين المسار السياسي و بقية المسارات، فالخلافات السياسية القائمة ما بين بلدان الاتحاد الأوروبي خصوصا فيما يرتبط بالسياسات الخارجية لم تمنع من تفعيل كل الاتفاقيات الاقتصادية و الثقافية و التعليمية. و العمل دائما على توجيه الإشارات الإيجابية و المطمئنة فيما يخص أنساق التسلح. و الامتناع عن غلق الحدود لضرره على كل الأطراف، و الاقتناع بأن أي مكسب يحققه بلد هو مكسب للجميع...

و من ناحية أدوار المجتمع المدني من المثمر جدا مؤازرة تحركاته لما لها من دور في تعميق أواصر الألفة و المحبة ما بين شعوب المنطقة من مهرجانات بمختلف أصنافها، و ملتقيات علمية، و زيارات شبابية، و توأمات ما بين البلديات و الجامعات، و فعاليات رياضة، و جمعيات غير حكومية. و إسناد القنوات الإذاعية و التلفزيونية ذات الحس المغاربي. و كذلك تهدئة الخطاب الرسمي و شبه الرسمي و اللا رسمي على القنوات التلفزيونية و الصحف و مواقع الواب التي تحتوى الكثير من المسبقات الفجة و الخطاب التحريضي و تمجيد الفرقة و الخلاف... و مساندة تحركات الجمعيات المغاربية للمهاجرين بأوروبا الذين يسميهم البعض بالعضو السادس في الاتحاد المغاربي، و اعتبار ذلك بمثابة استثمار على المستقبل بالنظر إلى إمكانية تعرضهم إلى أعمال غير مريحة في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية.

و من المشروع هنا طرح تساؤل عن علاقات الخارج باتحاد المغرب العربي ؟ في الواقع تأسس الاتحاد المغاربي في نفس سنة سقوط جدار برلين سنة 1989 الذي آذن بانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 و انتهاء نظام القطبية الثنائية و انخراط كل بلدان العالم تقريبا في منطق السوق و الانفتاح على العولمة الاقتصادية بضغط كبير من قبل الولايات المتحدة التي تصورت أنها ستكون الرابح الأكبر من انتصار الليبرالية على الاشتراكية. و في الواقع إن انتفاء التناقض الإيديولوجي ما بين بلدان المنطقة سهل عليها تفعيل آليات اشتغال الاتحاد إلى حدود سنة 1994، و لكن منذ ذلك التاريخ تباطأ نسق الفعل الاندماجي لا بفعل عوامل خارجية فقط، بل أيضا بحكم عوامل داخلية أهمها الخلاف الجزائري المغربي و إحساس ليبيا بأنها لم تساند بما فيه الكفاية من بعض بلدان الاتحاد أثناء قضية لوكربي.

و في الحقيقة تأرجحت مواقف الأطراف الخارجية من الاتحاد المغربي بحسب تأرحج توجهات حكومات بلدانها، بحيث لا يمكن استشفاف سياسة ثابتة و دائمة. فالولايات المتحدة لم تتحمس لتأسيس الاتحاد المغاربي بمثل تحمسها لتأسيس مجلس التعاون الخليجي سنة 1981، لكنها لم تضغط لعرقلته و تجميده. كانت تكتفي بدور المراقب الحذر. لقد عملت مدة على عزل النظام الليبي إلى حد تاريخ المصالحة الليبية الغربية التي نجم عنها تفكيك البرنامج النووي الليبي و تسوية قضية لوكربي. كما أنها تسعى دائما لمراقبة عملية إيجاد حل للصحراء الغربية، لكن اختلفت سياساتها في الغرض من إدارة لأخرى دون أن تظهر ميلا واضحا لأحد من طرفي النزاع.

أما الاتحاد الأوروبي فيبدو أكثر حماسا لاتحاد المغرب العربي نظرا للعوامل الآتية : وجود جالية مغاربية قوية ببعض بلدانه خصوصا فرنسا و بلجيكيا و هولندا و إيطاليا ليس من مصلحته أن تنقل إليها الخلافات ما بين بلدان المنطقة. كما أن مساندة مجهود التنمية في البلدان مجمعة يمكن أن يقلص من ظاهرة البطالة المتفشية بما يقلص الضغط على عمليات الهجرة السرية نحو بلدانه. علاوة على أن مقاومة تهريب المخدرات و متابعة تحركات المجموعات المتطرفة يكون أنجع داخل منظومة جماعية أكثر منه بواسطة عمليات ثنائية ضعيفة التنسيق مع بقية الدول. عطفا على أن اندماج المنطقة اقتصاديا يمكن مؤسساته من التعامل معها كسوق موحدة ذات طاقات استهلاكية واسعة و تتميز بقربها الجغرافي منه. لكن في المقابل تسعى بلدان الاتحاد الأوروبي إلى شق صفوف البلدان المغاربية بواسطة عقد اتفاقيات شراكة مع كل بلد على حده في نطاق صيغ "الوضع المتقدم". و في الواقع مهما كانت التوجهات الخارجية إزاء اتحاد المغربي متنوعة و مؤثرة، إلا أن قرار تفعيله يبقى بالأساس بيد الساسة المغاربيين.

صحيح أن المغاربيين بعيدون عموما عن منطق المجاملة و اللغة المنمقة، و اجتماعاتهم خلافية في كثير من الأحيان منذ إحداث لجنة المغرب العربي سنة 1915، لكنها اجتماعات تنتهي دائما بالتفاهم أقله على الأساسيات. و المطلوب الآن تحديد الأساسيات التي تخص اتحاد المغرب العربي و استغلال ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية من أجل تفعيل كامل مؤسساته. فالأطراف الخارجية التي يمكن أن تعرقل مساره غارقة الآن في مشاكلها الداخلية، و هناك إحساس قوى من طرف الفاعلين الاقتصاديين على الأرض بأن أحد سبل مواجهة الأزمة يكون أنجع داخل إطار مغاربي منه بواسطة حلول منفردة أسوة بما تقوم به بلدان الاتحاد الأوروبي. الأساسي أن تتوفر الإرادة السياسية للقيام بذلك. ألم يتم سنة 1970 ضبط مسار الحدود المغربية الجزائرية في منطقة الجنوب، و تخلي المغرب عن منطقة تندوف لفائدة الجزائر. ألم تحل سنة 1982 عن طريق محكمة العدل بلاهاي قضية الجرف القاري الغني بالنفط ما بين تونس و ليبيا، وقبلت تونس بحكمها رغم إحساسها بالمرارة لأن هذا الموقف اسلم للعلاقات ما بين البلدين و أقل كلفة من التصادم. ألم يتأسس اتحاد المغرب العربي سنة 1989 رغم أن قضية الصحراء الغربية قائمة آنذاك. و في الأخير إذا كانت القناعة بفاعلية و جدوى الاتحاد المغاربي محدودة عند البعض، فما هو العذر في ضعف تطوير مشاريع الشراكة الثنائية أو الثلاثية ؟

علي بوعزيز
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية - موقع الدراسات الخلدونية
اقرأ مقالات admin | التعليقات (0) | عدد مرات القراءة (29)
2009/09/16
القسم: خواطر : 

الكاتب: admin (8:28 am)
توفي الرشيد إدريس يوم السبت 5 سبتمبر 2009 عن سن تناهز 93 سنة، فتدفقت حوله عشرات الكتابات الصحفية التي تنعى وفاته و تبرز خصاله، و أبرزت إجماعا حول قامته الوطنية التي لا مجال للتشكيك فيها، فأعطت للمرحوم حقه. أخصامه السياسيين، و إن لم يكونوا كثرا، اندثروا بفعل الوفاة، بحيث من كتب عنه منطلقا من مخالطته له من قريب أو بعيد، كتب عنه بود كبير، و في ذلك إقرار بأن للرجل سحرا و جاذبية فريدتين، لقد كان يتمتع بكاريسمية خاصة. عما كتب، ماذا إذن يمكن أن نضيف ؟ سأحاول الإجابة عن تفسير لهذه الهالة التي كان يتمتع بها، و ستكون إجابة حميمية نابعة من إحساس حقيقي بمحكم مخالطتي إياه هذه السنين الأخيرة في جمعية الدراسات الدولية و أيضا لأن المقام يفرض ذلك، و في نفس الوقت إجابة تلتمس الحياد و الموضوعية، بعيدا عن التمجيد العكاظي الفض الذي زال عصره. هي ارتسامات أولية، لأن التمحيص الدقيق يتطلب إطلاعا كاملا على مدونة المرحوم، و أقر بأني اطلعت على جانب منها لا على كلها، فذلك يتطلب جهدا بحثيا دقيقا غير متاح لي حاليا، فضلا عن أنه يتطلب مخالطة تمتد على الأقل على جيل كامل، و هذا بكل أسف لم يتسن لي.

المناضل الوطني الشاب
----------------------

الرشيد إدريس، صادقي انخرط مبكرا في العمل الوطني داخل البيئة الحضرية لمدينة تونس منذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، بالذات يوم 3 ديسمبر 1933 لما حضر اجتماع الجلسة السنوية للشبيبة المدرسية. عندها كان عمره 16 سنة، و منذ ذلك التاريخ لم ينقطع عن الارتباط بالشأن السياسي بصفة أو بأخرى لمدة تقارب 76 سنة. ففي سنة 1934 انخرط في صفوف الحزب الحر الدستوري الجديد الناشئ حديثا. في بداية سنة 1936 أوقف لأول مرة بفعل مشاركته في مظاهرة وطنية طالبت برجوع الزعماء الوطنيين المسجونين في برج البوف بأقصى الجنوب التونسي منذ سبتمبر 1934. إثر أحداث 9 أفريل 1938 سجن لمدة 3 أشهر بالسجن المدني بتونس. ما بين جانفي و جويلية 1941 تولي قيادة الديوان السياسي السابع الذي ضم صلاح الدين بوشوشة و يوسف بن عاشور و حسين التريكي، و عمل على تركيز تنظيم اليد السوداء الذي قام ببعض التحركات العنفية ضد المصالح الاستعمارية. جراء ذلك أوقف للمرة الثالثة، وحكم عليه بخمس سنوات سجنا وعشر سنوات إبعاد عن التراب التونسي، لم يقض منها إلا الفترة ما بين جويلية 1941 و ديسمبر 1942 تاريخ إطلاق سراحه و رفاقه بضغط كبير من المنصف باي على المقيم العام الأميرال إستيفا. تحت تأثير الحبيب ثامر الذي لم يتمكن من قراءة الواقع الدولي قراءة متبصرة بعيدة المدى، تقارب الرشيد إدريس من قوات المحور التي احتلت البلاد ما بين نوفمبر 1942 و ماي 1943، و في تلك الفترة أصدر بمعية حسين التريكي صحيفتي "إفريقيا الفتاة" و"الشباب". و قبل أسبوع من سيطرة قوات الحلفاء على مجريات الأمور بالبلاد يوم 12 ماي 1943 و تنحية المنصف باي، غادر تونس بمعية المجموعة التي مارست شعار "عدو عدوي صدقي" في اتجاه ألمانيا، ففرنسا قبيل تحريرها، ثم إسبانيا.

في هذه الفترة بدأت تتكون شخصية الرشيد إدريس المتمرد، حيث سجن في ظرف 6 سنوات ثلاث مرات في السجن المدني الذي لم يكن يفصله عن منزل عائلته بربض باب سويقة إلا الشارع الذي سيسمى في فترة الاستقلال بشارع 9 أفريل 1938. تكرار سجنه لم يكن يخيفه، فهو يقول أنه كان يشعر بالإنس داخله عندما يلتقي برفاقه مثل الباهي الأدغم و غيره. لقد كان واعيا أنه بدأت تتعلق به سمعة المناضل الوطني الشاب، إلى درجة أن الحبيب ثامر رئيس الديوان السياسي السادس انتقاه لخلافته، و ضم إليه مجموعة من النشطاء السياسيين كان أصغرهم سنا، و يذكر من سجنوا معه أنه كان أكثرهم حماسة و اندفاعا. أثناء رئاسته للديوان السياسي السابع و لم يكن سنه يتجاوز 25 سنة، أحس بأنه دخل، آنذاك، حلقة من بيدهم مفاتيح البلاد التونسية، و هذا ما سيجعله يتشبث أكثر بالانخراط في طريق النضال الوطني. كانت الفترة ما بين 3 ماي 1943 تاريخ مغادرته تونس مع المجموعة الثامرية نحو ألمانيا و 9 جوان 1946 تاريخ وصوله إلى مصر قادما من إسبانيا فترة مراجعة نقدية للذات، و فترة للتفكير في المسار السياسي الذي قد يخول له التحول من زعيم شاب من الصف السابع إلى زعيم قريب من الصف الأول. لقد تيقن من بعد نظر بورقيبة الذي لم يكن في الواقع شديد القرب منه، إذ لم يختلط به إلا لماما في الفترة ما بين 1936 و 1938 عندما كان يخطو خطواته الأولى في العمل السياسي، و لمدة قصيرة جدا سنة 1943. فبورقيبة، على عكس الحبيب ثامر رفيق الرشيد إدريس بالسجن ما بين صيف 1941 و نهاية سنة 1942، و حتى عكس بعض رفاقه بسجن حصن سان نيكولا مثل سليمان بن سليمان، كان مقتنعا منذ 1942 قبل أن يشرع الاتحاد السوفياتي في الهجوم المضاد ضد قوات المحور من أن النصر سيكون من نصيب قوات الحلفاء، و لو أن الرشيد إدريس لمح في إحدى الندوات الأدبية إلى أن بورقيبة تغير موقفه قليلا بعد إطلاق سراحه و رجوعه إلى تونس سنة 1943 . و في سنوات الغربة الأوروبية الثلاث كثف الرشيد إدريس من قراءاته السياسية، و عمل على تحسين تمكنه من اللغة الفرنسية، و شرع في تعلم اللغة الأنقليزية، و بحكم الضرورة تعلم أبجديات اللغتين الألمانية و الإسبانية.

مرحلة الهجرة القسرية
---------------------

تبدأ الفترة ما بين 1946 و 1955 بالحكم عليه بالإعدام من قبل محكمة عسكرية فرنسية بتونس يوم 26 مارس 1946 تحت تهمة التعامل مع دول المحور، و تنتهي بالرجوع إلى تونس يوم 22 جوان 1955 بعد ثلاثة أسابيع من حصول تونس على استقلالها الداخلي، و لكنه بقي تحت طائلة حكم الإعدام الذي لم يسقط بعد مفعوله. ما بين 1946 و 1952 استقر بالقاهرة، و هناك تعرف عن كثب على الزعيم الحبيب بورقيبة الذي استقر بها بصفة غير مسترسلة لمدة أربع سنوات ما بين 26 أفريل 1945 و 8 سبتمبر 1949. و ستتوثق العلاقة ما بين الرجلين، و يقال أنه أول من أطلق عليه تسمية المجاهد الأكبر سنة 1938.

إذن، يوم 9 جوان من سنة 1946 قادما من إسبانيا التحق مصر، و هناك تعرف على جو سياسي جديد سيؤثر فيه : تكوين مكتب الحزب الحر الدستوري الجديد بالقاهرة 10 شارع ضريح سعد في جوان 1946، و الالتقاء بممثلي الحركات الوطنية المغاربية، و تأسيس مكتب المغرب العربي يوم 15 فيفري 1947، و معاودة الالتقاء بالشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين، و التعرف على الأمير عبد الكريم الخطابي الذي حل بالقاهرة يوم 31 ماي 1947، و صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947، و تأسيس دولة إسرائيل في ماي 1948 و نكبة الفلسطينيين التي تلت ذلك، و موت الحبيب ثامر يوم 13 ديسمبر 1949 في حادث تحطم الطائرة التي كانت تقله و رفاقه بالباكستان عند مشاركتهم بلاهور في مؤتمر العالم الإسلامي. في شهر أكتوبر من سنة 1952 غادر القاهرة لتمثيل الحركة الوطنية التونسية بأندونيسيا، ثم انتقل إلى الباكستان، و في شهر نوفمبر من سنة 1954 عاد إلى القاهرة ممثلا للحزب الحر الدستوري بها، و بقي هناك إلى تاريخ عودته إلى تونس في جوان 1955.

في الفترة التي كان أثنائها خارج البلاد التونسية تحول الطلب الأساسي للحركة الوطنية من مطلب منح البلاد دستورا يضمن حقوق الأهالي، هذا المطلب الذي ساد في فترة ما بين الحربين،إلى المطالبة بالاستقلال التام الذي أجمعت عليه كل القوى الوطنية أثناء مؤتمر ليلية القدر في 23 أوت 1946، و لكن لاحقا تحت تأثير بورقيبة، الذي انطلاقا من قراءة جديدة للوقائع السياسية العالمية و الفرنسية و التونسية، خفض سنة 1949 سقف المطالب ليتم الاكتفاء مرحليا بمطلب الاستقلال الداخلي في نطاق التكافل مع فرنسا. و هو مطلب وجد قبولا لدي الحكومة الفرنسية، بما أدى إلى انطلاق مفاوضات الاستقلال الداخلي مع حكومة محمد شنيق التي تشكلت يوم 17 أوت سنة 1950، و التي كان صالح بن يوسف ممثلا للديوان السياسي داخلها. مفاوضات ماراتونية انتهت بمذكرة 15 ديسمبر 1951 الشهيرة، و التي بمقتضاها أنهت حكومة روبار شومان مسار التفاوض رافضة فكرة الاستقلال الداخلي ، بما أدي إلى طرح القضية التونسية من قبل حكومة شنيق على نظر الأمم المتحدة في بداية سنة 1952 ، فردت فرنسا الفعل بسياسة دموية متغطرسة كان تعيين دي هوتكلوك مقيما عاما جديدا عنوانا لها، نجم عنها اندلاع حركة المقاومة المسلحة ما بين جانفي 1952 و نوفمبر 1954. ثم تحولت السياسة الفرنسية من جديد على إثر خطاب منداس فرانس بقرطاج يوم 31 جويلية 1954، فتكونت حكومة الطاهر بن عمار التفاوضية يوم 7 أوت 1954 التي شارك فيها المنجي سليم كممثل للديوان السياسي. و في باريس و تحت إشراف من وراء الستار من قبل بورقيبة، أمضت هذه الحكومة اتفاقية الاستقلال الداخلي يوم 3 جوان 1955 من طرف إدغار فور و بيار جولي عن الجانب الفرنسي و من طرف الطاهر بن عمار و المنجي سليم عن الجانب التونسي. اعتبر بورقيبة الاتفاقية بمثابة نصر شخصي له، و رجع إلى تونس يومين قبل إمضائها رسميا، و استقبل استقبال الأبطال، بينما رفضها صالح بن يوسف بالرغم من أنه كان عضوا في حكومة شنيق الثانية التي فاوضت حول الاستقلال الداخلي سنة 1951.

في هذه الفترة ، إذن، كان الرشيد إدريس موجود قسريا خارج البلاد التونسية بفعل حكم الإعدام الذي كان يلاحقه، بحيث لم يشارك مباشرة في الحراك السياسي الداخلي لمدة تناهز عشر سنوات. فترة قضى معظمها بمصر، كانت أهم سماتها الاقتراب من بورقيبة طيلة 3 سنوات ما بين 1946 و 1949، أثائها عمل على أن يكون إلى جانب مواقف زعيم الديوان السياسي بعضها إزاء الحبيب ثامر أو سليمان ين سليمان أو غيره من زعماء الحركة الوطنية الموجدين بمصر، حيث أصبح مقتنعا ببعد نظر بورقيبة و بتفوقه على بقية زعماء البلاد. في هذه الفترة كان يحس بنوع من الفراغ، و هو الذي يتسم بديناميكيته، فاستغل الوقت المتاح لديه للتركيز على نشاطات مكتب المغرب العربي بالقاهرة، بما سمح له بتكوين مروحة من العلاقات الوثيقة مع القادة المصريين و المغاربيين و المشارقة، فتكون لديه حس عروبي و مغاربي لن يفارقه مدي حياته. أما الفترة الآسياوية ما بين 1952 و 1954، فأثرها عليه أقل، لكنها ساهمت في تعميق إحساسه بضرورة التضامن العربي الآسياوي. و عندما رجع إلى مصر الناصرية، و بقي فيها ما بين نوفمبر 1954 و جوان 1955، تأثر بأطروحات جمال عبد الناصر العروبية و بتوجهاته الاشتراكية. في هذه الحقبة كان له إحساس بأنه بعيد عن مسرح الأحداث التي تسارع وقعها، و التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى حصول البلاد على استقلالها الداخلي، إحساس بأنه يمكن أن ينسى في زحمة الأحداث، فحزم حقائبه عائدا، تصحبه زوجته جانين الصحفية البلجيكية الأصل التي تعرف عليها بجاكرتا و اقترن بها في دلهي يوم 22 نوفمبر 1953. لقد قرر العودة رغم حكم الإعدام الصادر بحقه من قبل السلط الفرنسية التي مازالت بعد لم تسلم مقاليد السلطة الفعلية إلى الحكومة التونسية. لم يكن يرغب في أن تفوته مبكرا فرصة المساهمة في بناء الدولة التونسية الحديثة، و كان يرغب أيضا في تبوء مكانة سياسية كان يرى نفسه جديرا بها. و سيتدخل بورقيبة بنفسه لإيقاف العمل بحكم الإعدام الصادر بحقه، فما بين الرجلين تكون مناخ من الثقة موروث عن الفترة المصرية : 1946 – 1949.

حقبة المساهمة في بناء دولة الاستقلال
-----------------------------------

الفترة ما بين 1955 و 1964 بدأت صعبة نوعا ما، حيث بقي عاطلا عن العمل ما بين 22 جوان و 25 أكتوبر 1955 تاريخ تعيينه على رأس جريدة "العمل" التي أعيد إحيائها كلسان حال الحزب الحر الدستوري في زمن برز فيه الخلاف البورقيبي اليوسفي حول الموقف من اتفاقية الاستقلال الداخلي. هو خلاف أدى إلى انقسام الحزب الحر الدستوري ما بين شق الأمانة العامة بزعامة صالح بن يوسف و شق الديوان السياسي بزعامة الحبيب بورقيبة. لقد حاول الرشيد إدريس مثل غيره التوفيق بين الزعيمين، و إلى حد يوم 13 سبتمبر 1955 تاريخ رجوع صالح بن يوسف إلى تونس يظهر من بعض كتاباته أنه حاول أن يكون على مسافة واحدة من القطبين. لكن لأن الخلاف ما بينهما لم يكن يحتمل الحياد، اختار الرشيد إدريس جانب بورقيبة، و بين ذلك في مؤتمر 15 نوفمبر 1955 الذي ترأس فيه اللجنة السياسية التي تولت صياغة اللائحة السياسية التي تبنت اتفاقية 3 جوان 1955، و أقصت نهائيا الشق اليوسفي من الحزب الدستوري. لكن لم تقع مكافئته بما كان يرجوه، حيث أقصي من تركيبة الديوان السياسي، بينما انضم إليه صديقاه الباهي الأدغم و المنجي سليم، و آخرون أصغر منه سنا و لم يظهروا على الساحة الوطنية إلا في بداية الخمسينات مثل محمد المصمودي و الطيب المهيري. أكثر من ذلك لم يتم ترشيحه لانتخابات المجلس التأسيسي ليوم 25 مارس 1956. أزيح من رئاسة تحرير جريدة "العمل" لفائدة الحبيب الشطى، و كتعويض له ألحق بوزارة الخارجية مكلفا بالشؤون العربية و الآسياوية. لكنه كان يرغب في دخول المجلس التأسيسي، فتم له ذلك إثر انتخابات فرعية أقيمت بولاية نابل في جويلية 1956. و بصفته تلك شارك بحماسة في مداولات المجلس التأسيسي التي أفضت إلى إلغاء النظام الملكي و التحول إلى نظام الجمهورية يوم 25 جويلية 1957. بعدها بأسبوع عين يوم 31 جويلية 1957 وزيرا للبرق و البريد و الهاتف، هذا المنصب الذي مسكه إلى حدود شهر فيفري 1964 تاريخ تعيينه سفيرا بواشنطن خلفا للحبيب بورقيبة الابن.

بدأت تلك الفترة صعبة حيث كان عليه السباحة داخل مياه مضطربة. يظهر أنه بحكم ابتعاده عن البلاد طيلة عشرة سنوات لم يستوعب تمام الاستيعاب في البداية تبدل موازين القوي داخل الساحة الوطنية لفائدة بورقيبة على حساب صالح بن يوسف، و ظهور قيادات حزبية جديدة لم يكن يعرفها مثل الطيب المهيري. كما يبرز أنه كان نوعا ما ما يزال يفكر بعقلية الأربعينات التي ارتسمت في ذهنه بالفترة التي تولى أثناءها قيادة الديوان السياسي السابع ، كأنه كان ينتظر أن يعامل مثلما يعامل المنجي سليم أو الباهي الأدغم. كما أن بقاءه بمصر الناصرية، و ربما إظهاره لبعض الانبهار بها، كل ذلك أدى إلى نوع من الحذر تجاهه من قبل بورقيبة و الحلقة اللصيقة به، بحيث كان الموقف منه يخضع لأمزجة الوقت. يترأس لجنة صياغة اللائحة السياسية في مؤتمر 15 نوفمبر بصفاقس 1955، لكن لا ينتخب في الديوان السياسي و لا حتى داخل المجلس الملي (اللجنة المركزية). لا يوضع اسمه على قائمة الجبهة الوطنية التي فازت بانتخابات المجلس التأسيسي، ثم يفتح له منفذ بتنظيم انتخابات فرعية بولاية نابل. لكن عندما تأكد بورقيبة من إخلاصه له لما كان أحد المؤثرين في التحول من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري يوم 25 جويلية 1957، عندها كافأه بتوليته وزارة البريد و البرق و الهاتف لمدة 7 سنوات.

و رغم تعيينه وزيرا إلا أن ذلك لم يخول له الارتقاء داخل هياكل الحزب الحر الدستوري، فتوجب عليه و هو المناضل العريق أن يبدأ من الصفر. أكثر من ذلك لم يفز في انتخابات الجامعة الدستورية بحيه بباب سويقة، الجامعة التي خولت له سابقا أن يكون زعيم الديوان السياسي السابع، و كان يحز في نفسه أن من فاز برئاستها ظهر أنه كان أحد أعوان الإقامة العامة و عضوا في شبكة الجوسسة المعروفة بشبكة برج الحمام، و التي ألقي عليها القبض في شهر فيفري 1959. و كشخص يرفض الهزيمة انضوى تحت لواء الجامعة الدستورية بتونس المدينة التي كان يرأسها عزوز الرباعي، و ترشح عنها لحضور مؤتمر سوسة للحزب الحر الدستوري الذي انعقد ما بين 2 و 5 مارس 1959، و في هذا المؤتمر انتخب عضوا بالديوان السياسي الذي ضم 15 عضو. و بقدر زهوه بهذا الانتخاب الذي مثل له في نهاية المطاف اعترافا بشرعيته النضالية، بقدر استيائه من التحقيق الداخلي الذي قام به بورقيبة لمعرفة سبب نجاحه هو و صديقه الطيب سليم في الانتخابات، بينما سقط فيها مرشحاه أحمد بن صالح و مصطفي الفيلالي. و مع ذلك واصل بورقيبة ثقته فيه، حيث انتخب بمجلس الأمة الذي عوض المجلس التأسيسي بمقتضى دستور سنة 1959، و بقي عضوا بالديوان السياسي إلى ما بعد أحداث بنزرت لسنة 1961، و في منصبه الوزاري 5 سنوات أخري إلى سنة 1964.

فترة النشاط الدبلوماسي الحثيث
-----------------------------

الفترة ما بين 1964 و 1980 هي فترة النشاط الدبلوماسي الحثيث. في شهر فيفري من سنة 1964 عين سفيرا بواشنطن بدلا من الحبيب بورقيبة الابن، و بقي في هذا المنصب إلى موفى سنة 1969. و رغم منصبه الجديد إلا أنه شارك في مؤتمر ببنزرت (19-22 أكتوبر 1964)، و انتخب عضوا باللجنة المركزية وعضوا بالديوان السياسي، و هو المؤتمر الذي سيطر فيه أحمد بن صالح إلى درجة أن الحزب الحر الدستوري الذي تبني تحت تأثيره الاشتراكية حول اسمه التاريخي ليتحول إلى تسمية الحزب الاشتراكي الدستوري، لكن في سنة 1969 أنهي العمل بمقتضيات تجربة التعاضد، و تم القبض على أحمد بن صالح و بعض المقربين منه. و في تلك السنة إثر رجوعه إلى تونس انتخب نائبا بمجلس الأمة، وعين عضوا بالديوان السياسي وبمجلس الجمهورية. و يذكر حادثة طريفة تتمثل في أنه في شهر نوفمبر 1969 أجرى الباهي الأدغم تحويرا وزاريا، و قبيله اقترح عليه تولي وزارة الدفاع، قبلها صباحا، لكن مساء أعلم بأن الباجي قايد السبسي عين بدلا منه، بينما كان من المنتظر أن يخلفه على رأس السفارة بواشنطن. حادثة حزت في نفسه، يرجع سببها إلى أن بورقيبة الواقع آنذاك تحت تأثير مرضه لم يكن مستعدا لأن يسند إليه أي منصب، لكنه لا يفصح عن دواعي ذلك. في سنة 1970 يعين ممثلا قارا لتونس لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك و رئيسا للوفد التونسي لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي. في سنة 1971 أعيد استقطابه عضوا بالديوان السياسي، و في نطاق عمله بنيويورك انتخب رئيسا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لمنظمة الأمم، و بصفة ممثل تونس بالمنتظم الأممي ترأس عديد المرات جلسات الجمعية العامة. و شارك بانتظام في كل أنشطة الهياكل الأممية بنيويورك أثناء الفترة ما بين 1970 و 1976. سنة 1976 رجع إلى تونس و عين مستشارا دبلوماسيا. قاد سنة 1978 الوفد التونسي إلى ندوة التعاون الفني بين البلدان النامية ببيونس آيرس عاصمة الأرجنتين. في سنة 1979 أوفد رسولا خاصا للرئيس بورقيبة لدى كل من رئيس لبنان إلياس سركيس وياسر عرفات ، و إلى ورئيسي اليمن الشمالي واليمن الجنوبي والسلطان قابوس سلطان عمان، والى رئيسي دولتي قطر والبحرين. و في سنة 1980 مثل تونس في الاجتماع الخاص للجنة مراجعة ميثاق الأمم المتحدة بمانيلا عاصمة الفيليبين.

هذه الفترة من مسيرة الرشيد تتطلب المزيد من التحليل. فأثناءها كان عليه أن لا يفقد موقعه داخل الحزب الحاكم، و كان يعمل جاهدا على أن يكون عضوا في الديوان السياسي. لقد اتعظ من تجربة سنة 1957 لما لم يفز في انتخابات الجامعة الدستورية بحيه بباب سويقة، و فهم أنه لكي يبقى قريبا من مواطن القرار عليه دائما أن يكون موجودا داخل حلقات القيادة العليا للحزب الحر الدستوري الذي تحول إلى تسمية الحزب الاشتراكي الدستوري. و في هذا الصدد لم يظهر الرشيد إدريس عداء لتجربة التعاضد، بل كان يقول أنه في فترة الستينات تأثر بالتجربة الاشتراكية انطلاقا من معايشته لبدايات تطبيق بعض معالمها في مصر الناصرية أثناء رجوعه إلى مصر ما بين منتصف 1954 و منتصف 1955، كما أنه لم يكن متحمسا للمشاركة في اللجنة البرلمانية التي خصصت في ديسمبر 1969 لمحاكمة أحمد بن صالح. و في هذا السياق يذكر أن سنة 1969 كانت صعبة بالنسبة له، فهي تمثل سنة وفاة صديقه المنجي سليم، و أثناءها رجع إلى تونس، و بدأ يظهر نفسا تحرريا حيث عارض التشدد مع الطلبة المسجونين إثر إضرابات 1968 – 1968، كما عارض محاكمة بن صالح، و عارض التحوير الوزاري الذي يمنح للوزير الأول أهلية رئاسة الجمهورية عند حدوث شغور، رغم أن هذا التعديل يخدم مصلحة صديقه الوزير الأول الباهي الأدغم. و يظهر أنه بسبب ذلك توترت العلاقة ما بين الصديقين، و لأن الباهي الأدغم معروف بصبره و حلمه استدعى صديقة لجلسة يطلق عليه الرشيد تسمية جلسة العمر وقع أثنائها طرح المسألة، و تم التوصل إلى حل يرجع بمقتضاه الرشيد إلى ما سماه منفاه الذهبي كممثل لتونس بالأمم المتحدة، هذا المنصب الذي شغله من سنة 1970 إلى سنة 1976.

أثناء المؤتمر الثامن الذي انعقد بالمنستير ما بين 11-13 أكتوبر 1971 من أجل توضيح السبل على إثر التحول من التجربة الاشتراكية إلى التجربة الليبرالية تحت قيادة الهادي نويرة، دعا الرشيد إدريس إلى إدخال جرعات من الديموقراطية على عمل الحزب الدستوري و على النظام السياسي القائم، و كان أول من نادي بفكرة الميثاق الوطني. و في هذا المؤتمر ثم في مؤتمر المنستير الثاني الذي سمي مؤتمر الوضوح الذي انعقد ما بين مؤتمر12 و 15 سبتمبر 1974، و الذي طرحت فيه فكرة نظام الرئاسة مدي الحياة لفائدة الرئيس بورقيبة تعمق الخلاف ما بين المجموعة الليبرالية و المجوعة المتحجرة التي كان يتزعمها محمد الصياح، و إن كان الرشيد إدريس قريبا جدا من المجموعة الأولى، إلا أنه لم ينشق عن الحزب الاشتراكي الدستوري و لم يطرد منه مثلما حدث لها.

في الفترة ما بين 1964 و 1980 برزت مواهبه كدبلوماسي محنك. و في الواقع قبل أن يتولي منصبه كسفير بواشنطن 1964- 1969 و كممثل تونس بمنظمة الأمم المتحدة بنيويورك 1970 – 1976، شارك سنة 1957 في بعثة برلمانية للقيام بمساع حميدة في منطقة الشرق الأوسط، و في سنة 1961 كلف وهو وزير للبريد و البرق و الهاتف بمهمة مبعوث خاص للرئيس بورقيبة إلى بلدان أمريكا الوسطى و الجنوبية على اثر حوادث بنزرت في جويلية 1961. بالنسبة للمهمة الأولى يفسر اختياره لها بالنظر لشبكة العلاقات المشرقية التي كونها أثناء استقراره بمصر ما بين سنتي 1946 و 1952 و ما بين سنتي 1954 و1955، و لمعرفته بتشعبات الوضعية السياسية للمنطقة. أما بالنسبة للمهمة الثانية فيعود ذلك لمعرفته باللغة الإسبانية التي يتكلمها أغلب سكان المكان، و أيضا لقدراته الإبلاغية التي بدأ يعرف بها. و هته التجارب المختلفة ستساعده لاحقا على البروز كسفير محنك بواشنطن، ثم كممثل لتونس بمنظمة الأمم المتحدة. و لاحقا سيستعين به بورقيبة لعديد مهام الوساطة الخارجية، و من أحبها إلى قلبه الوساطة ما بين إلياس سركيس و ياسر عرفات.

فترة جمعية الدراسات الدولية و رئاسة الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية
--------------------------------------------------------------------------------

الفترة ما بين 1980 و تاريخ وفاته يوم 5 سبتمبر 2009 تميزت بتأسيسه لجمعية الدراسات الدولية و لمعهد العلاقات الدولية و بتوليه لمدة تناهز 10 سنوات رئاسة الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. ففي يوم 5 نوفمبر من سنة 1980 تقدم هو و مجموعة من المهتمين بالدراسات الدولية بطلب لوزارة الداخلية لتأسيس جمعية تحت اسم "جمعية الدراسات الدولية"، تحصلت على التأشيرة القانونية و بدأت في النشاط يوم 25 فيفري 1981. و منذ ديسمبر 1981 أصدرت مجلة "دراسات دولية" كدورية تصدر كل ثلاثة أشهر، و شرعت في تنظيم ملتقيات و ندوات علمية عالمية تنشر وقائعها في إصدارات خاصة أو في أحد أعداد المجلة. سنة 1993 أسست الجمعية "معهد العلاقات الدولية"، و هو معهد ينظم دورة تكوينية كل سنة لفائدة طلبة العلوم السياسية الحاصلين على شهادة الأستاذية فما فوق، علاوة على إقامته لمحاضرات شهرية تتعلق بقضايا العلاقات الدولية المستجدة.

متيقنا من استفحال أمراض شيخوخة بورقيبة، و من انفلات الأمور من بين يديه لفائدة بعض اللصيقين به في القصر، في فترة صعوبات اقتصادية و تفاقم خطر حركة النهضة، فإنه اعتبر أن منصب الرئاسة أصبح شاغرا، بحيث ساند من اللحظات الأولي تحول السابع من نوفمبر 1987، و ذلك عملا بمقتضيات الفصل 57 من الدستور الذي يخول للوزير الأول تولى منصب الرئاسة عند شغوره. عينه الرئيس زين العابدين بن علي في سنة 1991 على رأس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. سنة 1992 كلفه الأمين العام لجامعة الدول العربية بمتابعة قضية المحتجزين الكويتيين في العراق، و هي قضية إنسانية حاول إيجاد مخارج لها بكل جهد و مسؤولية. سنة 1994 شارك في ندوة شانغاي بالصين حول مسيرة السلام في الشرق الأوسط . سنة 1995 شارك في ندوة بجاكرتا باندونيسيا حول قضايا التنمية. و في سنة 1996 ساهم في تأسيس شبكة اورومسكو في نطاق مشروع برشلونة للشراكة. زار القدس سنة 2000 بمناسبة ندوة دولية نظمتها شبكة الأورومسكو أشرف عليها المرحوم فيصل الحسيني حول آفاق السلام بالشرق الأوسط. إثر ذلك ندرت تحركاته خارج تونس، و ركز جهده طيلة العشر سنوات الباقية من عمره لتسيير جمعية الدراسات الدولية.

في الواقع لم يكن الرشيد إدريس المناضل العتيق، و رجل السياسة المحنك، و الدبلوماسي العريق يؤمن بأن التقاعد الوظيفي يعنى البقاء في البيت و قراءة الجرائد و تصفح برامج التلفزيون. كان مقتنعا أن بإمكانه إفادة البلاد بخبرته و بعلاقاته الخارجية، كما كان يتحرق لإثبات قدراته التي كان في قرارة نفسه مقتنعا أنها لم تستثمر بما فيه الكفاية. ففي هذا النفس أسس جمعية الدراسات الدولية مع رفيق دربه طيلة السنوات الثلاثين الأخيرة الأستاذ خليفة شاطر. لقد تأسست أثناء الفترة الأخيرة من حكم الزعيم بورقيبة، فكان عليها تلمس طريقها مواربة، إذ أن الوضعية السياسية كانت متقلبة، لذلك فإنها تفادت البروز، و كانت أنشطتها شديدة الانتقائية موجهة أساسا للأكاديميين المتخصصين في الشؤون الدولية. و الرشيد إدريس بحكم حدسه السياسي، و لكن أيضا بفعل امتعاضه من الوضعية التي آل إليها نظام الرئيس بورقيبة في أواخر أيام حكمه، فإنه كان من أوائل المساندين لتحول السابع من نوفمبر سنة 1987. و لما اطمأن للتوجهات الإصلاحية للرئيس بن علي كتب إليه دراسة حول تصوراته للإصلاحات السياسية و المجتمعية التي يأمل أن تتحقق في عهده، فأرسل إليه تقريرا في الغرض يكاد فيه يستعيد مواقفه لسنة 1971 التي عبر عنها أثناء انعقاد مؤتمر المنستير للحزب الاشتراكي الدستوري الذي أعقب نهاية تجربة التعاضد. مواقفه التي عبر عنها، و سمعته كمدافع عن الحريات و عن حقوق الإنسان داخل الحزب الحاكم، جعلته يعين على رأس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، منصب شغله طيلة 9 سنوات إلى سنة 2000. إن علاقات الثقة مع رئاسة الجمهورية و تمتيعها لجمعية الدراسات الدولية بمنحة سنوية خولت له تطوير أنشطة الجمعية و تأسيس معهد العلاقات الدولية سنة 1993. و الجمعية و مجلتها و معهد الدراسات الدولية و الملتقيات العلمية العديدة ساهموا في خلق مناخ بحثي جدي في مضمار العلاقات الدولية، فمثلا بعض الدبلوماسيين التونسيين المتقاعدين يقولون أنهم كانوا يجلون نظرتهم لعدد من قضايا الساعة انطلاقا مما كانوا يطالعونه في مجلة دراسات دولية. كما أن الجمعية أصبحت تعتبر حاليا واحدة من أنصع تجليات المجتمع المدني التونسي، و تحظى بسمعة عربية و عالمية من ناحية حيويتها وجودة فعالياتها و حياديتها، سمعة قل أن تحظى بها المؤسسات الشبيهة الناشطة في المضمار.

الرشيد إدريس : رجل التحديات
-----------------------------
من منطلق رأي المتواضع، كان الرشيد إدريس، بحكم تكوينه النفسي و ثراء تجاربه، يشتغل بحسب مبدأ التحدي و الرهان:

لم يتحصل على البكالوريا، و لم يلتحق بالتعليم العالي على غرار بورقيبة أو المنجي سليم أو الحبيب ثامر أو محمود المسعدي...لكنه كون نفسه بنفسه بقراءاته التي لم ينقطع عنها يوما، و بمخالطته لكبار الزعماء و القادة و الدبلوماسيين و المتخصصين في العلاقات الدولية و الأكاديميين و غيرهم ممن يستنجبهم. و في هذا المضمار لم يكن يمثل استثناءا، ففي نفس حالته يذكر القائد النقابي الأصيل و الزعيم الوطني الكبير فرحات حشاد مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل، و كذلك الباهي الأدغم "الزعيم الصامت" الذي شغل منصب الوزير الأول لمدة تناهز 14 سنة. فتأسيسه لجمعية الدراسات الدولية التي كانت تستعين بعدد كبير من الجامعيين، ربما مثل بالنسبة إليه إرادة مخفية للقول بأنه ليس أقل مستوى أكاديمي ممن لهم الأستاذية بل الدكتوراه، و بالفعل كان في ميدانه يتفوق على أفضل الأكاديميين من الشرق و الغرب. هي المؤسسة التي منحته رمزيا شهادة الكفاءة الأكاديمية العليا.

لقد كانت الكتابة بالنسبة له فعلا يوميا لم ينقطع عنه إلى قبيل وفاته. في العشرينات من عمره كتب في جريدة "تونس الفتاة" التي لم يتجاوز صدورها في مرحلة أولى شهر أفريل من سنة 1938، ثم أعيد إصدارها و تم توقيفها عند اندلاع الحرب العالمية الثانية في بداية شهر سبتمبر من سنة 1939. و في ديسمبر 1942، لما عاد إلى سالف نشاطه السياسي إثر خروجه من السجن، ساهم في نشر صحيفتي "إفريقيا الفتاة" و"الشباب". في مصر مارس مهنة المراسل الصحفي لفائدة جريدة "الزهرة" التونسية. و ما بين أكتوبر سنة 1955 و مارس 1956 عين على رأس جريدة "العمل" لسان الحزب الحر الدستوري. و في نطاق مهامه الدبلوماسية كان بطبيعة الحال ملزما بتحرير مكاتبات لرؤسائه في العمل. لكن موهبة الكتابة لفائدة الجمهور العريض تفتقت لديه إثر تقاعده لما توجه نحو كتابة مذكراته السياسية، و في هذا الصدد نشر "من باب سويقة إلى منهاتن" و "من جاكرتا إلى قرطاج" و "ذكريات مكتب المغرب العربي في القاهرة" و "في طريق الجمهورية" و "خيار العمر" و " combat d'un Reflet" و "Itinéraire d’un tunisien". و في هذا الميدان كان الرشيد إدريس من أوائل السياسيين التونسيين الذين كتبوا مذكراتهم، ربما لم يسبقه في ذلك إلا محمد الصالح مزالي القريب من سلط الحماية التي ولته الوزارة الأولى لمدة قصيرة منتصف سنة 1954، و الذي أصدر سنة 1972 كتاب Au fil de ma vie. في مذكراته أراد الرشيد إدريس أن يكون موضوعيا، و لو أن في مثل هذا النمط من الكتابة تنتفي المسافة النقدية و تطل النرجسية قليلا أو كثيرا ما بين السطور. استعمل أسلوب التصريح تارة و أسلوب التلميح طورا آخر، لكن لم يكن لديه هم إثبات بطولات وهمية أو تشويه سمعة خصم سياسي. أراد أن يقول أنه مناضل وطني، و من بناة الدولة التونسية الحديثة، و له هم إصلاحي تحديثي. و أيضا كتب مؤلفات ذات نفس روائي مثل رواية "A L’aube la lanterne " التي ترجمت إلى "فانوس الفجر" و "أرق على ورق" و "السالي هرب" و "عم سعيد في باب سويقة"، و كأنه هنا يريد هنا أن يبين أن له حس إبداعي، و لربما كان يريد أن يتماثل مع بعض الأدباء الدبلوماسيين مثل محمد العروسي المطوي والشاذلي زوكار، لكن ربما كان يريد أن يتماهي أكثر مع الساسة الأدباء كالحبيب بولعراس الذي كان له هاجس أدبي واضح منذ تأليفه لكتاب "مراد الثالث"، و الذي قدم للرشيد إدريس كتاب "Au gré du calame" و كتاب "عم سعيد في باب سويقة".

كان يريد أن يكون خطيبا، لقد تعود منذ صغره على مخاطبة الجمهور. أول محاضرة ألقاها الرشيد إدريس و لم يتجاوز عمره 17 سنة كانت بالخلدونية يوم 11 مارس 1934 في نطاق أنشطة الشبيبة المدرسية تحت عنوان الجاحظ، أردفها بمحاضرة أخرى عنوانها "المعركة بين الحديث والقديم" يوم 29 أفريل 1934، و في 29 أكتوبر من نفس السنة ألقى محاضرة عنوانها "التاريخ ونفوذه على النفوس"، و عناوين هذه المحاضرات الشبابية تعطى فكرة عن توجهاته المستقبلية. في نطاق بروزه كزعيم شاب بدأ يلقي الخطب السياسية و في السجن المدني بتونس كان خصوصا أثناء سنة 1942 من أهم خطباء العنابر لرفع معنويات المسجونين معه. يوم 25 جويلية 1957 ألقى خطبة متميزة ساهمت في جر الحاضرين بجلسة المجلس التأسيسي للموافقة على التحول إلى النظام الجمهوري. في نطاق مهامه كوزير للبريد و البرق و الهاتف و كعضو في الديوان السياسي كان من الذين يتحركون دوريا لإلقاء خطب تشرح سياسات الدولة. و عندما تولى مهامه الدبلوماسية كممثل لتونس بمنظمة الأمم المتحدة أصبح من نجوم المنتظم الأممي في إدارة الجلسات و في إلقاء المداخلات باسم البلاد التونسية. و عندما تأسست جمعية الدراسات الدولية، و شرعت في تنظيم الملتقيات العلمية برز كواحد من أفضل من يدير الحوارات، و في هذا الشأن تعلم عليه الكثير من الجامعيين تقنيات إدارة الجلسات العلمية، و افتتاح المؤتمرات و اختتامها.

كان يرغب في أن يتواصل الاعتراف به كخبير عالمي في الشؤون الدولية التي بدأ يتلمس خطواتها الأولى في نطاق مكتب المغرب العربي بالقاهرة، و كممثل للحزب الحر الدستوري بشرق آسيا، ثم كسفير و ممثل لتونس بمنظمة الأمم المتحدة، و كمستشار دبلوماسي. كأنه كان يريد أن يثبت لنفسه و للآخرين أنه و إن لم يتول وزارة الخارجية إلا أنه ليس أقل قيمة ممن تولوها قبله، خصوصا صديقه المنجى سليم الذي يعد أب الدبلوماسية التونسية. و لإثبات ذلك ثابر على كتابة افتتاحيات مجلة "دراسات دولية"، أخرها صدرت في العدد 111 المؤرخ بجوان 2009، و كانت بعنوان "أفغانستان". كذلك قبل بكل سعة صدر القيام بالمهمة التي كلفه بها عصمت عبد المجيد الأمين العام السابق للجامعة العربية و المتمثلة في متابعة قضية المفقودين الكويتيين بالعراق سنة 1992 رغم هشاشة ظروفه الصحية آنذاك.

في نهاية القول ما هي الصورة الباقية في ذهني عن الرشيد إدريس ؟
هي صورة شيخ وسيم تسعيني العمر، شعره أبيض فضي جميل، أنيق في لباسه و معتن شديد الاعتناء بمظهره. ينطق بلكنة بلدية أهل الحاضرة المتفردة. متخلق، لا تسمع منه لغوا. لم يكن أبدا يهذر بما يعرف و بما لا يعرف. كان سميعا، قادر على الإصغاء لأقوال مختلفة و في بعض المرات متعارضة، و بعدها يستنبط الرأي الأصيل الذي يختزل أعماق تجارب قل من مر بها من الناس. الكل يطلب مشورته و يسترشد بمواقفه من قضايا الساعة، لقد كانت له هالة العارف بما لا نعرفه. كانت له هيبة السن التي لم يستعمل حصانتها لتصفية حسابات متأخرة. له إحساس باطني بأنه أرفع من أن ينزلق إلى مهاترات لا طائل من ورائها. جريء في مواقفه، لكن دون صدامية مجانية أو غير محسوبة النتائج. كان مؤمنا بقيم الديمقراطية الحقيقية و بحقوق الإنسان في مختلف أبعادها، لكن لأنه يتهيب من الشيطان النوميدي، لم يكن يرى ذلك يتناقض مع واجب الدفاع عن الدولة و هيبة النظام.

إصدارات الرشيد إدريس:

• من باب سويقة إلى منهاتن، 1980
• ذكريات مكتب المغرب العربي في القاهرة، 1981
• من جاكرتا إلى قرطاج، 1983
• أرق على ورق 1990
• في طريق الجمهورية 2001
• السالي هرب 2003
• خيار العمر 2008
• عم سعيد في باب سويقة 2008
• A L’aube la lanterne 1981
• ERRANCE 1990
• combat Reflet d'un 1996
• Au gré du calame 1997

وله مئات المقالات المنشورة في الصحف و في مجلة "دراسات دولية"

علي بوعزيز
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية – موقع الدراسات الخلدونية
اقرأ مقالات admin | التعليقات (0) | عدد مرات القراءة (468)
2009/02/02
القسم: جمعيات صديقة : 

الكاتب: admin (3:52 pm)
إن المشاركين في الندوة التي نظمتها بمقرها جمعية "لدراسات الدولية" بتونس يوم الجمعة 30 جانفي 2009 تحت عنوان " مضاعفات الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحتل"، و التي تندرج ضمن سلسلة متابعاتها للمستجدات الإقليمية و العالمية، يسجلون ما يلي :
1. اعتبار العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة الفلسطيني المحتل جريمة حرب مدانة يعاقب عليها القانون الدولي و كل التشريعات الأممية و المواثيق الحقوقية العالمية، و حلقة جديدة من سلسلة الاعتداءات و جرائم الحرب التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين منذ احتلال فلسطين و بصفة أخص خلال حقبتي الإدارة الأمريكية السابقة المساندة لجميع أشكال القمع التي تستخدمها القيادات الحربية و السياسية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين، بما فيها استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، علاوة على ممارسة العقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني برمته.

2. يدعمون أنصار السلام و العدل عربيا و إقليميا و دوليا، و يساندون تحركات المجتمع الدولي – حكومات و منظمات أممية و إنسانية و حقوقية و مهنية- لتتبع مجرمي الحرب الإسرائيليين من سياسيين و عسكريين أمام كل المحاكم و الهيئات المعنية.

3. ينوّهون بتحركات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون و نداءاته لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة و التحقيق في الجرائم الإسرائيلية ضد المدنيين و ضد مقرات الأمم المتحدة، و يدعمون دعوته المجتمع الدولي إلى إقامة سلام عادل و شامل و دائم في المنطقة من بين أسسه إنشاء دولة فلسطينية مستقلة.

4. يرحبون بعدد من المبادرات الإيجابية الصادرة عن الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما و عن عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الجديدة التي أعربت عن حرصها على إحلال سلام دائم و شامل في المنطقة، و استبدال الخيارات العسكرية و الأمنية للإدارة السابقة بخيار الحوار، و يدعونها للعمل بحزم و موضوعية على تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي و إنهاء احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، و بناء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة و تتمتع بحدود آمنة و عاصمتها القدس.

5. ينوهون بمواقف تونس الثابتة المساندة للشعب الفلسطيني و مطالبه الوطنية المشروعة، و معارضتها بقوة للاعتداءات الإسرائيلية، و من بينها العدوان الأخير على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. كما ينوهون بالمواقف المشرفة التي عبر عنها الرئيس زين العابدين بن على أمام القمة العربية بالكويت، و التي دعت الدول العربية و العالم إلى تحرك عقلاني و ناجع و دائم في المنطقة يضع حدا لمأساة الشعب الفلسطيني و يضمن له حقوقه.

6. يدعون المنظمات غير الحكومية و كافة مؤسسات المجتمع المدني المعنية للنظر في إمكانية تنظيم محكمة شعبية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

7. يدعون إلى فك الحصار الظالم عن سكان غزة من أجل تلبية الحاجيات الآنية للشعب الفلسطيني تفاديا لتعمق الكارثة الإنسانية الحاصلة بالقطاع. و يهيبون بكل الدول العربية العمل على توحيد الصف العربي أمام العدوان الإسرائيلي الغاشم، و العمل على الاستفادة من التعاطف الدولي غير المسبوق تجاه القضية الفلسطينية العادلة.
اقرأ مقالات admin | التعليقات (0) | عدد مرات القراءة (648)
2009/01/26
القسم: جمعيات صديقة : 

الكاتب: admin (2:47 pm)
تعقيبا على الأحداث الأليمة الناجمة عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة صدر عن الجمعية التونسية للأمم المتحدة بتاريخ 23 جانفي 2009 البيان الصحفي الآتي :

الجمعية التونسية للأمم المتحدة
ASSOCIATION TUNISIENNE POUR LES NATIONS UNIES
UNITED NATIONS ASSOCIATION OF TUNISIA

إن الجمعية التونسية للأمم المتحدة :

إذ تذكر بضرورة التزام كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بمبادئ وقيم ميثاق المنظمة كشرط أساسي للعضوية في المنظمة وأهمية احترام الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي العام بعيدا عن الانتقائية وازدواجية المعايير، وبعد تدارسها للتطورات التي جدت علي الصعيد الدولي إثر العدوان الإسرائيلي على غزٌة :

1. تعرب عن اعتزازها بمواقف سيادة الرئيس زين العابدين بن علي منذ بداية العدوان تعبيرا عن تأييد تونس ومساندتها المطلقة للشعب الفلسطيني في المحنة التي يتعرض لها من جديد، وما لقيته مبادرات سيادته المختلفة من تجاوب وطني ووقفة تضامنية عارمة.

2. تعرب عن استغرابها لتأخر مجلس الأمن في الاضطلاع بمسؤولياته في حفظ الأمن والسلم الدوليين طبقا للمادة 24 من الميثاق، وعدم توصله إلى قرار بوقف إطلاق النار إلا بعد سقوط أعداد كبيرة من الضحايا من الأطفال والنساء والعجز وغيرهم من المدنيين، وبعد إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والمنشآت الصحية والتعليمية والممتلكات الخاصة والعامة.

3. تلاحظ أن القرار 1860 (2009) بتاريخ 8 جانفي 2009 لمجلس الأمن اكتفى بالدعوة لوقف إطلاق النار دون اتخاذ أي إجراءات لرفع الحصار وفتح المعابر ومنع تكرار العدوان، وتدعو إلى الإسراع بتحقيق ذلك مع توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني، وتدعو مجلس الأمن إلى مطالبة إسرائيل بالتقيد بمقتضيات اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين زمن الحرب وجميع الاتفاقيات المتعلقة بعدم استخدام الأسلحة المحظورة.

4. تسجل بارتياح تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، حول ملاحقة مقترفي الفظائع الإسرائيلية وتطالب بمتابعة جادة للإجراءات الكفيلة بتحقيق هذا الغرض. كما إنها تشيد بالموقف الجريء لمدير وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين السيد جون بينغ الذي عبّر بدون مواربة عن هول جرائم الحرب التي لم تسلم منها منشآت الأمم المتحدة وموظفيها في غزّة.

5. تؤكد أن المصالحة الفلسطينية شرط أساسي لمواجهة مخلفات العدوان و تهيئة الأسباب الكفيلة بتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس الشريف، طبقا لقرارات مجلس الأمن، وخاصة منها القرار 242 (1967) والقرار 338 (1973)، وذلك بما يسمح بإفشال المخططات الإسرائيلية لبث الفرقة والانقسام في صفوفه و تكريس الاحتلال.
اقرأ مقالات admin | التعليقات (0) | عدد مرات القراءة (609)
2008/08/12
القسم: خواطر : 

الكاتب: admin (12:19 pm)
حتى نهاية عشرية الثمانينات من القرن الماضي كان مطلب تعريب العلوم الإنسانية و الاجتماعية في البلدان العربية مطلبا ملحا و محقا. لقد كان مطلبا للنخب الوطنية التي كانت تعتبر أن تدريس هذه العلوم باللغة الأنقليزية و الفرنسية يجسد تواصلا للإرث الاستعماري، و كانت ترى أن إتمام إنجاز الاستقلال السياسي يفرض القطع مع لغة الدولة الاستعمارية، بحيث تدريجيا عربت هذه العلوم، و ارتباطا بذلك تكون جيل من الأكاديميين العرب ممن يكاد يكون أحادي اللغة : لا يقرأ إلا ما كتب باللغة العربية، و لا يستطيع أن يكتب بغير لغته الأم.

حاليا، أصبحت الجامعات العربية تتكون من جيلين : جيل القدامى، أعمه ثنائي اللغة، إذ تكون في الجامعات الغربية و رسائله الجامعية كتبها بغير اللغة العربية، و عندما انخرط في باب العمل الأكاديمي ببلده الأصلي أعاد اكتساب حذق ممارسة لغته الأم، و جيل المحدثين الذين يكاد أغلبهم يجهل اللغات الأجنبية خصوصا من تلقوا تكوينهم الأكاديمي في بلدهم الأصلي، و إن كان يفهما إلا أنه يتعسر عليه الكتابة بواسطتها. و كدليل على ذلك يمكن النظر في أعمال الندوات التي أقيمت في بعض البلدان العربية بمناسبة ذكرى مرور 600 سنة على وفاة ابن خلدون، و التي بدأت تصدر تباعا، و لا يوجد في بعضها مقال وحيد كتب بغير اللغة العربية، و في بعض المقالات لا يوجد استشهاد يتيم بكاتب غير عربي.

صحيح أن عملية التعريب بينت خطأ أولئك الذين شككوا في جدوى العملية، و بينت صواب من كان يدافع عن قدرة اللغة العربية على استيعاب كل مفردات الحداثة البحثية، و كان يقول أنها لغة ثرية لا يستحيل عليها ترجمة أي كلمة أجنبية، و حاليا هناك مئات المحاولات الجادة في هذا المضمار التي تثبت صحة هذا الرأي. لكن في المقابل أدت العملية إلى عزلة أكاديمية عربية واضحة. فجيل المحدثين الذي ينشر حصرا باللغة العربية، رغم جودة بعض دراساته، بقي مجهولا به خارج العالم العربي، و بعضهم لا يعرفهم إلا زملائهم من نفس البلد فقط. كيف يمكن أن يصلوا إلى درجة العالمية إن استحال على غير العرب مطالعة كتاباتهم، و لم تترجم كتبهم، بحيث لا يستدعون كأستاذة معارين أو زائرين أو محاضرين في الجامعات الغربية العريقة، و نادرا ما شاركوا في الندوات العلمية خارج البلدان العربية، و لم ينشروا مقالات في المجلات الأكاديمية الغربية ذات السمعة العالمية.

أقلية من الباحثين العرب في ميادين العلوم الإنسانية و الاجتماعية معروفون خارج العالم العربي ، إنهم أولئك الذين كتبوا مقالات في دائرة معارف الإسلام (نشر دار بريل)، أو من نشروا مقالات في المجلات الأكاديمية الغربية، أو أصدروا كتبا باللغة الفرنسية و الأنقليزية أثارت إشكاليات أو ملأت فراغا، و هؤلاء أغلبهم الآن شيوخ، و بعضهم غادر العمل الأكاديمي. أما "الشباب"، فبحكم أحاديتهم اللغوية الطاغية، ضيقوا على أنفسهم دائرة النشر، و بالتالي قلصوا حدود حلقة من لهم القدرة على مطالعة كتاباتهم التي لا تتجاوز في أحسن الحالات تخوم العالم العربي.

إن الكتابة حصرا بلغة أجنبية وضع لا يمكن بأي حال تبريره، عطفا على أنه أمر معيب يبين انبتاتا فكريا و اغترابا مرضيا. كما أن الكتابة حصرا باللغة العربية يعد بمثابة نكوص إلى ما قبل القرن التاسع عشر، و هو دليل مرض لا دليل عافية. من يريد كتابة متفردة، و تتسم بالعمق و الثراء عليه أن يحذق على الأقل لغتين، عندها سيكتسب منطقين، و معجمين، و موروثين ثقافيين، و هذا أقل ما هو مقبول بالنسبة لباحث يريد أن يكتسب صفة العالمية.
اقرأ مقالات admin | التعليقات (0) | عدد مرات القراءة (1370)




شروط الخدمة
Google here